أخر تحديث : السبت 2 يناير 2016 - 9:32 مساءً

القصر الكبير…المدينة التي ظلمها التاريخ

سليمان عربوش | بتاريخ 2 يناير, 2016 | قراءة

ksar_kebir

يجول المرء بذهنه في أول زيارة له لمدينة القصر الكبير عن مكان يجد فيه السبيل نحو “القصر” الذي كنيت به المدينة العريقة، والتي يقول عنها مثقفوها أنها أول حاضرة في المغرب…مدينة الحبايب التي أنجبت الكثير وفي شتى الميادين، لكن فجوة عميقة تكونت بينها وبين أبناءها ولا يعرف له سبب! الذين هجروها عنونوا بدلا عنها مدنا أخرى، هي الأصل، والأم، لكن تم التنكر لها وصار عنها الأبناء رباطيين في الرباط، وطنجاويين في طنجة وأماكن أخرى غيرها.. لكن بقوا قصراويين في نظر غيرهم.. هي الذكريات التي لا تريد أن تنسى إذن.

مدينة مولاي علي بن خلف بن أبي غالب وسيدي قاسم بن الزبير المصباحي ومسقط رأس للا عائشة الخضراء وللا فاطمة الأندلسية والمختار الكنوني وعبد السلام عامر وادريس الضحاك رئيس المجلس الأعلى للقضاء سابقا…لكنها تعرف بسوقها أكثر من هؤلاء…مدينة تنكر لها بعض من أبناءها ونسيها مثقفوها، وتكالب عليها منتخبوها بعدما حولوها إلى قبر كبير تعج بالزحام نهارا وتسقط تحت سلطة المتسكعين وأصحاب السيوف ليلا..فمقتا أيها التاريخ.. ظالم أنت، بغيض كنت، لم يتوسل أحد منك المجد، فقد اكتسبه أحفاد أوبيدوم عن الأجداد رغما عنك، وأريقت عنك دماء أيها الناكر في نهر يزوره الوفود مرة في السنة.. يأتون بدون هدية.. وبلا باقة ورد.. فقد كلام وصور.

سليمان عربوش

سليمان عربوش

خلال حقبة زمنية، حيث كان القصريون منهمكون في قرض قصائد شعرية، وهم المولعون بالفن حتى في ظل الكساد الثقافي الذي ساد لوقت طويل، وبينما هم يتفننون، أصبح الآخرون منتخبون ومن أصحاب الملايين، ثم تحولوا عنا تاركين إيان فيما يشبه مقربة، وكأنها امتداد لموتانا الغائبون الحاضرون بإرثهم ومن دلالة المعنى أن يكون مدفن مولاي علي بوغالب قريب في العمق يحصي عثرات الأحفاد ويشهد عليهم، يستولي على كل المدينة وقد تم القضاء على الأماكن الخضراء وتم تحويلها مقاه وبنايات، حتى صارت وكأن المدينة كلها مقهى! مقهى كبير.. لا شوارع ولا مناظر، بل حواجز في الأرض ومشانق في الأسماء ويا ليتها لم تكن نكرة، فسميت الأحياء على النصرانية وعلى شوكها ولا أحد يعرف بالسيدة زبيدة ومن تكون؟ وعلى حال المزروبة وذكر حتى حلوفها.

فماذا حدث إذن؟ تحول جزء من المدينة بداية من حي المرينة حتى الشرق إلى كتل وبؤر إسمنتية لم يبقى به مكان إلا وتم بناؤه، لا تناسق ولا احترام لقواعد العمران، مساكن متداخلة ودور عشوائية رغم نصائح البيئيين أن يبق المجال أخضرا وحزاما واقيا للمدينة من الفيضانات. ولأن فترة هذا التسيب مر بحال من الجفاف وانحباس الأمطار، وبعد ذلك بسنوات حين أمطرت السماء تفاجأ السكان بالمياه تغزو مساكنهم وتحول الشوارع إلى مستنقع وأوحال.

والآن يبدو أن الدوائر دارت دورتها الجامحة على كل هذا التاريخ، بكامل القسوة وهذا الجحود، دارت العجلة على نحو سيء لم يكن منتظرا وعكس كل هذا الزمن التليد، فهل العيب في الزمان؟ أم في التاريخ؟ أم في الجيل المعاصر لهذه المدينة؟ هل من شر نذر اقبل حقا عن قول راسخ نحو المدينة وأهلها؟ منذ زمن الوبش والغضب والرصاص؟ فكم من الوقت سننتظر حتى نرى النور يشع من جديد؟ لا أن يشد بخناقه على حالنا ويثير الغبار والاشمئزاز.

أوسمة : , , ,

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع