أخر تحديث : الأربعاء 15 يونيو 2016 - 8:31 مساءً

الإمام أحمد

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 15 يونيو, 2016 | قراءة

13407254_1082081235183096_3023745904973573887_n

عبد الله الجباري
تعرفت على فضيلة الدكتور أحمد الريسوني منذ صغري، سمعت عنه كثيرا بواسطة الوالد، لم يكن ينطق اسمه إلا مسبوقا بكلمة “سيدي” احتراما وتقديرا لنسبه الشريف، وكذلك كانت الوالدة…
عرفت سيدي أحمد دون أن أراه أو أجتمع به.
وبعد ا لمعرفة السماعية، تعرفت عليه مباشرة من خلال محاضرة ألقاها في المركز الثقافي بالقصر الكبير على هامش حرب الخليج بداية التسعينيات، حضرها جم غفير من المتتبعين، قسم عرضه إلى فقرات، لا زلت أذكر عنوان إحداها، ولعلها الفقرة الأولى : “الدويلات سبب للويلات”، وقد أثارتني هذه الفقرة وهذا العنوان، وكان حافزا لمناقشة الوالد في الأمر، وأثرت معه دولة تونس، وأنها كذلك من الدويلات المسببة للويلات بالمنطقة المغاربية، فبين لي أن تونس تختلف في سياقها عن دويلات الخليج، وأن لها تاريخا عريقا، وليست وليدة سايكس بيكو، (كنت أدرس في قسم الجذع المشترك).
بعد ذلك توالت معرفتي وإعجابي بسيدي أحمد، من خلال استجواباته الصحفية، ومقالاته في جريدة الصحوة أو غيرها، ومحاضراته أيضا.
قدر لي أن أتابع دراستي الجامعية بالرباط، وبعد ذلك بيسير تأسست رابطة المستقبل الإسلامي، وقرأت استجوابا للسيد محمد يتيم، كان له موقف سلبي من التنظيم الوليد، ولم أعرف من هم مؤسسوه، وبعدها قرأت استجوابا لسيدي أحمد ا لريسوني في جريدة المستقلة حول جمعيته وأهدافها، فعرفت أنه الرئيس…. بعد أيام، التقيته قرب ملعب الفتح بالرباط في محطة الحافلات…. كلانا ننتظر الحافلة … فعرفته بنفسي، بعدها سألني عن أحوال الوالد، وذكر لي بعض مواقفه، عرفت من خلال ذلك تتبعه من كثب لأحوال وأخبار القصر الكبير.
هنا فاتحته في أمر التنظيم الوليد، فسألني من أين عرفته ؟ فكان جوابي للتو : من خلال استجواب السيد يتيم، و ….. قبل أن أتم الكلام، ابتسم السيد أحمد ابتسامة عرفت معناها…..
سألتها عن المقر لأحضر أنشطتها، فأخبرني أن منزله هو المقر الرسمي والقانوني….
قدر الله لي أن أتتلمذ على يديه…. مادة أصول الفقه ومادة المقاصد.
كان أستاذا متميزا واستثنائيا … فرحت به غاية الفرح…. لأنه لا يؤمن بالتلقين … يسمح لطلابه بالنقاش والتعليق ….. كما أنه لا يؤمن بالحفظ والاستظهار، فكان امتحانه تحفة،،،
كان يسمح لنا بمناقشة العمالقة،،، وهذا يعطينا زخما وتحفيزا قل نظيره…. مرة وضع بين أيدينا مقولة للإمام ابن حزم، وطلب منا أن نرد عليها…. فشرعنا في الكلام،،، الكلام السطحي طبعا،،، فذكّرنا بقوله : انتبهوا، أنتم مع ابن حزم….. فكانت إشارة منه لكي نرتقي في التفكير، لأننا مع علم استثنائي في الثقافة الإسلامية.
تعرفت على سيدي أحمد من خلال كتاباته،،، أولها : نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي….. هذا الكتاب الذي فتح لي آفاق عديدة…. وأرجع إليه من حين إلى آخر. ضبطت قضاياه ومباحثه، لدرجة أن سيدي أحمد باحثنا في قضية مقاصدية، وطالبته بالإحالة إلى مرجع فأحالني عليه…. فكرت في الأمر ولم أهتد، وظننت أنني لم أقرأ الكتاب جيدا، في الحصة القادمة أحضرته معي، وطالبته أن يدلني على موضعها،،، فاعتذر لي قائلا،،، لعلني كتبتها في بحث آخر، لا أذكره الآن
ثانيها : نظرية التقريب والتغليب…. اقتنيته بمجرد صدوره، لم أقرأه…. التهمته،،ن أعجبني كثيرا، أبان من خلاله على ذكاء وقدرة على البحث والدراسة والاستنباط والاجتهاد….. هو من أهم مراجع مكتبتي….
توالت كتابات أستاذنا، وكلها تحوم حول المقاصد، إلى أن أصدر كتابه الرائد “الكليات الأساسية”…. إنه عصارة تجربة، ودليل نبوغ،،، فكر متقد بكل ما في الكلمة من معنى…..
يمكن أن أقول بدون مبالغة :
بلغ سيدي أحمد درجة الأستاذية بنظرية المقاصد
وبلغ درجة الدكتوراه بنظرية التقريب والتغليب
وبلغ درجة الإمامة بالكليات الأساسية.
هو الإمام أحمد.
امتحن الإمام أحمد محنته الشهيرة ا لمرتبطة بخلق القرآن
وامتحن إمامنا أحمد محنته الشهيرة التي تراجع بسببها عن رئاسة الحركة وما تلاها.
كلاهما ممتحن، وكلاهما أحمد، اسما ومسمى.
لأستاذنا نظرات واجتهادات…. لا يعرف التقليد، ولا يؤمن به.
درسنا عنده عن حد الردة، وسياقه، وحكمه،،،، بعد ذلك يكتب عن هذا الحد، وأنه معارض للحرية،،، هذا شأن المجتهد…. يغير أفكاره،،، أما المقلد فله قول واحد لا يتغير….
الإمام أحمد له أفكار يسبق بها عصره وأهل عصره…..
** صرح الإمام أحمد بأن الملك بحكم تكوينه لا يمكن أن يصدر الفتوى أو هكذا، ولا بد من تشكيل هيأة إلى جانبه من العلماء لتناط بها مهمة الإفتاء….. خرجت عليه في وقت واحد كتابات الصحفيين والكتاب المرتبطين بالأجهزة، منهم من اتهمه بأنه يريد أن يكون وصيا على الملك….. حاشاه أن ينحط بفكره إلى هذا المستوى….. كان بعدها ما كان،،، وقال عنه الراحل عبد الكريم الخطيب بأنه بليد،،،، ولم ينتصر له أحد إلا شخص واحد طرد من القاعة بأمر من ا لخطيب، وجمدت عضويته…… بعدها ، ماذا وقع ؟
طبق الملك ما نادى به الإمام أحمد….. وبلع الكتاب والصحفيون ألسنتهم، وصدر الظهير المنظم للجنة الفتوى في المجلس العلمي الأعلى (لعله سنة 2005). ألم أقل إنه يسبق عصره ؟
** اجتهد الإمام أحمد اجتهادا استثنائيا، وقال بإلحاق ولد الزنى بأبيه الزاني إذا أقر به…. قاله في أطروحته للدكتوراه،،، وحينئذ مدونة الأحوال الشخصية تمنع الولد من نسب أبيه في جميع الحالات…. ولم يتنفس المغاربة الصعداء بهذا الاجتهاد إلا مع مدونة الأسرة التي صدرت بعد اجتهاد الإمام أحمد بحوالي عقد من الزمن…. أليس الإمام أحمد سابقا لعصره ؟
لم يكن الإمام أحمد ليرضى لنفسه الركون إلى التقليد….. لذلك تراه يبج باب الاجتهاد في مواضيع عديدة، ومن أراد أن يلمس ذلك فليرجع إلى اجتهاده في تفسير “تسع آيات بينات” من كتابه الماتع “الكليات الأساسية”،،، ومنه يمكن للقارئ أن يتعلم الصناعة الاجتهادية…. لأن الإمام أحمد استصحبه فيها….
بعض الكتاب أو ا لمحققين تجدهم أسرى الحب…. يحبون علما من الأعلام فلا يحيدون عن قوله…. والإمام أحمد معجب بالشاطبي والجويني والعز بن عبد السلام والطاهر بن عاشور وعلال الفاسي…. هم أساتذته وشيوخه، ومع ذلك يختلف معهم مع حفظ واجب الأدب معهم، دون تعالم عليهم، ودون أن يحط من قدرهم.
هو من أساتذتي الذين أعتز بهم، وأتشرف بهم،،، حفظه الله من كل سوء، ووقاه الله من كل مكروه، ومتعه الله بالصحة والعافية.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع