أخر تحديث : الجمعة 30 سبتمبر 2016 - 4:43 مساءً

شمعون بيريز بالقصر الكبير

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 30 سبتمبر, 2016 | قراءة

soleimanraissouni_785550769

سليمان الريسوني
عندما زار شمعون بيريس الحسن الثاني في يوليوز 1986، قام ثلاثة تلاميذ صغار في مدينة أصغر اسمها القصر الكبير بكتابة عبارة “مسجد شمعون بيريز” على جدران مسجد وادي المخازن الذي كنّا نسميه حينها “الجامع د الملك”.

كان هؤلاء المراهقون الصغار، قد أسسوا، وهم تلاميذ في المرحلة الإعدادية، تنظيما غريبا اختاروا له من الأسماء “D.V.13” (العلم الأخضر 13) واتخذوا من معمر القذافي زعيما سياسيا ملهما ومن علمه الأخضر رمزا لتنظيمهم، ومن الكتابة على الجدران طريقة للتعبير عن أفكارهم الناقمة على نظام الحسن الثاني. كيف لا والقذافي كان هو الزعيم العربي الوحيد الذي أبدى تحفظه على مخطط مؤتمر القمة العربي المنعقد بفاس في غشت 1985 والذي اعترف ضمنيا بالوجود الإسرائيلي.

خلال الاستقبال السري الذي خصّ به الحسن الثاني ضيفه الاستثنائي كان شمال المغرب مازال يعيش على وقع الخطاب الملكي الذي أعقب انتفاضة 1984 والذي وصف خلاله الحسن الثاني ساكنة شمال مملكته بـ”الأوباش”، وخص فيه مدينة القصر الكبير بالذكر والوعيد، كما كان الشمال يشهد احتقانا سياسيا واجتماعيا بسبب سياسة التهميش الذي عرفها منذ انتفاضة الريف لسنة 1958- 1959، والتي ذكّر الحسن الثاني بها في خطاب 1984 الشهير.

في هذه الظروف قام التلاميذ الثلاثة وهم: المرحوم محمد القرقري ورفيقيه الصغيرين حكيم حنفي ويوسف القرقري، بتوفير قارورة من زيت السيارات المحروق، وتوجهوا ليلا إلى “الجامع د الملك” وكتبوا على جدرانه بالبنط العريض: “مسجد شمعون بيريز”. فتحركت الآلة البوليسية والاستخباراتية من كل الأنحاء؛ سألوا مصلحي السيارات والدراجات واحدا واحدا: من أخذ منكم زيتا محروقا، ولم يبرحوا المدينة إلا بعد أن توصلوا إلى محمد القرقري الذي كان مراهقا هشا، فاقتادوه مُعصّب العينين مكبّل اليدين، تحت التعذيب، إلى مخفر الشرطة بالمدينة ومنه إلى مركز الشرطة المركزي بتطوان، قبل أن يستقر به المقام درب مولاي الشريف بالدار البيضاء، وبعد المحاكمة نقل إلى السجن المركزي بطنجة حيث سيلتقي معتقلي انتفاضة 1984 ومعهم اثنان من قياديي منظمة “إلى الأمام” هما الدكتور محمد الجعايدي والمهندس بوبكر الخمليشي، وسيتحول القرقري من عاشق للقذافي إلى مناضل ماركسي. فكنت كلما التقيته إلا وتندرنا على تنظيمه السري “الأخضر” الذي قاده لأن يصبح مناضلا “أحمر” ويفتح في وجهه باب الوعي الحقوقي والعمل السياسي على مصراعيه. كنت أقول له على سبيل المزحة عليك أن تشكر شمعون بيزيز الذي جعل منك مناضلا.

اليوم رحل شمعون بيريز، وقبله رحل الحسن الثاني ومحمد القرقري، ولم يستطع لا المطبعون ولا المقاطعون إيجاد حل للقضية الفلسطينية التي كنا نسميها “قضية وطنية” وكنا بها نعارض نظام الحسن الثاني فيعارضنا بها ويهددنا بتلطيخ بيوتنا بـ (…)إذا تحدثنا عن فلسطين. وكما مارسنا من السياسة على ظهرها، كما قال الراحل محمد عابد الجابري؛ فكنا نغني لها في عيد العرش عندما لا نريد الغناء للحسن الثاني، ونتغزل بها بصديقاتنا، وننظم دوريات لكرة القدم باسمها… كانت قضيتنا الكبيرة في مدننا الصغيرة، بل كانت قضية من لا قضية له.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع