أخر تحديث : الإثنين 27 أكتوبر 2014 - 11:58 مساءً

النادي الرياضي القصري بلا عنوان .. تعمدت السلطات عدم تمكين النادي من مقر خاص

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 22 أكتوبر, 2014 | قراءة

لكل طائر عش يأوي إليه، ولكل إنسان ملجأ يحتمي فيه، كما للأسد عرينه، وللفرس مربطه، كما للنمل بيته، وللنحل خليته …، وخارج هذه القاعدة يظل فريق النادي الرياضي القصري لكرة القدم بلا عنوان، وبلا مقر، ولا أرشيف، أوراقه ووثائقه تتناثر في المقاهي، ويضيع تاريخه بين زوايا الذاكرة وثرثرة اللسان، وبين كان وما كان، ومع ذلك ففارس كل الأزمنة يتحدى التشرذم، والغربة في الزمان والمكان، ويواصل الإبحار عبر قارب مكسر المجاديف رغم فقدانه في العقود الأخيرة بوصلة الأهداف.

هذا الفريق العتيد عمدت السلطات المنتخبة إلى عدم تمكينه من مقر خاص، وتمتيعه بعنوان قار، وذلك بسبب توجسات سياسية، ومخاوف تنافسية، وحسابات انتخابية، ومعطيات ضبابية، والقرائن على ذلك كثيرة، والأمثلة الإشهادية متعددة، نكتفي بالإشارة إلى بعض منها، وخاصة التي كنا فيها طرفا، وعليها شهودا.

عندما كنت لاعبا في صفوف النادي الرياضي القصري لكرة القدم منذ سنة 1966 إلى أن أصبحت كاتبه العام منذ سنة 1976، إلى أن انسحبت من مهمة تسييره بداية التسعينات، واكتفيت بمتابعة الفريق من المدرجات، ثم بعيدا عن خط التماس، وفي هذه الفترة الطويلة المدى لم ينعم النادي بالاستقرار في المقر، كما كانت المكاتب الإدارية للنادي هي التي تدبر توفير المقر بعيدا عن أي سند من المسؤولين في السلطة المحلية أو مساعدة من المجالس المنتخبة، وفي بداية الثمانينات سيتمكن النادي من الحصول على مقر عبر صفقة مشبوهة، أو لنقل: قد أجبر من طرف المجلس البلدي على المشاركة في عملية تهريب مكتب شركة ستيام بمحطة المسافرين يوم كانت مقتطعة من سوق الحبوب (سوق سبته حاليا)، تهريب هذا المحل الكبير إلى فائدة أحد أعضاء المجلس البلدي المقربين للسيد الرئيس، مقابل منح الفريق دكانا صغيرا ثمنا لخدمته وتواطئه، لماذا وكيف؟.

بينما كنا – نحن أعضاء المكتب المسير للنادي الرياضي القصري- جالسين في مقهى الجزيرة حسب تسميته الحالية (عبد الكريم علوش – محمد الصيباري – محمد الدوعيسي – محمد الموذن – مسعود بن خدة – ميمون البنشعبوشي – بوغالب فاتح البوخصيبي) إذ بأحد أعضاء المجلس البلدي يتصل بنا، ويخبرنا بان المجلس البلدي سيمنح النادي مقرا خاصا، استبشر مسيرو النادي خيرا، وتراقصت عبارات الإطراء والإعجاب والشكر والامتنان على ألسنتهم جميعا، استحسانا وترحيبا بهذه الالتفاتة الرياضية، والمبادرة الحميدة، غير أن فرحتنا سرعان ما أصابها عطل فتعثرت، فتوارت ابتسامات الرضا وراء حجب الريب، وأستار سوء التوقع، بعدما ألجم ألسنتنا عن النطق ممثل المجلس البلدي باستدراكه: ” ولكن بشرط”، فقلنا على إيقاع واحد: ما هو هذا الشرط؟.

ستوقعون عقد تسلم مقر شركة ستيام بالمحطة التي تم نقلها إلى مقرها الحالي، كهبة من المجلس البلدي، وتترددون على هذا المحل أسبوعا أو أسبوعين، ثم تسلمون مفاتيحه إلى عضو المجلس البلدي فلان، الذي توقعون معه سلفا عقد بيع وشراء وتفويت، بموجبه يسلم العضو المحظوظ للنادي دكانا بالسوق المركزي (la plaza) مع إضافة خمسة عشر ألف درهم، وقد تم تنفيذ هذا السيناريو كما أراد أصحاب القرار.
وظل المقر مكتبا للفريق إلى غاية يونيو 1986 حيث كان مضطرا لبيعه بخمسين ألف درهم لتغطية مصاريف إقصائيات السد بمدينة سيدي قاسم، ضد فريق الحافلات الرباطي، بعد أن تملص المجلس من وعوده للفريق بتقديم دعم مالي مهم إن تأهل الفريق إلى هذه النهائيات، وقد استطاع النادي الرياضي القصري لأول مرة في تاريخه تحقيق حلم جماهيره الرياضية، وحلم أبناء المدينة المتعطشين لمشاهدة فارسها ضمن فرق القسم الوطني الثاني، بل الأشد من ذلك وأمر هو الآتي: عند عودة فارس كل الأزمنة الحرجة منتصرا في مباراة السد، محققا بذلك طموح المدينة الرياضي الأسمى، استقبله سكان المدينة استقبالا حارا، وخصص له المجلس البلدي حفل استقبال وتكريم بمقهى الحلو (مقهى أوسلو حاليا)، وفي فضاء المقهى امتزج اللاعبون وأعضاء المجلس البلدي، ومسيرو النادي والجمهور، وغنوا جميعا أنشودة النصر، وسنفوية الفرح، وأثناء كلمة رئيس المجلس البلدي الترحيبية التي أشاد خلالها بهذا الإنجاز الرياضي غير المسبوق، واعد اللاعبين بمكافأة، مقدارها ألف درهم لكل لاعب، ستصرف لفائدتهم خلال نفس هذا الأسبوع، فلم يكن من ذلك إلا طيف خيال، ولم يخلف الموعد مع خلف الوعد.

انصرف الجمهور ولاعبو النادي وأعضاء المجلس البلدي، وبقي أعضاء مكتب الفريق، يتداولون أمورا تتعلق بالمناسبة والمرحلة، وعندما هموا بالانصراف طالبهم النادل بأداء فاتورة حفل الاستقبال، فذكرناه بأن الحفل كان من تدبر المجلس البلدي، ونحن ضيوف الحفل المحتفى بهم، فتمسك بمستحقاته المالية، أكلوا وأكلنا، شربوا وشربنا، انصرفوا فأدينا، وفي اليوم الموالي عقد مكتب النادي اجتماعه مع اللاعبين لمنحهم مكافأة الصعود التي كان قد وعدهم بها، وفي نفس الوقت وجه دعوة إلى رئيس المجلس البلدي ومن معه، ليقدم بدوره المكافأة التي واعد بها أيضا لاعبي النادي، لكنهم تخلفوا عن الموعد مرة أخرى، فخلفوا استياء كبيرا في نفوس الفريق وجمهوره، وكانوا قد تنكروا لوعودهم تجاه الفريق ثلاث مرات في أسبوع واحد.
نطوي صفحة هذا الزمان، ونريح الذاكرة الجماعية من استفزازها بالنبش في الماضي، وتذكيرها بالممارسات السلبية التي ارتكبت في حق قطاع الرياضة والشباب، ونقفز على الواقع بضع سنين، لنجد أنفسنا أمام مظهر آخر من مظاهر إحباط مشروع فريق المدينة العتيد، والوقوف حاجزا منيعا ضد مطلبه المشروع في تمكينه من مقر وعنوان خاص، يحفظ فيه وثائقه، ويقيه قر الشتاء، وحر الصيف.

ورغم أننا نحاول تجنب تحديد التواريخ، ونتعمد عدم ذكر أسماء الأشخاص، لعدم إثارة الحساسيات السياسية، فإننا مضطرون إلى ذكر بعض الأحداث والإشارات والتلميحات والقرائن، ففي كل موسم رياضي يتقدم مكتب النادي بطلب الحصول على مقر خاص به للمسؤولين في الجماعة المحلية دون جدوى، وخلال اجتماع موسع بقصر البلدية – ترأسه عامل إقليم العرائش السيد ملود بوسيف، وحضره رئيس المجلس البلدي ومن معه من نوابه وأعضائه، وباشا المدينة وأعوانه، وممثلو المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بحوض لكوس، ورؤساء المصالح الإقليمية والمحلية، وهيئات المجتمع المدني-، اغتنم الكاتب العام للنادي (م . م ) ليذكر السيد العامل بطلب النادي الرياضي القصري المشروع، والمتعلق بتمكين الفريق من مقر له، فطلب العامل من السيد رئيس المجلس البلدي منح المسبح البلدي وفضاءه للنادي، وليس من المعقول أن يظل هذا النادي خارج الاهتمام، وقبل أن يرفض أو يستجيب تعثرت الحروف والكلمات بين الحلقوم والشفاه، ثم استقامت لتفيد : إن الفضاء غير جاهز، في حاجة إلى إصلاحات كثيرة، فعقب السيد العامل على موقف الرئيس بقوله: حول ما يكفي لإصلاحه من خانات الميزانية كذا وكذا، وأنا موافق على ذلك، حينها تدخل ممثل المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي، السيد أحمد البرنوصي رئيس قسم التجهيز قائلا، نحن نتعهد بإصلاح هذا الفضاء الرياضي، بجميع مرافقه، استحسن الجميع موقف المكتب الجهوي، وقلنا الحمد لله، الآن أصبح فريق النادي الرياضي القصري على بعد مرمى حجر من حصوله على مقر خاص به، في مستوى طموحاته وأهدافه الرياضية والتربوية والاجتماعية، ومرت الأيام والشهور، ولم يسمح المجلس البلدي للمكتب الجهوي بدخول المسبح، وإنجاز الإصلاح.

وتحت مطرقة الضغط الذي مارسه أعضاء النادي على أحد زملائهم في المكتب المسير، والذي تربطه برئيس المجلس روابط الانتماء السياسي، ومواثيق النضال النقابي، تدخل عضو المكتب الإداري للفريق لدى السيد الرئيس وطلب منه أن يعجل بتسليم النادي المقر الجديد مذكرا إياه بموافقة عامل الإقليم ورغبته، فكان جواب الرئيس صادما، “ماذا تقول يا رجل؟، ألهذه الدرجة أنت قصير النظر؟ أتريدني أن أمكنهم من مقر يجتمعون فيه، ويستقطبون أنصارهم ومؤيديهم، وغدا يناوشوننا في الانتخابات، هل تريدني أن أمنحهم قلعة يتحصنون فيها، وينافسوننا على المقاعد، كان ذلك موقفا يختزل الكثير، ويلخص موقف السياسيين من الرياضيين، الشيء الذي يشفع لي أن أردد “السياسة اغتالت الرياضة في القصر الكبير”.

وقد يحاول مجادل أن يجادل بغير حق، إن هذا فقط موقف من يعتبرون الرياضة عفيون الشعوب، وبالتالي لا يمكن أن نبني عليه حكما، ونجعله مقياسا، فهو مجرد استثناء، فنسوق له حدثا آخر: في يوم، في شهر، في سنة، أسست أول جمعية إعلامية في المدينة، “جمعية وادي المخازن للصحافة”، وقد كان من أهداف الجمعية تطوير الفعل الإعلامي، والارتقاء به إلى مستوى المسؤولية والجودة، فكان من الضروري توفير مقر خاص بالجمعية، تنظم فيه لاقاءات تكوينية، واجتماعاتها الشهرية، وجعله بنكا للمعلومات والمعطيات والأخبار، ومن أجل ذلك قدمت الجمعية طلب الحصول على مقر إلى السيد رئيس المجلس البلدي غير الرئيس السابق، اقترحت على سيادته المكان الذي كان مخصصا لثلاجة السوق المركزي قبل الاستغناء عنه منذ سنوات عدة، سبق لسانه تفكيره قائلا: إلا هذا المكان، فأحد نوابي سبق أن طلب مني تفويته إليه، فماطلته ولا زلت، فلا تزج بي في دائرة الإحراج، وسأبحث للجمعية عن مكان بديل، ولم يكن لا هذا ولا ذاك، وبعد أشهر قليلة انتهى إلى علمنا أن المجلس البلدي قد فوت المكان المقترح مقرا لجمعية وادي المخازن للصحافة لأحد الخواص، مقابل خمسة وعشرين مليون سنتيم، توصل المجلس بخمس هذا المقدار كتسبيق، فقدمت احتجاجا شفويا شديد اللهجة للسيد الرئيس، كان من تداعياته إلغاء الصفقة المشبوهة.

وفي زمن لاحق غربت الشمس، وخفتت الأنوار، وكاد ظلام اليأس وغبش الليل أن يغطي المجال، لولا انبعاث نور طفيف من المصباح، فلاح في الأفق القريب أن العدالة الاجتماعية قريبة المنال إن لم تكن كالسراب، وأغلب المؤشرات إيجابية، فالفرصة مواتية ليتقدم النادي الرياضي القصري بطلبه القديم الجديد، ولاسيما أن جل مسيري النادي قد تم ترويضهم وتدجينهم من طرف السياسيين، إذن فلا توجس، ولا خوف ولا تخوف، ولا مانع من تمكين النادي من فضاء المسبح البلدي بالمعسكر القديم، ولكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ويغير الربان الاتجاه، ويصادق القائد على تفويت الفضاء إلى الجمعية الاجتماعية لموظفي البلدية، عملا بالمثل المغربي: “الصدقة في المقربين أولى”، أما النادي الرياضي القصري فليصارع الأمواج، وليقارع الطوفان.

وقد يتعمد بعض القراء طمس بعض الحقائق، وتغييب بعض الإنجازات الرياضية، لكن نور المصباح سيسلط الأضواء، ويزيل الالتباس، ويوضح بجلاء أن المجلس الحالي يقدم للنادي الرياضي القصري، ولكثير من الجمعيات الدعم بسخاء، ورغم كل ذلك لم يجرؤ بعد على تفويت مقر في المستوى لفريق المدينة العتيد، واكتفى بتوفير سكنى للاعبي النادي بالإيجار، وهكذا ظل النادي مضيفا لا يملك عنوانا، ولا مقرا للضيف.
وخوفا من ألا تشرق شمس الصباح، وخوفا من أن ينطفئ المصباح، ويمنع الكلام المباح، وقبل أن تهاجمني ألسنة الوصوليين الأشباح، نفسح المجال للعقل الراشد، ليقوم في مختبر التاريخ بعمليات التحليل والتركيب

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع