أخر تحديث : الثلاثاء 6 أغسطس 2013 - 3:15 مساءً

حسن اليملاحي للثقافية : الانتقال بين الأجناس لا يخضع للتدرج

ليلى بارع | بتاريخ 6 أغسطس, 2013 | قراءة

– تزحف القصة القصيرة وتتقدم في مجال الكتابة ، هل يمكن- برأيك- أن يؤثر ذلك سلبا على القصة المغربية، مارأيكم كناقد وكاتب؟

في البداية لابد أن نتفق أن لكل جنس أدبي ظروف وسياقات نشأته، وإن بعض الأجناس الأدبية قد تخلد وتعمر طويلا، فيما الأخرى يمكن أن تختفي لتمهد طريق الوجود نحو باقي الأنواع الأخرى.فالبرغم من ظهور القصة القصيرة جدا على ساحة الكتابة، فالقصة القصيرة ماتزال-في وضع مريح- و تقابل بالكثير من التلقي قراءة وكتابة. بمعنى آخرفإنها قابلة للتداول من حيث الممارسة ، ولا يمكن بالجملة القفز عن وجودها. ويمكن في هذا الإطار العودة إلى المتون السردية التي تظهر خلال كل سنة وكذا المطبوعات، فهذا دليل على صحة كينونتها، بالرغم من التهديد الذي باتت تشكله لها القصة القصيرة جدا وجوديا.إن ظهور القصة القصيرة جدا لم يأت من فراغ ولم يكن نتاج التلقائية، بقدر ما يعكس دلالات خفية تحتاج إلى تأويل على الأقل لمعرفة بعضا من هذه الأسباب التي دفعت كتاب القصة القصيرة إلى السفر بعيدا عنها. ومن بينها يمكن الإشارة إلى:

– عامل الانفتاح و الترجمة، والقراءة والتجريب.

و حسب وجهة نظري، فإن هذه المؤشرات دفعت القصة القصيرة جدا بالمغرب إلى التقدم سريعا، إذ سرعان ما قوبلت على مستوى التلقي بنوع من الاحتفالية ، ويبدو ذلك من خلال كثرة السجالات، والمواكبة النقدية التي تشملها وكذا المهرجانات التي تقام بشكل دوري هنا وهنالك.

وغني عن البيان أن هذا التقدم، سرعان ما ساهم في ظهور جملة من الأسماء الإبداعية التي تكتب القصة القصيرة جدا.

– صدرت لك مجموعة قصصية بعنوان “مرايا صغيرة”، خلال هذه السنة ، لماذا هذا التأخير في إصدار عملك القصصي، وبالتالي ما هو المميز في هذا العمل؟

في حال التأمل، ستلاحظين أني بدأت كتابة القصة القصيرة خلال مرحلة الثمانينيات، وأن كتابي الأول”مختارات” الذي يحمل عنوان”أصوات من الشمال.. قصص من المغرب”قد صدر خلال عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر سنة 2007 .وقد تلاه سنة 2013، صدور”مرايا صغيرة” قصص قصيرة جدا، عن منشورات دار الأمان بالرباط. إن هذه المسافة الزمنية الحاصلة، لم تكن وليدة الاعتباطية، بقدر ما إنها تختزل موقفا قيميا محددا من الكتابة، وهذا الموقف يتمثل في كوني أحرص كثيرا على احترام الكتابة وكذا هيبتها، وعدم انتهاك حرمتها بجملة من المطبوعات أو الإصدارات الخالية من أي مضمون عملي تطبيقي. ولا أخفيك سرا أني-في الوقت الراهن- أتوفر على عديد من المجاميع القصصية والكتب النقدية، فهي جاهزة وتنتظر مني فقط الإشارة لإخراجها وطبعها. لكن الحرص على التجويد،ومراعاة أفق انتظار القارىء وذوقه، كثيرا ما كانت من وراء تأجيل إخراجها. وبالمناسبة لا أخفيك سرا إن أشرت لك أن المتن السردي المغربي، القصصي منه والروائي يتضمن بعضا من النماذج التي لا تستحق القراءة في ظل عدم استيفائها لبعض الشروطات والعناصر الفنية اللازمة. إن الأمر هنا يتعلق بما يمكن أن نصطلح عليه ب”داء العجلة” التي تصيب بعض الكتاب. إن “داء العجلة” من الناحية النظرية من شأنه أن يسيء للكتابة ككل ولشخصية الكاتب، لأن الكتابة في النهاية لا تخرج عن دائرة الميثاق والالتزام. إن التأجيل الذي يرتهن للقراءة ثانية وثالثة، هو في حقيقة الأمراستراتيجية من شأنها أن تجعل من الإبداع المغربي يتربع في مقدمة كراسي الإبداع الإنساني.

– تستعدون لإصدار رواية بعنوان “”نسائي الجميلات، من خلال العنوان، يلاحظ أنه يحيل على رواية “ذكرى عاهراتي الحزينات” لـ”غارسيا ماركيز” ، هل يمكننا أن نتحدث عن علاقة ما، وبالتالي هل يمكننا الاقتراب من الأجواء العامة لهذه الرواية؟

صحيح إن “نسائي الجميلات”، هو عنوان الرواية التي أفكر في إصدارها. وتلاحظين-في حال التأمل- أن العنوان جاء مختلفا بعض الشيء، ويحقق التناص مع رواية” ذاكرة غانياتي الحزينات”las memorias de mis putas tristes لـ”غارسيا ماركيز”.أما بخصوص العلاقة بينهما، فلا أظن بوجود علاقة قائمة، لأني في هذا العمل أتحدث عن تجربتي- وفق سياق تاريخي واجتماعي- في الغربة التي مررت بها في إسبانيا بلاد” الكيخوطي”. وقد أكسبني العمل هنالك في الحقول والمقاهي والمجازر وقطاع النظافة ، الكثير من الحياة و التجارب والعلاقات المتنوعة، خاصة مع النساء اللاتي كنت ألتقي بهن في سياقات وظروف مختلفة. وللحقيقة والتاريخ، فإن روايتي لا تحتفي بالنساء فحسب، ولكنها تحتفل أيضا بالفضاء بمعناه الجديد كذا بالأزمنة وببعض الأحلام والأوجاع التي يشعر بها المهاجر البعيد عن وطنه، وكذا باليومي الذي كان يعيشني وما يرافقه من قهر وشعور بالهامش بأسئلة أخرى متنوعة. المهم إن” نسائي الجميلات”رواية تسعى أن تكون مختلفة من حيث المبنى والمعنى والاشتغال .

– بدأت مشوارك الإبداعي بالشعر مرورا بالقصة القصيرة ثم الرواية، هل هل الأمر يتعلق بتدرج ما يخص الكتابة؟

تجربتي مع الشعر كانت قصيرة للغاية، لأني اكتشفت – ذات مرة- أني غير قادر على ارتقاء سلمه. ولهذا وجدتني أدخل غمار تجربة الكتابة القصصية من دون أن أجد أية صعوبات تذكر. ويبدو أني استفذت كثيرا مما تراكم لدي من قراءات للسرد و للشعر المغربي والعربي والإسباني، فكنت أستعين-بشكل آلي- بما يوفره هذا الأخير – أي الشعر- من إمكانات فنية وتقنيات في كتابتي القصصية، من دون أن أنسى انفتاحي المبكر على السرد الإنساني بمختلف تلاوينه.

إن السفر أو الانتقال بين الأجناس لا يخضع بالضرورة للتدرج كما يذهب إلى ذلك البعض، وإنما يخضع- في نظري- لقدرات وكفايات الكاتب على الخوض في بعض الأجناس الأدبية مع معرفة الخصائص النوعية لكل جنس على حده . إن هذا الشعور لا يمكنه أن يتحقق إلا من خلال الوعي بالحدود القائمة بين الأجناس، وكذا الاستماع لنداء داخلي يشعر به الكاتب لوحده في زمن ما. ومن خلال تجربتي، فإنه من غير الممكن الحديث عن تدرج بالمعنى الكامل، بل الأمر يتعلق بمجرد محاولات لا غير.

– حصل عدد من أدباء الشمال على عدة جوائز، خاصة جائزة اتحاد كتاب المغرب للكتاب الشباب ، هل لمنطقة الشمال خصوصية أدبية معينة، خاصة أنك تنتمي بدورك إلى هذه المنطقة؟ كما أنك أشرفت وقدمت سابقا لكتاب بعنوان “أصوات من الشمال” الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة بمصر.

منطقة شمال المغرب من المناطق الاستراتيجية والحيوية التي يزخربها المغرب. وليس بخاف ما قدمته من منجزات واضحة في مجال الثقافة المغربية ككل. وبإمكانك العودة إلى كتب التاريخ وتاريخ الأدب المغربي وكذا المخطوطات، إضافة إلى كتب متفرقة أخرى، للوقوف بين يدي هذه المنجزات التي تكاد تشمل حقول معرفية وأدبية شتى. ويكفي الإشارة في هذا السياق إلى:” التهامي الوزاني” ، وكذا إلى “محمد الخمار الكنوني ” و “محمد شكري” و”أحمد عبد لسلام البقالي”و محمد الصباغ ” و”عبد القادر الشاوي”، إلى غيرها من باقي الأسماء الوازنة الأخرى التي ارتقت بالكتابة المغربية.

لقد ظل هذا الإشعاع يسود مناخ الثقافة المغربية حتى الوقت الراهن. ولذلك، لا غرابة أن تذهب بعض الجوائز إلى شمال المغرب.

– قدمتم إلى مجال القصة القصيرة من فضاء الشعر الذي هجرته سريعا، هل تحن إلى الشعر الآن، أم إنك تجده يتسلل إلى قصصك؟

الشعر “روشتة” الحياة، فبدونه لا يمكن العيش والإحساس بالجمال والمتعة. ولهذا لا يمكن للحظة من لحظات يومي أن تمر من غير أن أمر معها على درب من دروب الشعر سواء بالعربية أو بالإسبانية، ومن حسن الصدف أني أقرأ الآن بالإسبانية ديوان “حلم فراشة زرقاء” للشاعرة الأندلسية “eva pilar Moreno”، وهو ديوان يجلب السعادة لي أثناء القراءة. وبهذا المعنى فأنا لا أشتاق إلى الشعر لأنه يعيشني ويلازمني مثلما أعيشه وألازمه. إن هذا التلازم من الطبيعي أن يمتد إلى جميع سلوكاتي اليومية وكذا كتاباتي، خاصة القصصية منها. إن القصة القصيرة خاصة منها القصيرة جدا، ينبغي أن تستفيد من الشعر وتستثمر كل الإمكانات التي يوفرها لها، وليس في الأمر أية خطورة، إذا كانت القصة “قصة شعرية ” لأنها في المرجعيات النقدية الغربية جنس سردي نثري يستثمر من الشعر بعض الآليات الفنية في البناء”.

– يلاحظ أنك تنشغل بالنقد ، وقد راكمت- إلى حدود الساعة- جانبا مهما من الدرسات النقدية، في أي إطار يأتي انشغالك بالنقد ؟

صحيح لدي اهتمامات متواضعة بالنقد. فإلى جانب كوني أكتب القصة، فإني أيضا أواكب بعض الأعمال الإبداعية المغربية والعربية بالقراءة و النقد، وذلك من خلال القراءات المتواضعة التي تنشر لي- بين فينة وأخرى- في بعض الصحف والمجلات المغربية والعربية. ولا يخفى أن هذه القراءات ببساطتها، من شأنها أن تيسر لي سبل التعرف والاقتراب من بعض المكونات النصية للنص الإبداعي، وكذا آليات اشتغاله وجمالياته.

لكن ينبغي على المبدع كي يحقق النجاح في مسيرته كتابته أن يكون ملما ببعض خلاصات النظرية النقدية، لأنها من شأنها أن تساعده على كتابة نص إبداعي في مستوى الرهان.

وعموما يمكن القول،إن انشغالاتي النقدية تدخل في إطار التعريف بجملة من المتون الإبداعية المختلفة والمتنوعة التي أتجاوب معها لدى القارىء، وكذا السعى إلى إضفاء بعض الأسئلة النقدية على المشهد النقدي المغربي، وتحريك مياهه.

* جريدة الخبر المغربية .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع