أخر تحديث : الخميس 26 نوفمبر 2015 - 7:34 مساءً

الروائي المغربي بهاء الدين الطود ( هذا الرجل )

سعيد نعام | بتاريخ 26 نوفمبر, 2015 | قراءة

لم تكن تفصل بيننا سوى بضعة أمتار، نترجُّلها بين طابقين ، أو نمتطي صهوتها داخل مساحة ضيقة ، لمصعد عجوز، ينصاع لأوامر الأزرار حيناً ، ويأبى أحيانا أخرى ، عمَّر طويلا حتى أصيب بالتصدع والعصيان ! .
بين أحضان تلك العمارة القابعة بشارع الأمير مولاي عبد الله ، ترتمي إذاعة طنجة ، وإدارات أخرى ومكتبه .
يرشقني بتحية باسمة كلما تصادفنا ، فأزُفه مثلها باقة تقدير واحترام ! .
كنت يومها في بداية هجائي للحروف الإذاعية ، أمام ميكروفون سامق ، بالكاد يقبل مصافحتي ، ويسمح لي بمعانقة ذبذباته الأثيرية .
بينما كان هو واثق الخطوات يركض ، مرتفع القامة يمشي ، تسبقه أناقته ويُبهرك تواضعه ! .
ظلت يده متأبطة لملفات وقضايا ، بين دهاليز المحاكم ، أزيد من ثلاثين سنة ، وهي نفس اليد التي سجنت بين قضبان أناملها يراعا ، وجعلته يمتثل لأوامرها في طواعية واستسلام . استباحت مداده وسودَّت بسحره صفحات عدة ، لمنابر إعلامية وطنية ودولية .
كتب المقالة الصحفية والأدبية ، وحلَّق بجناحي طائر يشاطره نفس الإسم ، ليلج عوالم الكتابة الروائية ، التي أطل عليها من نافذة القصة القصيرة ، وأثث بها صفحاتٍ لمجلات كثيرة .art1.555723
أحكم الروائي المغربي بهاء الدين الطود قبضته على تقنيات فن الكتابة الأدبية ، فحال بذلك ، دون انتصاب علامات التعجب ، بأذهان من عرفوه رجل قانون ، يرافع في المحاكم ، بصوت هادئ ، يخترقه ضجيج مطرقة القاضي ، وضجيج الحاضرين ، فأتبث للجميع أنه لا صوت يعلو على صوت الإبداع بكل أشكاله ، كيف ما كانت المهنة التي يزاولها الإنسان ! .
لا غرابة في ذلك ، بالنسبة لمبدع متميز كبهاء الدين الطود ، فقد حطَّ الرحال ببلدان كثيرة ، فدرس الصحافة في مدريد ، والقانون بالرباط وباريس .
( ابتدأ بهاء الدين الطود الكتابة متأخراً ، لكنه انطلق منذ البداية راكضا بسرعة في اتجاه الأعالي ) .
هكذا وصفه الكاتب الروائي المتميز محمد الهرادي ، حين استحوذت عليه روايته البكر ( البعيدون ) ، بسلاستها وسردها المدهش ، كما استحوذت على كل من غاص في عمقها الثقافي والفني .
تتناول رواية ( البعيدون ) حبكة سردية محكمة ورصينة ، في طرح مبهر لعلاقة الشرق بالغرب والأنا بالآخر، من خلال مسار طالب مغربي يعيش في إسبانيا ، في عهد الدكتاتور فرانكو ، طرْحٌٌ يبحث عن تشابكات وتداخلات الهوية المتعددة الروافد للأندلس ، وعن التواجد الحضاري العربي بها ، وعن أسئلة التسامح والتعايش ، بين الثقافات المتوسطية ، من خلال التجربة الفكرية والحياتية المأساوية للبطل ادريس ، الذي سيقوده بحثه الفلسفي نحو نهاية حزينة .
كما تتضمن الرواية إشارات ورسائل قوية ، لدور الفن التشكيلي والابداع الموسيقي ، في التواصل بين أبطال ، ينتمون إلى أعراق وأجناس مختلفة .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع