أخر تحديث : الثلاثاء 6 مارس 2018 - 2:47 صباحًا

حياة إبراهيم .. كيف انقلبت من الأضواء إلى الحضيض

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 6 مارس, 2018 | قراءة

بوابة القصر الكبير ـ إلياس طلحة
“أمنيتي الوحيدة في هذه الحياة صارت العودة إلى أمريكا وإمتاع الجمهور بالسيرك من جديد. أملي الوحيد اليوم، أن أضمن لقمة عيش قارة وأن أستتر بملابس لائقة”، بهذه الكلمات عبر إبراهيم الراحلي عن أحلامه البسيطة التي صار يقاوم الموت من أجلها.

تحول هذا الشاب، الذي كان يعتبر من ألمع لاعبي الجمباز بمدينة القصر الكبير، من بطل لعب أدوارا طلائعية إلى شخص بئيس، يستعرض اليوم حركات الجمباز أمام المقاهي مقابل بضعة دراهم.

كثيرا ما نسمع بقصص من عاش في الحضيض وقاسى الأمرين، حتى ينتقل من واقعه البئيس، ليصنع واقعا جديدا ويحقق الأحلام التي طالما راودته وسعى إلى جعلها حقيقة، وبالتالي ينجح في التطور والانتقال من القعر إلى القمة، لكن نجد قصصا أخرى تروي لنا عكس ما عهدناه عن قصص النجاح. قد يعيش الإنسان حياة الرفاهية والراحة، وفي لمح بصر يجد نفسه متشردا وحيدا عائدا أدراجه إلى أصله الأول.

إبراهيم وعشق الجمباز

بابتسامة لا تفارق محياه ورأس اعتاد على تغطيته بقبعة، يحاول إبراهيم العودة بذاكرته إلى فترة الطفولة، يحكي أنه بدأ تعلم أداء الحركات البهلوانية في سن السابعة على يد أخيه “خالد” الذي كان يمارس رياضة الجمباز رفقة مجموعة من الأصدقاء، لم يكن يعلم إبراهيم وقتئذ أن هذه القفزات والحركات ستخول له في المستقبل الاستقرار في بلدان لم يكن يحلم حتى بزيارتها.

يقول إبراهيم بعدما لمعت عيناه وكأنه يشاهد تفاصيل ماضيه وقصصه التي عاشها: بعد أن استهوتنا رياضة الجمباز، جمع المقدم “العربي” جل الشباب الذين يتقنون هذه الرياضة وكنت واحدا منهم، كنت وقتها أبلغ من العمر خامس عشرة سنة… سافرنا في بداية الأمر إلى “ليبيا” وبعدها بأربع سنوات اختار ستة أشخاص وكنت سابعهم وأصغرهم ليأخذنا إلى “النمسا” إذ قضينا بها تسعة أشهر، ومن هناك شددنا الرحال إلى “إسبانيا” ثم “ألمانيا” للاشتغال في عروض بالسيرك.

يستمر إبراهيم في الحكي قائلا : المقدم لقب يطلق على المشرف علينا لأنه يملك خبرة وتجربة كبيرة في هذا المجال، كنا نشتغل بشكل عادي عبر أداء العروض وكان المقدم هو المشرف على إقامتنا، قضينا فترة مهمة في “ألمانيا” وهناك بدأ الزملاء في الافتراق، إذ تزوج بعضهم بأجنبيات وحصل آخرون على أوراق الإقامة.

بعدها تعرف إبراهيم على “المقدم يوسف”، بحيث أن هذا الأخير اقترح عليه أن يأخذه إلى “أمريكا” فرحب بالأمر، ليسافر رفقة صديق له قبل أن يلتحق به شقيقه وأصدقاء آخرون.

هنا أمريكا

يتابع إبراهيم في حديثه: اشتغلت بداية في سيرك بـ”لاس فيغاس LAS VEGAS” وبعد مرور سنتين إنتهت صلاحية بطاقة إقامتي وكنت حينها أخشى العودة إلى المغرب، فتزوجت بسيدة أمريكية إسمها “ميستي MISTY” حتى أستطيع تسوية وضعيتي وحصولي على أوراق الإقامة، لكنني انفصلت عنها بعد سنة ونصف من الزواج”. مضيفا : لم أحصل على ما خططت له وبقيت دون أوراق الإقامة، لتنقلب بعدها حياتي رأسا على عقب، فبدأت بتعاطي المخدرات وأصبحت مدمنا عليها مما سبب لي عدة مشاكل مع زملائي.

في تلك الفترة وتحت تأثير المخدرات، دخل إبراهيم في شجار مع أحد زملائه٬ ليتم طرده من السيرك.

يقول إبراهيم بنبرة منكسرة: أصبحت دون وثائق تثبت هويتي أو تمنحني حق الإقامة وكنت لا أزال أحاول تعلم اللغة الإنجليزية، صرت أشتغل في إيصال طلبيات البيتزا إلى المنازل..، وفجأة وقعت في أيدي لجنة الهجرة والإقامة غير الشرعية، جزوا بي بعدها إلى السجن لمدة لا تتجاوز الأسبوع وبعدها مباشرة تم ترحيلي إلى المغرب.

عودة مرة

يضيف إبراهيم وملامحه تنطق ألما وحسرة: نزلت بمطار الدار البيضاء وركبت القطار المتوجه إلى القصر الكبير، وصلت إلى منزل والدي – علما أن والدتي توفيت في صغري – وبعد مدة غير طويلة دخلت في حالة اكتئاب حاد ونقلت إلى المستشفى، كان عمري آنذاك سبعا وعشرين سنة، بعدها حاولت تعلم حرفة يمكنها أن تدر علي دخلا، لكنني لم أفلح. عدت إلى تدخين الحشيش واستعمال المخدرات أكثر مما كنت عليه قبل تدهور حالتي النفسية، كان الحل الوحيد أمامي لأحصل على لقمة عيش و”باش نلقا ما نشري به البليا” أن أقلد عروض الشارع أو ما يسمى لدى الأمريكيين street shows الذي رأيته في مدينة مراكش وتطوان والقصر الكبير… حيث بدأت أقصد المقاهي لأؤدي حركات بهلوانية لإمتاع الجالسين عليها، هناك من يمنحني القليل ومن يمنحني الكثير وهناك من لا يمنحني إطلاقا، وبدوري لا أطالبه بالأداء، رغم أن العديدين يعتبرون عملي هذا تسولا إلا أنني أسميه إمتاع الناس”.

“صرت أسكن لوحدي في منزل صغير لأبي الذي تزوج وانتقل إلى منزل آخر، وأضحت حياتي تتأرجح ما بين النوم وتقديم العروض أمام المقاهي وتعاطي للمخدرات، وهذا كله ناتج عن أخطاء ارتكبتها وأنا اليوم نادم على فعلها”، بهذه العبارات يصف إبراهيم ندمه.

شهادة قريب

“عثمان” شخص يتردد على المقهى الذي يقصده إبراهيم وله معرفة بهذا الأخير، يقول وهو يتأمل إبراهيم: كنت أعرفه لما كان يمارس القفز وأداء الحركات فأصبح الجمباز كل حياته، صار هوايته وحرفته، خاصة وأنه اشتهر بحركة (تاتلات) وتفوق فيها كثيرا، حيث يقوم ثلاثة أشخاص باعتلاء بعضهم بتراتب ويحاولون الحفاظ على توازنهم لأطول مدة ممكنة.

يضيف عثمان: “تغيرت الأمور كثيرا بإدمانه وعودته إلى المغرب، ولا يخفى علي ألمه ومعاناته الآن، وإنني حقا أتأسف لهذه الحالة التي وصل إليها”. هكذا ختم عثمان كلامه عن إبراهيم وملامحه تنطق أسفا وعطفا على هذا الإنسان الذي تحول بين عشية وضحاها من بطل إلى شخص يتجول لسد رمق جوعه (وباش يشري البلية)

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع