أخر تحديث : الجمعة 19 أغسطس 2016 - 12:21 صباحًا

با محمد …

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 19 أغسطس, 2016 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_hajji

محمد الحاجي
محمد الخطيب .. أو ” با محمد ” كما كنا نناديه .. رجل تسلق خلال فورة شبابه جبل الحياة بدون رصيد تعليمي ليجد نفسه في منتصف سبعينيات القرن الماضي مرتديا البزة العسكرية و حاملا للسلاح في مواجهة الموت القادم من كل اتجاه في فيافي الصحراء المغربية بعد المسيرة الخضراء ، قبل أن يبدأ في منحدر الحياة الذي سينتهي به بعد التقاعد من الجيش حارسا ليليا يواجه الزمهرير و رتابة الليالي الطوال و مرض ” الربو ” اللعين .

بقامته الطويلة و بنيته القوية و شاربه الكث و ذقنه الحليق دائما بعناية العسكر ، كان ” با محمد ” يبدو شابا في الستينات من العمر .. ينط من بين صفوف الكراسي البلاستيكية المتراصة في ظلام المقهى المغلق الذي يتكلف بحراسته ليلا عندما يناديه أحد من بعيد ليتجه إليه بنفس الخطوات العسكرية الواسعة التي ألِفها خلال العشرين سنة التي قضاها في الثكنات ، كان يردد دائما المقولة الشهيرة ” واش حنا عسكر و لا زمر ” عندما يعلق أحد ما على ملابسه الصوفية المضاعفة التي تقيه برد القصر الكبير في ” الليالي ” القارسة ، أو عندما يتذوق أحد ضيوفه العابرين من ” دكَّة ” الشاي المنعنع الذي كان يعده بعناية قبل بداية نوبة الحراسة .

كنا نحن مجموعة من الأصدقاء خلال سنوات نهاية التسعينات فاقدين لبوصلة المستقبل نقاوم رتابة مدينة كانت قبرا مغلقا بإحكام ، فتحولنا مرغمين إلى وطاويط بشرية لا نذهب للنوم إلا عندما تستفيق طيور ” الجوش ” ، فلم نكن نجد حينئذ من مؤنس في ليالينا الطويلة غير ” با محمد ” بحكاياته الطويلة و قفشاته المرحة و تحليلاته التي تنم عن زاد مهم مكتسب من قساوة الحياة و منعرجاتها المميتة .

عندما كان ينطلق في إحدى حكاياته المثيرة عن مساره العسكري في الصحراء ، كان يتوقف في لحظات كثيرة ليصمت و يطلق تنهيدة طويلة كانت تعبر عن ظلام كثير من الأسرار كان شاهدا عليها خلال سنوات الجيش .

حكى لنا عن الموت الذي شاهده يمر قرب أنفه لمرات عديدة .. عن هجمات مرتزقة البوليساريو … عن بناء الجدار الأمني و الأرواح التي حصدتها عملية زرع الألغام .. عن زيارات الجنرال الدليمي المفاجئة لمراكز الحراسة .. عن زملائه الجنود الذين ” باتوا ما صبحوا ” بعدما ساقتهم بنادق الأعداء معتقلين إلى مخيم الرابوني .. عن آخرين قتلوا و تم دفنهم في رمال الصحراء و أُشعِر أهلهم عن طريق أعوان السلطة .. و أيضا حكى عن حُفر مراكز الحراسة التي كانت سكنا لهم لشهور متواصلة في صحراء قاحلة حيث لا طير يطير و لا وحش يسير ، الحُفر التي تسببت له في مرض الربو اللعين الناتج عن استعمال المبيدات الحشرية في الأفرشة و الوسائد لسنوات طويلة .

” با محمد ” احتفظ بغصة في حلقه و عاش بقية حياته متحسرا على سنوات خدمته في الجيش بعد الإهمال الذي لحقه إثر مرضه و طوفانه على مستشفيات الدولة و عيادات الخواص و صرفه للمبلغ الهزيل الذي أخذه تعويضا على فترة عمله في سلك الجندية في الأدوية و تكاليف المرض المزمن .. فاضطر إلى العمل كحارس ليلي لكي يعيل أبناءه الثلاث ، قبل أن يهده المرض و يطوح به إلى الفراش لشهور طويلة عاش فيها على عطايا إخوته و بعض أصدقائه المقربين أسلم بعدها الروح لباريها في صمت .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع