أخر تحديث : الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 9:54 مساءً

القصر الكبير بين عزة الماضي المشرق والحاضر الكئيب

عماد الأمين | بتاريخ 20 أكتوبر, 2014 | قراءة

القصر الكبير مدينة التاريخ والحضارة ؛ حاضرة أوبيديوم نوفوم ؛ منبع الفكر والثقافة؛ حاضنة الأدب والشعر؛ راعية العلم والفن طوال عقود وأزمنة خلت . فتاريخها عريق ومديد كما تدل على ذلك البقايا والمعطيات الآركيولوجية التي تشير إلى وجود حياة بشرية بالمنطقة التي وجدت بها مدينة القصر الكبير، ومن ذلك النصب الحجرية الأثرية، والرسوم الكهيفية التي عثر عليها في الجبال القريبة من المدينة والتي من المحتمل أن يرجع تاريخها إلى أربعة ألف سنة أو أكثر(انظر كتاب  عبد السلام القيسي ” مدينة القصر الكبير تاريخ ومجتمع ووثائق” ص 18 ).

وكذلك آثارها الباقية عن الحقبة الرومانية ـ أوبيدوم نوفوم ـ ولعبت نفس الدور في الحقبة الإسلامية خاصة في الفترات الزاهية للدولة المرابطية والموحدية، وبلغت أوجها زمن الدولة المرينية ـ أسرة أل اشقيلولة ـ لتبلغ عظمتها وأوج عنفوانها في معركة الملوك الثلاثة ، أو واد المخازن، أو القصر الكبير، وتتصدر بذلك التاريخ العالمي قبل الوطني والمحلى، وليعلو إسمها بين أمهات المصادر التاريخية “نزهة الحادي لافراني” ؛ “مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا للفشتالي” و “الاستقصا للناصري” وغيرها من المصنفات التاريخية. وظلت حاضرة زمن الدول العلوية،كمنارة للعلم والآداب والفن .وكمرتع ومنبع للمقاومين والمجاهدين في فترة الاحتلال الإسباني. وكقلب نابض للمناضلين والشرفاء في ـ سنوات الرصاص ـ كانت ولازالت وستظل الحاضرة المغاربية الآكثر تألقا وشموخا في دروب العلم والنضال والفن.

تراثها ومبانيها لازالت شامخة وشاهدة على عظمة تاريخها المجيد وباعها الطويل ( مسرح بيرس كالدوس، حديقة السلام، أسوار المدينة العتيقة، السور الموحدي، مسجد سيدي يعقوب البادسي، المسجد الأعظم ،…) جلها تعرض للنسيان والإهمال بفعل عوامل الزمان أو إرادة مبيتة الإنسان.

أنجبت و خرج من بين دروبها و أحيائها رجالات العلم والآداب والقريض ، ومن جملتهم المؤرخ محمد أخريف، والعلامة أحمد السوسي ، والقاص محمد سعيد الريحاني، والشاعر المرحوم محمد الخمار الكنوني، والغالي الطود، الطيب المحمدي، عبد الرحمان الشاوش…  وغيرهم الكثير من فطاحل العلماء وأجود الشعراء.

قال عنها الكاتب العراقي الشهير عبد الرحمن مجيد الربيعي في كتابه” كتابات مسمارية على جدارية المغربية” ( القصر الكبير أحد أهم مراكز العلم والمعرفة العربية الإسلامية وحاضنة أسماء أدبية كثيرة ومسقط رأسهم) و مثله قال عنها الكثيرون من المغاربة والمستشرقين.

لكن الآن ومع تغيير الأجيال والأزمان، أصبحت مدينتنا القصر الكبير تعرف بالإجرام، شخصياتها المعروفة أيضا عبارة عن ألقاب للمجرمين  ، هذا بغض النظر عن عقم الأمن في هده المدينة . فكل شيئا أصبح واردا ، التجارة في المخدرات ، الاختطاف ،السرقة. كلها أشياء عادية بالنسبة لمواطن يقطن بالقصر الكبير ، فكل يوم حالة يشعر فيها سكان المدينة بالخوف ، أما الليل فهو أكبر كابوس بالنسبة للساكنة ، نعم إنه الليل أجمل ما في القصر الكبير كما قالها الشاعر المرحوم نزار القباني و الآن أتى الدور على الساكنة للقول أسوء  ما في القصر الكبير جميع أوقاته.

فالتشرد والبطالة والفقر وتفشي ظاهرة التسول تعد سبب من أسباب الأزمة التي يتخبط فيها القصر الكبير، إضافة إلى كون هذه المدينة الصغيرة تعد ملجئا للمتسكعين والمختلين عقليا الذين يهددون أمن الساكنة ويزرعون الرعب في نفوس المارة ، مع التساؤل المطروح من طرف الساكنة: ما هي الجهات التي تقف وراء عملية إفراغ هؤلاء بمدينتنا .

هذا من جهة، أما من الناحية السياسية فحدث ولا حرج، أشخاص لم يسبق لهم أن وصلوا إلى عتبة المدارس يمثلون المدينة في البرلمان، صراع بين مكونات الأحزاب، بلدية جل نوابها نيام، تصفية الحسابات الشخصية بين الأحزاب السياسية عبر سدة لمواطن القصري. فجل البرامج الانتخابية التي جاءت بها مختلف الأحزاب المتعاقبة على مدينة القصر الكبير تخريبية وفاشلة مقارنة بما كانت عليه سابقا (حديقة الرياض نموذجا، نفق ” المرينة”).

اجتماعيا، فالشباب هذه الفئة التي تشكل الشريان النابض بالمدن حالها يرثى له من غياب ملاعب رياضية ، ومساحات خضراء، واتجاه بعضهم إلى تعاطي المخدرات ، والاتجار فيها، والنقص في عملية التحسيس  والتوعية بخطورة  ما تقدم عليه فئة كبييرة من شباب ، فالمسؤلية لا تتوقف فقط في الدولة وأجهزتها التنظيمية ، فالمسؤولية الأكبر تقع على عاتق  الأ سرة، والمدرسة، وهيئات المجتمع المدني. كلها تتحمل المسؤولية الكاملة وراء انطفاء شعلة المستقبل .

اما شوارع المدينة فهي محتلة من طرف الباعة المتجولين (السويقة، ساحة سيدي بوحمد ، ساحة المنار، قرب محطة الحافلات…) كلها تعرقل راحة المواطنين وحقهم  في التجول وسط جو يليق بهم. هذا ناهيك عن الآثار السلبية التي يخلفها هؤلاء الباعة  ( أزبال، نفايات، الكلمات السوقية التي لا تليق بسمعة المدينة) في حين أن الأرصفة أيضا محتلة من طرف أرباب المقاهي والمطاعم التي بدورها تدفع الساكنة  بالتجوال وسط الشارع بين زحام السيارات وخطورة مرورهم .

أمنيا، يكفي القيام بجولة قصيرة بين شوارع وأزقة وأحياء حاضرة قصر كتامة للكشف عن حجم المشاكل والصعوبات التي تعيش تحت إيقاعها المدينة، وضعية أمنية جد خطيرة، انتشار ظاهرة السرقة ، العنف، المخدرات، غياب شبة تام الأجهزة الأمنية التي تكتفي ببعض الحملات التمشطية القليلة. والتي تعطي أكلها خلال فتراتها لكن دار لقمان تعود لحالها بعد انصرام هذه “الحملة” وسط ذهول وتعجب الساكنة، لما لا تكون هذه الحملات بصفة دورية ومستمرة، نظرا لقيامهم بواجبهم اتجاه الساكنة للحفاظ عى سلامتهم وحمايتهم من كل ضرر يهدد أمنهم واستقرارهم .

إذن ما ذنب هذه المدينة لتأخذ سجل أسود في نظر باقي مدن المملكة، حتى أصبح مواطن القصر الكبير لا يستطيع الاعتراف بكونه ينحدر من مدينة القصر الكبير لأن الصورة السوداء أصبحت ملزمة لها من طرف المغرب قاطبة. فما سبب تردي مدينة القصر الكبير بين عزة الماضي المشرق ، والحاضر الكئيب أو بلغة أخرى الحاضر الذي يترنح على فراش الموت .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع