أخر تحديث : الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 9:58 مساءً

ملعب دار الدخان في مهب الريح

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 30 سبتمبر, 2014 | قراءة

تعرض الملعب البلدي بدار الدخان إلى الإهمال والتخريب من طرف المسؤولين في الجماعة الحضرية وسكان الحي، فقد هدم مستودع الملابس، وفتح السكان عدة كوات في الجدران، فاضطر فريق النادي الرياضي القصري العتيد والوحيد آنذاك (موسم 1978/1979 ) أن ينصب خيما لتبديل الملابس أثناء كل مبراة، خيمة لطاقم التحكيم، وخيمة للفريق الضيف، وثالثة لفريق المدينة، وعند انتهاء المقابلة يتوجه الجميع إلى حمام الحي التقليدي، وانتشر الخبر المعيب في مدن الشمال، وتحول القصر وفريقه إلى وجبة دسمة في موائد السمر والفكاهة والترفيه.

ومن أجل التخلص من هذا الوضع الحرج، وإعادة الاعتبار لفارس الشمال اجتمع مكتب النادي الرياضي القصري – في شخص عبد الكريم علوش، ومحمد الموذن، ومحمد الصيباري، وميمون البنشعبوشي، ومحمد الدوعيسي، وبنخدة مسعود، ومحمد أجطو الغرباوي، والحاج محمد كابر- برئيس المجلس البلدي ومن معه، مطالبين بإلحاح إصلاح الملعب البلدي، فكانت الصدمة أشد وأمر، حيث حدد المجلس البلدي مساهمته في ترميم الملعب في 30 كيسا من الإسمنت، ولا حول له ولا قوة، لأن فاتورة الولائم في مطعم الخزامة بالعرائش أنهكت ميزانيته، ذهل الجميع من موقف المجلس السلبي، وأبى مكتب النادي الاستسلام لسياسة الإحباط، وقرر ركوب مطية التحدي، ومواصلة تحمل مسؤليته الرياضية التربوية والاجتماعية في ظروف صعبة قاسية.

قبيل انتهاء الأشواط الأخيرة من البطولة الوطنية لكرة القدم – القسم الوطني الثالث بعصبة الشمال- همس الأستاذ م.س في مسمع صديقه محمد الموذن، الكاتب العام للنادي الرياضي القصري قائلا: “هناك مؤامرة تحاك ضد ملعب دار الدخان، وضد الفريق، إن جهة ما تخطط للسطو على الملعب، وتحويله إلى تجزئة سكنية، يمكن لك أن تطلع على تصميم هذه التجزئة السكنية لدى السيد مصطفى فرجي إن أردت مزيدا من التحقيق، وستدعون قريبا إلى اجتماع رسمي، يتم خلاله انتزاع اعتراف أعضاء المكتب الإداري للنادي الرياضي القصري بأن الملعب لم يعد صالحا لممارسة لعبة كرة القدم. انتهى كلام السيد خليفة رئيس المجلس البلدي الغيور على قطاع الرياضة. ولم تمر سوى أيام قلائل حتى توصل أعضاء النادي بدعوات حضور الاجتماع المشؤوم، وقد حضر الاجتماع باشا المدينة، وأعضاء أخر من السلطة المحلية، وجميع المنتخبين في المجلس البلدي، أغلبية ومعارضة، وجمهور من الانتهازيين الموالين للمجلس البلدي، المروجين لسلعته، المزكين لقراراته، المرددين لمقولاته.

امتلأت قاعة الاجتماع بقصر البلدية قبل موعد اللقاء، وأخذ الكل مقعده المخصص له، تصدر المجلس السيد الرئيس، وعلى يمينه جلس باشا المدينة السيد الفاضل الطيب، وبعض من رجال السلطة، وعلى يساره تموقع بعض نوابه في المجلس، ومخالفوه في النهج والهدف والانتماء، وفي الضفة المواجهة يجلس رئيس النادي، وبجانبه الأيسر يجلس خليفته السيد محمد الصيباري، فأمين المال ميمون البنشعبوشي، ثم بنخدة مسعود، وفي جانبه الأيمن محمد الموذن الكاتب العام للفريق، فمحمد الدوعيسي، ومحمد أجطو الغرباويي، وباقي أعضاء الفريق، أما باقي الحاضرين فأخذوا مواقعهم حسب ما تيسر لهم، ولإضفاء طابع الرسمية والأهمية على الاجتماع أعد له المنظمون طاقما من الموثقين والمصورين، وعددا غير قليل من المصفقين.

افتتح السيد رئيس المجلس البلدي الاجتماع بمقدمة غزلية وطللية، تعرض فيها لأهمية الرياضة في المجتمع، وللحالة المتردية التي آل إليها الملعب البلدي، ومن أجل ذلك فالمجلس البلدي تبنى مشروعا رياضيا عملاقا، يتجسد في بناء مركب رياضي كبير، يليق بسمعة مدينة القصر الكبير، وفريقها العتيد، وقد وضع تصميم المركب بعناية في زاوية القاعة الأمامية للديكور والتمويه، وبالمقابل فإن مالك أرض الملعب السيد بولعيش يطالب باسترجاع أرضه، وهو بصدد رفع دعوة قضائية ضد النادي، بالإضافة إلى أن الملعب لم يعد صالحا للممارسة الرياضية، بسبب وضعيته المزرية، التي أصبح معها الإصلاح صعبا ومستعصيا…

عبر مؤشرات خطاب رئيس المجلس البلدي اتضح لجميع الحاضرين – سلطة، ومنتخبين- ورياضيين- وانتهازيين- الغاية والأهداف من هذا اللقاء، وأن ملعب دار الدخان أصبح في مهب الريح، وبين كان ولن يكون، وأن أيادي أخطبوط الإسمنت والآجور تحوم حوله، وتتربص به الدوائر، لتحوله من ملعب لممارسة الأنشطة الرياضية من طرف شباب المدينة، إلى جيوب وحسابات بنكية، لتهريب المال العام المنهوب. وقبل أن يعطي السيد الرئيس الكلمة لأصحاب الشأن الرياضي انتشى وفرح بردود الفعل الإيجابية من لدن أعضاء مكتبه، ومن من حضر من طابور الانتهازيين المعدين للمصادقة بالتصفيق على هذه المؤامرة، ومن بعض الرياضيين الذين لم يدركوا بعد خلفية هذا اللقاء.

كان أول المتدخلين من مكتب النادي الرياضي القصري السيد محمد الصيباري، إذ زكى كل ما ورد في كلمة السيد رئيس المجلس، خاتما كلمته المقتضبة بقوله: المجلس البلدي يعرف مصلحة المدينة، فافعلوا ما شئتم، ونحن نبارك مسعاكم، ( وقد كان لا يعرف خلفية الاجتماع)، ثم أعطيت الكلمة للأستاذ عبد الكريم علوش بصفته رئيسا للنادي، وكانت كسابقتها جد مختصرة، لم تتجاوز قوله: “عندما شكلتم المكتب – سيادة الرئيس- فرحنا كثيرا، وفرح سكان المدينة، لأن مكتبكم يضم خير أطر المدينة ومثقفيها، وكلكم شباب وحيوية، ولكن بعد تحملكم المسؤولية الجماعية اكتشفنا جميعا أنكم مجرد شيوخ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. لقد كانت ردود الفعل هذه المرة منتكسة، تصفيق الرضا فقط من أعضاء النادي الرياضي القصري، أما باقي الحضور فقد مضغ لسانه، وحدج ببصره الحاد رئيس النادي، وتبادلوا الغمزات والإشارات، هم فقط من يفكون شفراتها، ويحلون ألغازها، أما رجال السلطة فقد تباينت ملامحهم ونظراتهم بين مؤيد ورافض لهذه الجرأة الرياضية، التي كسرت حواجز الخوف والتخوف، ومرايا المواربة والنفاق السياسي والاجتماعي، وأسقطت الأقنعة.

جاء دور الكاتب العام للنادي، وكأنه تسلم من رئيسه في الفريق جذوة الحماس، والشعلة الرياضية، وشرارة الصراع، أو كأنه استفاد من تمريرة في عمق منطقة دفاع فريق المجلس البلدي، ليشن هجوما لا يرد ولا يصد، وبدل أن يسجل هدفا عبر ضربة جزاء، بسبب عرقلة مصلحة الشباب من طرف فريق المجلس البلدي، وارتكابه خشونة واضحة ضد المصلحة العامة، سجل الكاتب العام عدة أهداف، اضطر معها رئيس المجلس إلى أن يوقف المباراة، ويعلن من طرف واحد عن تأجيل شوطها الثاني إلى موعد لاحق لم يأت بعد.

استهل الكاتب العام للنادي مداخلته التي استمرت 45 دقيقة حسب العادين من الجهتين، بقوله: نطلب من السيد الرئيس المحترم أن يحدد هويته وتمثيليته في هذا الاجتماع، فإن كان يترأس هذا المجلس بصفته رئيسا للمجلس البلدي، فلا داعي لعقد هذا الاجتماع أصلا، لأنه مؤهل للدفاع عن مصلحة المدينة وسكانها الذين انتخبوه لهذه الغاية، وكان حريا به أن يتصدى لكل أفاك متآمر ضد مصلحة الشباب، متآمر من أجل اختلاس حق مكتسب منذ عشرات السنين، وعزمه على تحويل الملعب البلدي إلى تجزئة سكنية، سبق لي أن اطلعت على تصميمها، أما إذا كنتم تمثلون السيد بولعيش بصفتكم محاميه في هذه النازلة فليترأس الاجتماع نائبكم الأول – ذ المهدي المجول-، لأنكم سيادة الرئيس لا يمكن أن يجتمع فيكم الخصم والحكم.

جف الحلقوم، وتسارعت نبضات القلب، وارتفعت درجة الحرارة في الجسم والقاعة، وعندما انشغل الرئيس بتبليل حلقه بجرعة ماء معدني شن لاعب النادي الرياضي القصري هجوما من جهة اليمين، وسدد قذفة جانبية أصابت العارضة، هزت النفوس، وهيجت المشاعر، فقد ذكر الكاتب العام بملاكي أرض الملعب الحقيقيين – حسب إفادة السيد بوغالب الصفريوي الزفري، أحد مسيري فريق الاتحاد الرياضي القصري السابقين- وأحد ملاك أرض الملعب المتنازع عليها اليوم، وكان لأحد اليهود نصيبه في هذه الأرض، وللسيد الشتوكي نصيب كذلك، وللسيد بولعيش نصيب أيضا، وحسب إفادة السيد بوغالب الصفريوي فإن المجلس البلدي في بداية الاستقلال قد اجتمع مع هؤلاء الملاكين، وعرض عليهم التعويض بما قدره 40 فرنكا للمتر المربع، فتنازلوا جميعا عن حقهم في التعويض.

ولنفترض جدلا أن السيد بولعيش هو المالك الوحيد لهه الأرض التي أقيم عليها ملعب دار الدخان في عهد الحماية (سنة 1938)، فما الذي أخرسه أكثر من 40 سنة؟ ولم ينطق إلا عندما تولى صديقه ومحاميه ذ محمد بوحيى رئاسة المجلس البلدي لمدينة القصر الكبير؟ وأتساءل إن صح الإدعاء: ألا تدخل هذه القضية خانة التقادم؟، فإن لم يكن كذلك لماذا لا يلتجئ المجلس البلدي في ممارسة حق نزع الملكية لفائدة المصلحة العامة؟. واصل فريق النادي الرياضي القصري هجوماته المتوالية على مرمى المجلس البلدي، ولم يستطع دفاعه ولا حارس مرماه، ولا مهندس خططه، ولا تشكيلته غير المتجانسة، ولا جمهوره تحقيق أي هدف في مرمى النادي القصري، لأنهم كانوا جميعا في حالة شرود واضح، وفي وضعية غير قانونية، الشيء الذي اضطر رئيس المجلس البلدي إلى رفع الجلسة، وتأجيل اللقاء إلى موعد لاحق، لالتزاماته الأخرى، ولكونه لم يكن يتوقع أن يتمطط زمن الاجتماع إلى هذا المدى حسب قوله.

وقد كان لهذا الحدث تداعيات كثيرة نشير إلى بعضها:
o فقد التزم باشا المدينة في اجتماع لاحق مع مكتب النادي الرياضي القصري ببناء مستودع الملابس، وقد فعل.
o تم نسف المشروع الانتهازي الخطير، الذي صوب أصحابه أطماعهم نحو ملعب دار الدخان، معتقدين أن الدخان شيء خفيف، سرعان ما تدريه الريح، ونسوا أن الدخان مؤشر على نار متأججة، تحرق كل من أراد أن يعبث بمصلحة الوطن.
o بفضل موقف مكتب النادي الرياضي القصري الشجاع ظل الملعب فضاء رياضيا يمارس فيه شباب المدينة أنشطتهم الرياضية على امتداد الماضي والحاضر والمستقبل.
o محاولة رئيس المجلس البلدي إقصاء ذ محمد الموذن من تشكيلة المكتب الإداري للنادي، مع التزامه بتقديم الدعم للفريق تقربا وقربانا، غير أن الأستاذ المهدي المجـول – نائب رئيس المجلس البلدي- تصدى لهذا المشروع، بل تمسك بقناعته “إن المجلس البلدي في حاجة إلى من ينتقده أكثر من حاجته لمن يصفق لقراراته”.
o تقديم النادي طلب مساعدة إلى السيد وزير الشبيبة والرياضة عبد الحفيظ القادري لإصلاح الملعب، عندما حل ضيفا عند الأستاذ حسن بن جلون مدير إعدادية المنصور الذهبي، قدم له الرسالة ذ محمد الموذن بصفته كاتبا عاما للنادي، وقد استجاب الوزير للطلب، وأرسل 50 مليون سنتيم لترميم الملعب، إلا أن سوء تدبير المسؤولين الجماعيين دفنوا المبلغ في أرض المركب الرياضي المشروع المحنط، حيث جهزوا الأرض الخلاء بشبكة صرف مياه الأمطار بما قدره خمسون مليون سنتيم، هذا ما نطق به سهمهم، والله أعلم.

ذ محمد الموذن –الكاتب العام للنادي الرياضي القصري

تتابعون لاحقا: كيف عمدت المجالس البلدية إلى عدم تمكين النادي من مقر قار؟.

– الخلفية والأسباب-

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع