أخر تحديث : الأحد 26 أغسطس 2012 - 7:13 صباحًا

حوار مع الباحث والقاص المغربي د. مصطفى يعلى

ذ. محمد سعيد الريحاني | بتاريخ 26 أغسطس, 2012 | قراءة


من يذكر د. مصطفى يعلى، يذكر ريبرتوارا غنيا بالأبحاث الوازنة في مجال الأدب الشعبي، والسرد المحلي…لماذا هذا النزول إلى العوالم السفلية للكتابة الإبداعية؟ وما هي الفلسفة الموجهة لهذا الغوص في أعماق التعبير المكتوب؟


جواب : عبارة (العوالم السفلية) غير دقيقة. ذلك أن هذا الأدب يجري في عوالم تخييلية سامية، ويمتلك أبعادا دلالية قيمية ورمزية في منتهى البلاغة والعمق. إنه مستودع شخصيات الشعوب وهوياتها بخصوصياتها المميزة، ومكمن تفكيرها ومعتقداتها وأعرافها. أي أنه تعبير تخييلي رائع عن مستويات حضارية أصيلة وعريقة في تاريخ ثقافات البشرية وتراثها الإنساني. وهو ما لفت نظر علماء الأنثروبولوجية وعلماء النفس والاجتماع واللغة ومن إليهم، نحو هذا الكنز الذهبي الخصب والثمين؛ ومن ثم الاستغراق في دراسته نظريا وتطبيقيا بمختلف المناهج التقليدية والجديدة.
وبالنسبة لعلاقتي بهذا الأدب، أرى أن الحديث سيطول حول دوافعي الذاتية والموضوعية، إذ أنها ترتد حتى إلى مرحلة الطفولة، والحياة في أجواء ثقافة تقليدية تمتح من الفكر الخرافي بصورة يقينية، داخل فضاء شرقي مغلق هو حي النيارين بمدينة القصر الكبير شمال المغرب؛ لذلك أبادر إلى ترك كل هذا، لأشير إلى أنني قد انتبهت لغنى هذا الحقل من الإبداع الشعبي، خاصة لما اطلعت على منجز كل من ليفي استراوس وفلاديمير بروب في الموضوع. لهذا جعلت المخيال الشعبي حقلا لتخصصي العلمي أكاديميا، عندما واتتني فرصة اختيار موضوع البحث لنيل دكتوراه الدولة، وكذا التدريس والمحاضرة بالجامعة، والمشاركات في الندوات والمؤتمرات الوطنية والعربية حول هذا الأدب.
أما فيما يتعلق بالسرد المحلي، فقد يكون للموضوع علاقة بأسباب الاختيار السابق. ذلك أن الأجواء التي سكنتني في البيئة المحلية المنغلقة المذكورة، جعلتني أتشرب كل مظاهر الحياة التقليدية بأعرافها وعاداتها ومواسمها وأناسها وإبداعاتها المادية واللامادية. ومن هنا جاء إحساسي بالألفة مع إبداعات مغربية تناولت نفس الفضاءات بمواصفاتها الآنفة الذكر، مثلما هو الأمر في روايتي عبد الكريم غلاب (دفنا الماضي) و(المعلم علي)، وفي أعمال عبد المجيد بنجلون، وفي قصصي أحمد بناني وعبد الرحمن الفاسي وأحمد عبد السلام البقالي ومحمد الخضر الريسوني ومبارك ربيع ومحمد اشماعو، وغيرهم من كتاب المدن العتيقة في مرحلة ما بعد الاستقلال. فقد لفت نظري نحو أعمالهم السردية على بساطة تقنيتها، هذا البهاء الخفي الجذاب الذي تمتعت به، نتيجة الحرص النابع من الحب والإشفاق لدى أولئك الكتاب على تصوير العوالم المحلية بنكهتها المميزة وخصوصياتها الأصيلة المحببة، ونمطية شخوصها وطرافتهم، مما وطد العلاقة الحميمية بينها كواقع تخييلي مألوف وبيني باعتباري متلقيا مفترضا، يساهم في تكوين بنائها شكلا ومضمونا.
على أن الغيرة على هذا الأدب الفتي على بساطته، هي أيضا لعبت دورا في تحفيزي للمساهمة في الجهود التي بذلت من طرف جيلي، من أجل إعادة الاعتبار إلى الإبداع المغربي، علما بأنه كان مهملا من طرف المشارقة حتى عقد السبعينات، من منطلق تعالي المركز على الهوامش، مما خلق لدى المثقفين المغاربة في الفترة شعورا عاما بالغبن، سعى كل بطريقته إلى تجاوزه، الأمر الذي سيتحقق منذ الثمانينات إلى الآن، حيث فرض الكتاب المغاربة أنفسهم على المشارقة، وخاصة في حقل المناهج وميدان الإبداع.
وحتى لا أنسى، أعتقد أن هناك هدفا آخر أعمق، لاشك أنه وقف وراء هذا الاختيار. ذلك أنني كنت دائما مقتنعا بكون أي أدب ليس ممارسة تجريدية تتعالى على واقعها، بل إنها تعبير عن معاناة كاتب معين في بيئة محددة، يتجسد عالمه الإبداعي في فضاء ومن خلال شخوص ووقوع إحداثيات وشعور بأحاسيس إنسانية معيشة، كل ذلك على مستوى واقع ملموس هو البيئة المحلية. فانظر مثلا إلى أعمال كبار الكتاب العالميين كليوتولستوي وتشيكوف ودستويفسكي وجي دي موباسان وفولكنير ونجيب محفوظ وغيرهم، فستجد أن عالميتهم مستحصلة بالتأكيد من محليتهم.
وهكذا، فقد وجدت من خلال قراءاتي ـ باعتباري من جيل الستينات والسبعينات ـ لأعمال الكتاب المغاربة في تلك المرحلة، أنهم مولعون عن وعي وترصد بمعالجة عوالمهم المحلية في تلك الأعمال. فكان لابد من دراسة الظاهرة المحلية فيها، حين واتتني الفرصة على المستوى الأكاديمي.

سؤال 2 : أنت من مواليد القصر الكبير، شمال المغرب، التي تعتبر أحد أهم منابع الإبداع الفني والأدبي في المغرب، كما تعتبر في الآن ذاته أحد هوامش التنمية بأبعادها كافة. كيف ترى هذا الأمر؟

جواب : مدينة القصر الكبير مدينة غريبة. فهي صغيرة، ولكنها تحمل اسما كبيرا، من المؤكد أنه يدل على ماض تليد. وعلى صغر هذه المدينة العجيبة، فهي في حجم عاصمة ثافية. فقد غصت في الماضي والحاضر بعشرات الجمعيات الثقافية، والفرق المسرحية، وفعاليات المجتمع المدني. فضلا عن عدد كبير من المبدعين في الشعر والقصة والرواية والموسيقى والتشكيل. كما أنها كانت منذ الاستقلال رافدا للدولة بمختلف الأطر الصغرى والمتوسطة والعليا، خصوصا في ميدان التعليم بمستوياته الابتدائية والثانوية والجامعية. وقد أستمر في تعداد هذا الزخم من الغنى الحضاري والإشارة إلى مائات الأسماء اللامعة في مختلف المجالات، فأرصد الكثير والكثير من كل ذلك. ودائما كنت أتساءل: ما سر هذه الخصوبة المشابهة لخصوبة نهر لوكوس الذي يشق المدينة، بينما مدن مجاورة وبعضها أكبر، لا تتوفر حتى على عشر ما لهذه المدينة من قابلية لاستنبات مختلف القامات الثقافية والفكرية والإبداعية والإدارية؟. والحال أن هذه المدينة لا تملك ولو الحد الأدنى من البنيات التحتية المواتية. هل يمكن الذهاب مع ابن خلدون وغيره لتفسير هذه الظاهرة بتأثير البيئة؟. أم أن ما كان يعانيه ولا يزال شباب المدينة من حرمان وتهميش مثل حافزا جذريا ملحاحا للانصراف إلى التكوين الذاتي وملء أوقات الفراغ الطويلة بالقراءة والكتابة وغيرهما من الأنشطة الإبداعية والفكرية للتغلب على الفراغ القاتل؟ أو ماذا؟.
وفي جانب التنمية لهذه المدينة، لا يخلو الأمر من حيرة أيضا. فرغم عوامل التهميش، فإن القصر الكبير دائما كانت تثبت ذاتها في المجال الاقتصادي. إذ كانت التجارة في الماضي مزدهرة بها منذ المراحل التي شهدت حيوية ممر تازة، كما تشهد على هذا كثرة (الفنادق) التقليدية بها. ورغم فتح طريق طنجة / الرباط خارجها، لم يؤثر ذلك في رواج الحركة التجارية بها، بل إنها ازدادت ازدهارا مع فتح سوق سبتة. كما أن تربة محيطها الطيبة المعطاء، قد صلحت على المستوى الفلاحي لإنتاج الشمندر وقصب السكر والشاي وتوت الأرض وما إلى ذلك، فضلا عما تدره من فائض الحبوب بأنواعها المختلفة. وقد استتبع ذلك تأسيس عدد لا بأس به من المعامل القائمة على الإنتاج الفلاحي مثل معمل السكر ومعمل الشاي إلخ.. وسأترك استقصاء باقي مظاهر التنمية بالمدينة للمختصين. وأقول إن القصر الكبير كانت على مر العصور مثل العنقاء، عندما تكون على وشك الموت تنبعث من رمادها أكثر عنفوانا وحيوية.

سؤال 3 : أنت من جيل محمد عز الدين التازي ود. محمد أنقار وغيرهما من كتاب القصة القصيرة ممن تحولوا إلى الكتابة في نوع سردي أطول، الرواية. ما الذي منعك من سلوك نفس الدرب؟ ولماذا الاختصاص في الكتابة القصصية القصيرة دون غيرها؟

جواب : أعرف أن الكثيرين من كتاب القصة القصيرة في المغرب وباقي أقطار العالم العربي، قد تحولوا إلى كتابة الرواية بعد التمرس الطويل على كتابة القصة القصيرة، أو ظلوا يراوحون بين كتابة النوعين السرديين معا، إضافة إلى كتابة المسرحية أيضا لدى البعض الآخر. وتحضرني هنا أسماء نجيب محفوظ ويوسف إدريس ومعظم كتاب جيل الستينات بمصر ، وعبد الرحمن مجيد الربيعي في العراق، وأرنست همنجواي الأمريكي وإتالو كالفينو الإيطالي وقد تطول اللائحة. وفي المغرب نذكر للتمثيل وليس للحصر، عبد الكريم غلاب وربيع مبارك وأحمد عبد السلام البقالي وخناتة بنونة والميلودي شغموم ومحمد زفزاف وإدريس الصغير ومبارك الدريبي ومحمد غرناط ومحمد صوف. في المقابل، ظل الكثيرون من القصاصين المغاربة مقتصرين على كتابة القصة القصيرة، أمثال عبد الجبار السحيمي وأحمد بوزفور ورفيقة الطبيعة ومصطفى المسناوي وإبراهيم بوعلو ومحمد المصباحي، وغيرهم.
يبقى السؤال منوطا بطبيعة الكاتب ومزاجه واختياراته. فقط أخشى أن يكون التحول لدى البعض، من كتابة القصة القصيرة إلى معالجة الرواية، نابعا من دافع ركوب الموجة لا غير. لكننا عندما نأتي إلى الاختيار الموضوعي، فسنجده يتم على أساس الإحساس بشروط محددة فرضتها روح العصر. فليست كتابة القصة القصيرة مجرد تمرين على الكتابة السردية، من أجل أن يمر الكاتب بعدها إلى إنتاج الرواية. ولا القصة القصيرة هي رواية صغيرة مضغوطة يمكن تمطيطها لتصير فيما بعد رواية الخ.. ومن يقول العكس لا يخلو فهمه من سذاجة. إن القصة القصيرة ليست كيانا زئبقيا لا شخصية له، بل إنها نوع سردي قائم بذاته ومستقل بشروطه وعوالمه، ولا يجمعه بالرواية إلا الانتساب إلى أسرة واحدة هي جنس السرد. فكل ما فيها مخصوص بذاتها إن على مستوى التخييل وكذا على المستوى النوعي، فلا الحدث ولا الشخصية ولا الزمن ولا الفضاء ولا اللغة معجما وأسلوبا، يمكن أن تكون مائعة فيها، بحيث تصلح آلية لكتابة القصة القصيرة كما الرواية. إذ لكل من هذين النوعين خصوصياتها التي يجب أن تحترم. هذا، عدا أن القصة القصيرة وليست الرواية هي الأداة التعبيرية السردية المناسبة لعالمنا الراهن بشدة سرعته وجبروت تشابكاته وبرق تواصله وأزمة ضيقه / اتساعه، وانعكاساته على الفرد المسحوق والمهمش والمأزوم.
وبهذا الوعي، لم أفكر إلا في الإخلاص لكتابة القصة القصيرة، بوصفها نوعا سرديا قائما بذاته، مثله مثل الرواية والمسرحية والسيرة الذاتية والرحلة وما أشبه؛ وليست ممرا إلى كتابة نوع آخر من هذه الأنواع المنتمية إلى جنس السرد.

سؤال 4 : بالاضافة إلى الإبداع والبحث والنقد، تشتغل أيضا على واجهة الإعلام الثقافي من خلال مجلة أدبية محكمة هي “مجرة” التي تحولت أعدادها إلى مراجع يعتد بها. ما هو حاضر الإعلام بالمغرب وما هي آفاقه؟.

جواب : كأني بك تعني الإعلام الثقافي. وقبل الخوض في الإجابة عن السؤال، اسمح لي بالإشارة إلى أنه بسبب انتماء المنابر الوطنية إلى الأحزاب السياسية ومؤسسات ثقافية رسمية وغير رسمية ذات خط خاص بها، وأمام شح فرص النشر لإنتاج الكتاب المغاربة المثابرين وخاصة الشباب منهم، ولقلة المنابر الثقافية وعدم انتظام صدورها في دورات محددة…اجتمع ثلة من المثقفين (محمد زفزاف، بشير القمري، محمد البوكيلي، مصطفى يعلى، محمد الكغاط، محمد سعيد سوسان، ومبارك الدريبي)، وقرروا إنشاء مجلة “مجرة” بإشراف وطبع وتوزيع دار البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع بالقنيطرة. وقد تحمل محمد البوكيلي ماديا الكثير من أجل أن تستمر المجلة في حفر اسمها في العمق الثقافي المغربي والعربي حتى الآن.
في رأيي وبكل أسف أقول: إن الإعلام عندنا عامة والثقافي منه خاصة، ضعيف للغاية ومسيس للغاية. فالصحافة في معظمها حزبية، والثقافة والرأي الآخر هو آخر ما تفكر فيه (لاحظ أن الصفحات الثقافية بالجرائد الحزبية تتوقف في مواسم معينة مثل الانتخابات والعطلة الصيفية ! مع أن الثقافة لا عطلة لها). أما عن الوسائل السمعية والبصرية، فحدث ولا حرج. فهي جد متخلفة كما يستشعر الجميع إن في تقديم الخبر وإن في تنشيط الفكر وترويج الثقافة الجادة. لهذا فقد توقفت شخصيا عن متابعة إعلامنا الثقافي مكتوبا ومسموعا ومرئيا منذ زمان، خوفا من أن أصاب بمرض السكري لا قدر الله.
ولكي أدلل لك على نموذج الصورة المطلوبة للإعلام الثقافي على الأقل، حتى يكون فعالا وموفقا، يكفي أن أستشهد بواقع هذا الإعلام لدى جيراننا الإسبان. إن الصحف الكبرى المعروفة هناك كالباييس El pais والموندو El mundo (العالم) و ABC مثلا، تتنافس فيما بينها على خدمة القارئ ثقافيا بنفس القدر الذي تفيده إخباريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا ورياضيا. ولعل الإشارة إلى ملاحقها الثقافية الأسبوعية، تجسد الفكرة التي أريد أن أوضحها هنا. ذلك أنها تدأب على أن ترفق مع عددها الأسبوعي أعمالا أدبية وفنية وسياحية بالتناوب. فقد قدمت (الباييس) ضمن سلسلة (أفضل روايات العالم المعاصر)، أشهر الروايات العالمية مجلدة في طبعة فاخرة أنيقة، من مثل ( اسم الوردة) لأمبرتو إيكو، و (الأمواج) لفرجينيا وولف، و(صورة الفنان الشاب) لجيمس جويس، و(سن البراءة) لإديت وارتون. وعبر سلسلة (مائة تحفة للألفية)، أتحفت نفس الصحيفة القارئ الإسباني بأعمال مثل (الكوميديا الإلهية) لدانتي الإلجيري، و(المحاكمة) لفرانز كافكا. كما قدمت من خلال (سلسلة أفضل الروايات بالإسبانية في القرن العشرين)، إنتاجا خصبا من الروايات المكتوبة باللغة الإسبانية، نذكر منه (لاشيء) لكارمين لافوريت، و(قصة مايطا) لماريو فارغاس يوسا. وكذلك فعلت جريدة الباييس، حيث أهدت قراءها في سلسلة (كلاسيكيات القرن العشرين)، العشرات من أروع الروايات العالمية، من مثل (عاشق الليدي شترلي) لــ د. هـ. لورنس، و(أورلاندو) لفرجينيا وولف، و(آراء المهرج) لهنريش بول، و(هادئة هي الليلة) لفرانسيس سكوت فيتزجرالد. ثم انتقلت هذه الجرائد إلى تزويد القارئ بسلسلة من الأقراص المدمجة الحاملة لأشهر السيمفونيات الخالدة لكبار واضعيها العالميين المعروفين. إلى جانب سلسلة تعريفية بأهم دول منطقة الأورو. وهي الآن منخرطة في تقديم أشهر الأفلام في تاريخ السينما العالمية على أقراص DVD ، لقرائها أسبوعيا مجانا.
وهنا يأتي السؤال الضاحك / الباكي، ترى ماذا تقدم ملاحق جرائدنا ووسائل إعلامنا؟ للأسف، إن النشاط الثقافي ومعه الفاعلية الإعلامية الديموقراطية، لا وزن لهما في هذا البلد الأمين. وبدل ذلك، فإن المواسم الفولكلورية بالمعنى القدحي، هي ما يحظى بكل عناية كريمة فائقة، وإلا فماذا يمكن أن يقول الملاحظ المتتبع عن عديد الفعاليات والأنشطة الثقافية الجادة، التي تنظم على طول المغرب وعرضه، بين الحين والحين، متفاوتة الأهمية، ويرقب كيف يتصرف معها الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي؟ ألا تتم تغطية بعضها في أحسن الأحوال، فقط لسبب ما مبيّت، غالبا ما يكون مرتبطا بعلائق الزبونية أوالصداقة أو الحزب أو المال وما إلى ذلك مما لا يدخل في باب تعميم الخبر والفائدة والتغطية. فأي تخلف هذا؟. وما لم تتغير العقلية والمواقف جذريا اتجاه الثقافة النوعية والإعلام المطلوب، تبقى آفاق مستقبل هذه الثقافة وهذا الإعلام لدينا متعنكبة داخل النفق المسدود إلى إشعار آخر، لولا البصيص الذي أخذ يضيء في نهاية النفق من خلال هذه النافذة الخارقة، التي انفتحت أمام الفاعلين الأعلاميين والثقافيين فكرا وإبداعا وتعميما للفائدة، أعني (الانترنيت)

سؤال 5 : خصصت مجلة “مجرة” أحد أعدادها للقصة القصيرة جدا إبداعا ونقدا. لماذا لم تخض بعد تجربة الكتابة في القصة القصيرة جدا؟ وهل تعتبرها شكلا قصصيا أم نوعا أدبيا؟

جواب : وفق الخط الذي استنته مجلة “مجرة” لنفسها، كان لابد من أن تلتفت إلى الظواهر الأدبية الجديدة وموضوعاتها الساخنة، التي يرفع المتلقي في وجهها أكثر من سؤال، من أجل فهمها واستيعابها. من ذلك موضوعات القصة القصيرة الشبابية، والصورة الروائية، والأدب الشعبي، والنشر الرقمي، وأدب الأطفال. ومن ذلك طبعا، موضوع القصة القصيرة جدا، الذي أثار نقاشا جادا، حول شرعية انتماء هذا المولود الجديد إلى أسرة السرد. لا سيما وأن كثيرا من الأقلام المعروفة وغير المعروفة، قد انضمت إلى صف كتّاب هذا الفن الزئبقي الجميل.
أما بالنسبة إلي، فقد كان من الممكن أن أشارك بنص إبداعي في العدد الممتاز من “مجر” الخاص بملف القصة القصيرة جدا، إذ لا مانع لدي من دخول التجربة، لولا أنني مع كثرة النصوص التي وردت على المجلة من المغرب ومن مختلف الأقطار العربية، فضلت أن أنشغل بشيء آخر، ارتأيت أنه ربما يفيد أكثر مرحليا، ألا وهو ترجمة مقال تنظيري للقصة القصيرة جدا عن الأسبانية لكاتب من أمريكا اللاتينية، حيث تزدهر القصة القصيرة كثيرا، وذلك من منطلق اليقين بأننا في أمس الحاجة، موازاة مع الإبداع في هذه القصة، إلى أن نتسلح بوعي نظري عميق عنها.
وعن انتماء القصة القصيرة جدا، أؤكد بأنها فن تخييلي جيد وجديد بمعنى الكلمة. فهي تمتلك أيضا شخصيتها المخصوصة بها، التي تتميز بها عن شخصية أختيها القصة القصيرة والرواية. وحتى إن اشتركت معهما في نوعية الآليات والمكونات، فإنها توظفها على طريقتها، بشكل مختلف يضمن لها العمق والكثافة المركزة والسرعة المطلوبة وترويع حساسية المتلقي. ولهذا فإن كاتبها يحتاج إلى ذاكرة حاسوب تمده بما يحتاجه عند الحاجة حسب المواقف المعالجة، وإلى التمرس الطويل على كتابتها، وإلى إدراك أسرار بلاغتها، وأيضا إلى سليقة موهوبة خصبة الخ..وإن من لا يدخل عالمها بمثل هذه المعدات، يسئ إليها أكثر من إساءة من ينبحون الآن بعيدا عنها. وبهذا الفهم، يمكن أن أشير باطمئنان إلى أن القصة القصيرة جدا هي (نوع سردي) بامتياز.

سؤال 6 : ما هو مستقبل السرد القصير وطنيا وعربيا؟

جواب : أكيد أن القصة القصيرة جدا، هي بصدد حفر مكانها في الفضاء الأبداعي الوطني والعربي، بله العالمي، بإصرار لا هوادة فيه كما يلاحظ المتتبع. فسواء على مستوى النشر الورقي أم الإلكتروني، تنثال علينا مائات النصوص من هذا النوع السردي الجميل كل يوم، إلى جانب زخم المجموعات القصصية القصيرة جدا، التي أصبحت تملأ واجهات المكتبات والأكشاك.
وبالطبع فإن الأمر لا يقتصر هنا على الكم، بل يطول النوع كذلك. فهناك كتاب يبصمون بموهبتهم العالية جدارة هذا الوليد في الحياة الإبداعية، وهناك نصوص تتفوق من حيث المعالجة وتوظيف التقنيات التخييلية المخصوصة بأشكال القصة القصيرة جدا، وكذا من حيث القدرة على استلهام الإمكانات التعبيرية من حقول وفنون أخرى. على أن الراهن الحضاري اليومي يعتبر حاضنا مشجعا على ازدهارها، بسبب طبيعته المهرولة المختصرة في جملة (عصر السرعة).
لذلك، فإن علامات من مثل الطبيعة النوعية للقصة القصيرة ذاتها، وحجم رواجها إنتاجا وتلقيا، وروح العصر الخارق السرعة وغيرها، تجعلنا نتفاءل بواقع ومستقبل القصة القصيرة جدا وطنيا وعربيا، مادام هناك من يكتب وسيكتب مثل هذا النموذج العميق: (عندما استيقظ كان الديناصور لا يزال هناك) لأوجستو منتيروسو.

سؤال 7 : كلمة أخيرة؟

جواب : في أفق المصير الحضاري العربي، بزمن العولمة الشيطاني، أرجو أن تتضاعف محليا ووطنيا وعربيا، أعداد البدائل من المبدعين والمفكرين والإعلاميين والجمعويين المدنيين الشباب، من أجل أن يرتفع منسوب المستوى الحضاري للأمة العربية، التي أمامها جبال من التحدي، أولها التسلط الغربي المقيت، الذي لم يفتر منذ قرنين من الزمن على الأقل، كما عليها أن تقطع أشواطا وأشواطا من مراحل التطور الشامل، بتشغيل عبقريتها وإبداعها وبذل كل جهودها، مثلما فعلت كثير من الدول حديثا بمعجزة وفي وقت قياسي، ومنها ما خرج من الحرب العالمية مدمرا عن آخره… أقول بطوباوية :على الأمة العربي أن تفعل كل ذلك وأكثر، إذا أريد لها أن تنتمي إلى الألفية الثالثة حقا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع