أخر تحديث : الثلاثاء 24 نوفمبر 2015 - 1:17 صباحًا

رجال القصر الكبير السبعة

‎محمد بنميلود‎ | بتاريخ 24 نوفمبر, 2015 | قراءة

12249888_10203571955458465_1911579784288031647_n

أحببت كثيرا مدينة القصر الكبير، خصوصا في السنوات الأولى التي زرتها فيها، وأقمت فيها أسابيع متفرقة. أحببت هواءها، ونعناعها المتوهج في الشمس، وسوقها الصغير الذي يشبه لوحة زيتية. لولا ليلى لما عرفت هذه المدينة أبدا، ولما زرتها أبدا ربما، أما الآن فقد أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي ومن ذكرياتي.
في البداية كانت مدينة مستغلقة أمامي، كما أمام كل العابرين والغرباء، فليس من اللياقة في شيء ولا من الحشمة والأنفة أن تكشف لك مدينة محافظة ضاربة في أعماق التاريخ أسرارها وفتنتها السرية من أول لقاء أو نظرة. لكنها ستألفك مع الوقت، ستعتبرك ابنا من أبنائها، حفيدا من حفدتها الكثيرين، وستحكي لك كل شيء بصوت عميق متهدج وحزين كصوت الأرامل الجميلات بعد حرب، حتى تنام.
بين دروبها تعرضت ذات يوم رفقة زوجتي إلى سطو مسلح، سرقوا منا بعض الأشياء، لكنهم لم يسرقوا مني حب هذه المدينة لي وحبي لها، بل زاد أكثر. تجولت طويلا في كل أزقتها ودروبها صامتا وزرت معالمها القديمة، أسوارها ومقابرها وأضرحة رجالاتها وأوليائها الذين جاوزوا السبعين وليا وكنائسها الصغيرة المغبرة المهجورة. كما لمراكش رجالها السبعة، أيضا للقصر الكبير رجالها السبعة، حراسها القائمون على حمايتها منذ عقود. وقفت أمام قبرهم السباعي باحترام كبير وإجلال عاقدا يدي خلف ظهري، إنهم سبعة رجال، لا يعرف لهم اسم، ثامنتهم امرأة، هم جنود هذه المدينة المجهولون الذين فدوها بأرواحهم لتظل حية إلى الأبد رغم كيد المدن الأخرى ضدها، ورغم كيد السلطة والزمان.
هناك في حي القطانين القديم، بعدوة باب الواد، حيث المقبرة الصغيرة جدا، مقبرة سيدي محمد الخطيب المعروفة بزاوية سبعة رجال، تشبه عرصة بباب كأبواب كل البيوت المحيطة بها لا يشي للغريب العابر أنها مقبرة. فتحت لنا الباب بمفتاح زوجة القيم على المقبرة أو الزاوية، مساحتها مساحة بيت تقريبا، عدد قليل من القبور لا يتجاوز عشرين قبرا، بشواهد جميلة وزليج ونقوش وكتابات قديمة وأشجار رمان ودوالي عنب تمنح للموت نضوجه الموسمي المستمر خارج دورة الحياة وصخب الأحياء العرضي في الخارج.
وقفت باحترام دقيقة أمام رمزية القبر الطويل الذي يضم سبعة رجال مجهولين إضافة إلى قبر المرأة التي وهبت نفسها لخدمتهم، وهي أيضا مجهولة، بينما توجهت زوجتي بعيدا عني بأمتار قليلة إلى قبر والدها في ركن الزاوية لتزيل عنه الحشائش والغبار وتسقيه ببعض الماء والدموع، ساعدتها كالعادة في ذلك ومسحت دموعها. عدنا إلى البيت صامتين عابرين حي القطانين في اتجاه حي سيدي رضوان، شاعرا في أعماقي بجسر حجري شديد الصلابة غير مرئي يربط الحاضر بالماضي، والموتى بالأحياء. حين تحب مدينة بهذه الطريقة، عن طريق حب قبورها، فلا سبيل إلى اجتثاث ذلك الحب من أعماقك.
مدينة أصيلا تبعد فقط بمائة كيلومتر عن مدينة القصر الكبير، وهي مدينة جميلة جدا تطل على الأمواج، شبيهة بمنتجع سياحي للأجانب، عكس القصر الكبير المنسية في غبارها القديم وفوضاها ولصوصها وامتدادها الإسمنتي القاتل فوق سكانها وفوق تاريخها، لكن، ما أمسى المساء عليّ في أصيلا، حتى اشتقت بعمق إلى القصر الكبير.
__________
في الصور جانب من مقبرة سيدي محمد الخطيب “زاوية سبعة رجال” بحي القطانين، عدوة باب الواد، بالقصر الكبير، حيث تظهر قبور سبعة رجال بيضاء متلاصقة في قبر واحد.

12246636_10203571958818549_4770072805729479809_n

12239894_10203571957178508_6028302242768255737_n

12274332_10203571957698521_2671491844612520987_n

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع