أخر تحديث : الأحد 8 يوليو 2018 - 11:08 مساءً

الأديب الاستاذ طاهر الجباري يكتب عن مدينته القصر الكبير

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 8 يوليو, 2018 | قراءة

الطاهر الجباري :

كنت أكتب لأحلامي .. لفرديتي .. لسوء ما لقي فؤادي .. كنت أكتب لأحلامي المحتملة وأرقبها متشوقا بغريزة التفاؤل وفلسفة التيمن والرجاء .
كنت ألتزم بأوجاع قلبي .. وقضايا أنفاسي في زقاق ذاتي … لكن رأيت اليوم ألا تظل كتاباتي دوما مجرد لصدى حياتي تصطرع فيها فرديتي وأنانيتي الدخيلة في لَحْدِ أوجاعي ، بل ينبغي أن تلتزم بمرحلة جديدة تحمل معها بعض خصائص جديدة ولئن كانت غير كثيرة ، لكن تتميز في مجملها بفكرة لطيفة تهدف الى كفاح اجتماعي يُؤَمِّنُ تحقيقَ فضائل إنسانية في شتى صورها حتى في صورة حقوق المواطنين في أي مكان وفي أي زمان .
أنا أومن بالجمال .. وأعشقه .. وأطلب الله أن يزين إيماني به ، فجمال الإيمان هو الإخلاص فيه .. أومن بجمال المسؤولية .. وبجمال الوظيفة والعمل وأومن بتجديدهما في حلة الجمال .. لأن الجمال يخدم الحياة ويبعث الروح في نفوس الشعوب .. فلا مسؤولية بدون جمال ولا وظيفة أو عمل بدون جمال ولا تجديد فيهما بدون جمال ، هذا هو منهجي ، لعلني أقترب بهذا المنهج إلى اهتمامي بالقضايا العامة وبالنواحي الاجتماعية في حياتنا وأخص الآن بواقع مدينتنا ” القصر الكبير” .
فكلما ازددت بمعرفة بواقع هذه المدينة القديسة بحكم نشأتي فيها واستمرار صلتي الوثيقة بها وبأهلها وبطبقات شرائحها ازداد إيماني بأن مسؤوليها لا ينبغي أن يظلوا مجرد ذوي الوعود الفارغة الجوفاء أطنبوا فيها وأهرفوا بما كانوا يعدون وجاوزوا فيها القدر في الهذيان ، فاستخفوا العقلاء وذوي المروءة والظن الحسن من أهل المدينة ، فقد أساؤوا استخدام تلك الوعود ولم يلتزموا فيها بطموح كل ناخبيهم ( أقول الكل كما كانوا يعدون ) وقضايا شؤونهم ، فتدمر السكان في محيط مدينتهم : العشوائية في الأسواق ،العشوائية في حركة السير والمرور والتصعيد فيها بحكم الوفرة المتطرفة في تحكم أصحاب العربات وسط الطرقات مع تبسيط المبيعات من الخضر وغيرها من ألوان المواد الغذائية على قارعات الطرق ، وتخطي أصحاب الدكاكين ببضائعهم إلى الأرصفة العمومية وهذا ما يصطلح عليه قانونا بالترامي على الملك العمومي ، كل هذا وغيره من مثله ينم عن شماتة في مأساة ساكن مدينة القصر الكبير ، فهذا الساكن ابن بلدتي مع وجود هذه السلبيات لا تشعر معه بالبهجة والدعة لانه يفتقد الجمال .
هذه المدينة .. لم يعد لها مكان للجمال .. للفن ..فالقصر الكبير كانت في الماضي فنّاً وجمالاً ، فمنهجها الإيديولوجي عند أهلها في القرن الماضي كان يخضع لفكرة الطبيعة الجمالية ، هذا هو التعريف الصائب لهذه الفكرة التي كانت تخضع لها مدينة القصر الكبير ، هذا التعريف أُورِدُهُ عاما وإجمالا لا حاجة لي فيه للتفصيل أو أتعرض فيه إلى سرد متميز مستقل أو بدرس معمق متفرد ، فقارئ مقالي هذا من مفكري هذه المدينة ومن مطلعي أحوالها تاريخا وثراتا قد يضع في فكرته الأسس الشاملة لهذا التعريف المنهجي .
هل من الممكن أن نستنهض همة هذه المدينة ونستخرجَ من أعماق تاريخها التليد مكانتها المستحقةَ جدارةً بقوة وعزم وننفضَ عنها الشوائب التي عُلِّقت بها اليوم في كل جوانبها الجمالية التي بها عرفناها أمس؟!.
أقول الجوانب الجمالية ، فأضرب لكم مثلا، فهناك ساحة في وسط المدينة يتفرع منها شارع محمد الخامس سُميت حديثا بساحة عاشر ابريل ، قبالة النادي المغربي مجمع مثقفي المدينة ومفكريها … تاريخ يحمل معنى من معاني الجمال الوطني والارتقاء التاريخي من الكفاح والصمود الذي أبداه أبناء هذه المدينة البررة أثناء الاحتلال الاسباني المستعمر ، هذا الارتقاء الوطني المتجسد في بذل الروح والذات وفي أبلغ صور التضحية بالنفس والنفيس كوفئ وزُيِّن بعد الاستقلال بفترة قصيرة بزيارة وقدوم ملك المغرب آنذاك سيدي
محمد الخامس رضوان الله عليه لمدينة القصر الكبير ، هذه الساحة شهدت قدوم هذا الملك العظيم محرر البلاد وخفقت نسائمها ورفت بتلويحات كفيه الكريمتين الى أبناء هذه المدينة .. الى محبيه .. الى أصفيائه من أهلها ..
واليوم .. وفي هذه الساعة .. نرى هذه الساحة التي أقيم فيها نصب بمناسبة ذكرى عاشر ابريل سوقا على مدى سبعة أيام متتالية توضع فيه معروضات مستعملة من الأسمال والخرق البالية للبيع وأوان رخيصة مستغنى عنها من مالكيها يعرضونها للبيع أو يوكلون من ينوب عنهم في بيعها وأعين المسؤولين في غطاء عن ذلك قصدا وعمدا ، حبذا لو هيأ المسؤولون فضاءات خاصة لهولاء الباعة وغيرهم آخرين يعرضون فيهامبيعاتهم بدل عرضها بأزقة المدينة ومختلف شوارعها وتكون بذلك مبادرة لتحقيق اول نواة لفكرة الطبيعة الجمالية .
فقد قلت سابقا بأن المسؤولية ينبغي أن تكون بشكل من أشكال الجمال وصدق الأمانة ، هذا هو منهجي وأن تكون عاملا مساعدا للارتقاء والتقدم الى ما هو أفضل وأجمل .. وأسلم وأنسب .
فأنا الآن .. لا أكتب لنفسي .. لا لفرديتي .. أكتب للانسان .. لانسان هذه المدينة .. فالانسان عاشق للجمال .. هذه صرختي وليعيها من له أذن صاغية .
لتبقى مدينتنا هرما صامدا ثابتا تعزه نفوس أبية ، لا طللا متداعيا تذرفه دمعا عيون باكية …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع