أخر تحديث : الخميس 7 نوفمبر 2013 - 8:58 صباحًا

العاقل: “رماد هسبريس” ساعدني باستلهام الروح الفنيَّة للخمار الكنونِي

عبد الصمد الراجي | بتاريخ 7 نوفمبر, 2013 | قراءة

اعتبر الممثل المغربي أنس العاقل، الذي شخص دور الشاعر المغربي محمد الخمار الكنوني، صاحب ديوان “رماد هسبريس” في فيلم “القمر الأحمر” للمخرج حسن بنجلون، والذي يتحدث عن السيرة الذاتية للملحن عبد السلام عامر، أن لعب دور شخصية شاعر في السينما المغربية، ونوعية هذه الأعمال السينمائية التي تقدم السير الذاتية رهانا صعبا، وأنها ليست بنفس قدر جماهيرية الدراما الاجتماعية لكنها يمكن أن تحقق إقبالا كبيرا إذا ما كانت تحمل قيمة فنية عالية.

ويرى العاقل في حواره مع “هسبريس” أنه لا يمكن أن تكون في المغرب قاعدة فنية بدون تربية جمالية، مرجعا ذالك إلى المدرسة المغربية التي تغيب فيها التربية الفنية، وأن عينة كبيرة من المغاربة ليست لديهم حاجة لاستهلاك الفن، كما أكد العاقل في ذات الحوار، بأننا نملك الطاقات الفنية المتميزة في مختلف المجالات وينقص فقط حسن تدبيرها.

أنس العاقل، فنان أكاديمي يجسد شخصية أكاديمية معروفة للشاعر المغربي الكبير الراحل “محمد الخمار الكنوني”، أحد أيقونات الشعر المغربي المعاصر، وذلك في فيلم حسن بنجلون “القمر الأحمر”.

بداية، كيف جاء اختيارك لهذه الشخصية ؟

لقد اتصل بي المخرج “حسن بن جلون” أثناء مشاركتي في سلسلة تلفزيونية أمريكية بورزازات ليعرض علي الاشتغال معه في فيلم “القمر الأحمر”، وبحكم معرفتي بطريقة اشتغاله وثقتي في اختياراته الجمالية والفنية وافقت بدون أن أعرف أية تفاصيل بخصوص العمل. لكنني عندما قرأت السيناريو، أدركت أنني بصدد شخصية صعبة، فأن تقدم شخصية شاعر في السينما المغربية وتلقي قصائد شعرية باللغة العربية الفصحى، وتجعل المشاهد يحس بمصداقية أدائك وعفويته بدون تكلف يظل رهانا صعبا، لكنني قبلته لأنه يشكل مغامرة فنية جديدة بإمكانها أن تجعلني أكتشف جزءا آخر من شخصيتي الفنية.

هل لك أن تتحدث لنا عن دورك في الفيلم كونك تلعب دوراً مهماً يشد الأحداث؟

أشخص دور الشاعر المغربي “محمد الخمار الكنوني” صديق الملحن “عبد السلام عامر”، مبدع أغنيتي “راحلة” و”القمر الأحمر”، ورفيق تجربته الفنية منذ الطفولة حتى مرحلة سفره إلى مصر، إنهما يحاولان معا إثبات ذاتهما الفنية فيعيشان نفس التجارب ويتجاوزان نفس المصاعب، ويعبر عن ذلك الشاعر “محمد الخمار الكنوني” شعريا، بينما يعبر عنها الملحن “عبد السلام عامر” موسيقيا، وفي بعض الأحيان تشتد المنافسة بينهما حول من الذي يمنح الأغنية قوتها، جمالية الكلمة الشعرية أم انسيابية اللحن وعذوبته.

ما هي انطباعاتك عن فكرة العمل، وطريقة إخراجه، وما هي الأسباب التي دفعت بنجلون لأن يسند إليك هذا الدور؟

لقد سبق أن اشتغلت مع المخرج “حسن بن جلون” في فيلم “فين ماشي يا موشي” والذي شخصت فيه دور”دافيد”، ويبدو أن طريقة تشخيصي لهذا الدور جعلته يفكر في إسناد دور الشاعر إلي.

وأود أن أشير إلى أن هذه النوعية من الأعمال السينمائية التي تقدم السير الذاتية تظل رهانا صعبا بالنسبة لكل مخرج، حيث يتداخل فيها الجانب الفني والتاريخي، ويلزم للمخرج أن يقدم جوانب من حياة الشخصية بدون أن يسقط في التقريرية، كما يلزمه أيضا إضفاء لمسته الفنية بدون أن يشوه ملامح الشخصية أو أن يستسلم لجموح خياله الإبداعي.

أليس لكونك جمعت بين الفن والبحث الأكاديمي، وجدت سهولة في تجسيد شخصية الخمار الكنوني؟

لم يكن الأمر سهلا على الإطلاق، فالأمر يتعلق بشخصية معاصرة وحقيقية، بمعنى أن العمل سيشاهد من طرف عائلة الشاعر ومعارفه، وطلبته في الجامعة، وجمهور الشعراء، وكلهم يعرفونه حق المعرفة، ويمكنهم المقارنة بين طريقة أدائي وبين شخصيته الحقيقية.

إذا أين تكمن صعوبة تأدية الدور؟

تكمن الصعوبة في عدم توفر وثائق سمعية بصرية تسمح لي بمعرفة طريقة تحركه وتصرفه، لذلك اكتفيت بما حكا لي عنه بعض أقاربه، كما أخذت فكرة عنه انطلاقا من قراءتي لديوانه “رماد هسبريس”، فحاولت أن أستلهم روحه الفنية، ولقد بدا لي من خلال تجربته الشعرية بأنه يحاول الانعتاق من تقاليد القصيدة، وهذه الرغبة في الانعتاق ترجمة لروح تغرد خارج الإجماع وتملك تصورا فريدا للحياة والوجود. كما اطلعت أيضا على بعض صوره الخاصة وحاولت اكتشاف بعض الجوانب من شخصيته فقط من خلال شكله، ونظرته، وطريقة تصفيفه لشعره…

في ديوان” رماد هسبريس” طرح الشاعر محمد الخمار الكنوني أسئلة فكرية وصور جمالية عدة.. هل توفقت من خلال تجسيدك لشخصية الشاعر تقريب المشاهد لهذا العمل من هذه الخفايا الجمالية التي عبر عنها الشاعر في كتاباته الشعرية؟

لقد لمست في ديوان “رماد هسبريس” أسئلة وجودية تؤرق الشاعر وتتعلق بجدوى الحياة، وتتميز قصائده بالجمع بين الطابع الرومانسي المتمثل في الرغبة في الانعتاق من المجتمع والطابع الصوفي المتمثل في استحضاره لفكرة الموت. ففي قصيدته قراءة في شواهد القباب والتي استوحاها من مقبرة “القباب”

أكبر مقابر مدينة فاس، نجده يستحضر فكرة الموت والعالم الآخر فيعقد حوارا مع الموتى:

“دمعاً وسلاماً للموتى إذ تخضرُّ الدمنُ، المرعَى

ويعود إلى الأسوارِ

إلى الثُّقَب الخطَّافُ

يطيرُ غماماً من ريشٍ وزعيقٍ

بين الأوجهِ حتى نحذرَ، نسألَ: أين يكونُ شتاءَ ؟

دمعاً (هل كان شتاءُ العامِ دفيئا؟

أو كان النبتُ الطالعُ في الأجداثِ أليما؟

قد هبّتْ ريحُ قيامتكمْ

تتحدّى الموتَ وعادتْ

فاندحرتْ أصواتكمُ اندثرتْ

في البعدِ بعيدا..)

ولقد حاولت أن أقدم هذا العمق الموجود في شخصيته داخل الشريط السينمائي، كما قدمت جانبا آخر من شخصيته يتمثل في عنفوانه وحسه الثوري في مرحلة شبابه. وخلال هذه المرحلة سيشهد قصة حب صديقه الموسيقي “عبد السلام عامر” لـ”زهرة” وسيعبر عن ذلك شعريا عبر قصيدتي “حبيبتي” و”آخر آه” اللتان لحنهما عبد السلام عامر ولقيتا نجاحا منقطع النظير، بعد أن غناهما “المطرب “عبد الوهاب الدكالي” وساهمتا في صعود أسهمه الفنية.

أديت مجموعة من الأدوار الدرامية في المسرح والتلفزيون والسينما واعتقد انك راكمت تجربة من خلال جس نبض الجمهور المغربي وميولاته لهذا النوع من الأعمال وإحجامه عن أخرى. كيف ترى تقبل الجهور المغربي لهذا النوع من الأعمال الفنية، اقصد هنا تجسيد شخصية شاعر وثقافتنا المغربية لهذه الأعمال متواضعة جدا؟

أعتقد بأن طريقة تقديم هذه النوعية من الأعمال هي التي تساهم في تقبلها أو رفضها من طرف الجمهور، فعندما نكتب شخصية شاعر في إطار حبكة متماسكة، وعندما يتم تقديمها بحرفية عالية وعمق فني فالمتفرج يقبل عليها، بدليل نجاح مسلسل في “حضرة الغياب”الذي يحكي السيرة الذاتية للشاعر الفلسطيني محمود درويش، حيث تابعه العديد من المتفرجين المغاربة على القنوات الفضائية وشبكة الانترنت. أكيد، أن هذه النوعية من الأعمال ليست بنفس قدر جماهيرية الدراما الاجتماعية لكنها يمكن أن تحقق إقبالا كبيرا إذا ما كانت تحمل قيمة فنية عالية، فهي تحقق للمتفرج اللذة المعرفية والجمالية في نفس الآن.

هل تعتقد أن ما تزال لدى الشعب المغربي، قاعدة فنية، يمكن له الاستناد عليها؟

لا يمكن أن تكون لدينا قاعدة فنية بدون تربية جمالية، وهذه مسؤولية المدرسة المغربية التي تغيب فيها التربية الفنية، والتي يمكنها أن تجعل من المدرسة فضاءً للإبداع والابتكار وصناعة النخب. للأسف، مدرستنا تنتج أجيالا تستطيع أن تتعايش مع القبح وأن تقبل به، ويمكنك أن تلمس ذلك على مستوى الفضاء العام، حيث تتجاور كتل الإسمنت المسلح وصناديق السكن بدون أن تتخللها مساحات خضراء أو فضاءات فنية، وبدون أن نلمس حاجة لذلك عند المواطنين المغاربة. إن عينة كبيرة من المغاربة ليست لديهم حاجة لاستهلاك الفن، وتتساوى في ذلك الطبقات الفقيرة والميسورة، فالمغربي قد يقضي طيلة حياته بدون أن يشاهد مسرحية أو شريطا سينمائيا، أو أن يحضر معرضا فنيا، كما لو أن الإنسان يحيا بالخبز فقط. أكيد أن الشعوب تعيش بالخبز، لكن الفن هو الذي يعطيها إرادة الحياة، لأنه محفز لإرادة القوة.

لو سألناك عن القطاع الفني المغربي ككل هل تعتقد أن لدينا قطاعا مغربيا فنيا يمكننا الاعتماد عليه في الوقت الحاضر ومستقبلا؟

أؤكد لك بأننا نملك الطاقات الفنية المتميزة في مختلف المجالات وينقصنا فقط حسن تدبيرها، كما ينقصنا أيضا تشجيع الاستثمار في المجال الفني، وخلق شروط صناعة فنية متكاملة، ومواكبتها إعلاميا ونقديا.

في النهاية، ما هي توقعات الفنان العاقل لمستقبل الفن المغربي وتطوره؟

لقد بدأ الوعي في السنين الأخيرة بأهمية الفن وقدرته على تشكيل الوعي الجمعي وترسيخ الهوية، ويظهر ذلك من خلال دسترة الفن والثقافة” كما يتجلى أيضا من خلال إبداء المؤسسة الملكية اهتمامها بالفنانين في مجموعة من المناسبات، وفي ذلك إشارة منها إلى أهمية الفنان ودوره داخل المجتمع. لكن المستقبل يتطلب نهج سياسة عمومية تدمج الفن في منظومتها، فالرهان على المسرح والتلفزيون والسينما رهان على المواطنة والارتباط بالوطن، لأنه يجعلنا نتوقف عن الانبهار بصور الآخرين والتماهي معها. والشعوب التي لا تصنع صورتها تعيش هجرة غير شرعية في صور الآخرين وأحلامهم، فتنسلخ عن مجتمعاتها وتفقد كل ارتباط يربطها بها. إن الشعوب التي لا تنتج صورا تستطيع من خلالها أن ترى نفسها بطريقة تشريحية ودقيقة هي شعوب ميتة مع وقف التنفيذ.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع