أخر تحديث : الإثنين 3 نوفمبر 2014 - 12:20 مساءً

مصطفى يعلى: الجمعيات الثقافية في الهامش أكثر فاعلية من المؤسسات الرسمية

سناء بلحور* | بتاريخ 31 أكتوبر, 2014 | قراءة

أكد الدكتور مصطفى يعلى أن قدرة استجابة القصة القصيرة لروح العصر شديد السرعة، خاصة أن هذا العصر يتسم بتعقد وضياع الإنسان، إضافة إلى دخول الكتابة الإلكترونية على الخط، في الحواسيب والإنترنيت، وازدياد ضمور رقعة قراء الكتاب الورقي.

واعتبر أحد أعمدة الكتابة القصصية في المغرب، أنه من المتوقع أن تستعيد القصة القصيرة مكانتها مغربياً ومشرقياً، وربما عالمياً، وفق ما يتأكد من منح جائزة نوبل للآداب للقصة القصيرة، برسم سنة 2013، اعترافاً باستمرارها في معالجة قضايا الإنسان، وببلاغة جمالية عالية.

والمحاوَر صاحب تجربة ثقافية من طراز خاص. وبالرغم من اشتغاله في السلك الثالث من التعليم العالي في جامعة ابن طفيل، لم يتراخ ولاؤه للقصة وصار البحث العلمي شاغله الأثير. أغنى الخزانة المغربية والعربية بمجموعة من الكتب النقدية الوازنة. نذكر منها “السرد ذاكرة”، “القصص الشعبي: قضايا وإشكالات”، “ظاهرة المحلية في السرد المغربي” وغيرها من الكتب النقدية، إلى جانب إبداعاته القصصية القيمة” أنياب طويلة في وجه المدينة”، دائرة الكسوف”، ” لحظة الصفر”، “شرخ كالعنكبوت” وغيرها.

عن واقع القصة القصيرة والمؤسسات الثقافية، وقضايا أخرى، يأتي هذا الحوار.

* من موقعكم كباحث ومبدع، كيف تعرفون القصة؟

– وللإجابة على هذا السؤال الأزلي، أقول: من الصعب تحديد تعريف قار للقصة القصيرة؛ فرغم المحاولات المتوالية منذ إدغار آلان بو في القرن التاسع عشر، إلى الآن لم يتم وضع تعريف نهائي لها متفق عليه. فقد حددها بعضهم من حيث المساحة، في عدد الكلمات، أو في عدد الصفحات، وغيرهم حددها زمنياً، تقرأ في جلسة واحدة، أو في ساعة أو ساعتين، فضلاً عمن حددوها شكلياً، فجعلوا حبكتها تتكون من بناء هرمي ينطلق من مقدمة نحو الذروة، ثم تأخذ العقدة في النزول نحو لحظة التنوير، حيث المفاجأة غير المنتظرة. لكنها قطعاً، تستعصي على الانضباط لتعريف قار جامع مانع، مثلها مثل الرواية والشعر، اللذين تشترك معهما في عدد من المكونات.

ومع ذلك، فأكيد أنني أنطلق في كتابة القصة القصيرة، من تصور ما، مادامت تعتبر خطاباً مخصوصاً، له مكوناته وآلياته المميزة له عن غيره. فالقصة القصيرة في فهمي، هي التي تقنعني بواسطة أدبياتها وبلاغتها التخييلية، بكونها قصة قصيرة حقا؛ أي باعتبارها نوعاً سرديا تخييلياً مشروطاً بمواصفات تعبيرية قابلة للتكيف والتأثر بمختلف التطورات والإحداثيات التي يأتي بها العصر. إضافة إلى أنها مخلصة لطبيعتها، حيث تتميز كل مكوناتها بالقصر الفعلي زمناً وفضاء وشخصية وحدثا وموقفاً.

* ما هو مستقبل الكتابة القصصية في المغرب والعالم العربي؟

– إن قدرة استجابة القصة القصيرة لروح العصر شديد السرعة، وما أصبح يتسم به من تعقد وتشعب وضياع الإنسان، إضافة إلى دخول الكتابة الإلكترونية على الخط، في الحواسيب والإنترنيت، وازدياد ضمور رقعة قراء الكتاب الورقي؛ فمن المتوقع أن تستعيد القصة القصيرة مكانتها مغربياً ومشرقياً، إن لم أقل عالمياً، وفق ما يتأكد من منح جائزة نوبل للآداب للقصة القصيرة، برسم سنة 2013، اعترافاً باستمرارها في معالجة قضايا الإنسان، وببلاغة جمالية عالية. فبهذا الوعي، أرى أن المستقبل للقصة القصيرة، ولأختها الصغرى القصة القصيرة جدّاً. بدليل هذا الإقبال الشاسع على كتابتهما وقراءتهما من لدن الجيل الجديد.

* تطرقتم في العديد من كتاباتكم عن السرد الشعبي، إلى الحكاية الشعبية. إلى أي مدى يمكن اعتبارها مرجعا أساسيا في الكتابة القصصية على الخصوص، والأدب الإنساني عموماً؟

– أولا، يجب التسليم بالقيمة الإبداعية للقصص الشعبي؛ فهو مثل باقي الأجناس الأدبية الشعبية الأخرى، يعد من أقدم الآداب الإنسانية وأغناها. كما أنه مبني على أشكال فنية دقيقة، ذات عناصر جمالية وقوانين محددة ومضبوطة؛ فهو مستودع خصائص الشعوب القديمة، ومجلى تفكيرها ومعتقداتها، ومحط عبقريتها التخييلية، مما أدخله ضمن دائرة اهتمام علماء النفس، والاجتماع، واللغة، والأنثروبولوجيا وغيرهم. وبكلمة واحدة، هو بجانب الأدب الرسمي يقدم الوجه الثاني لعملة الأدب الإنساني.

وثانياً، لقد اعتبر السرد الشعبي رافداً مثرياًلكل أجناس الأدب الإنساني عامة، والقصصي خاصة. وفي حين أبدى بعض كبار الكتاب العالميين إعجابهم بهذا الأدب وتحمسوا له، استلهمه آخرون غيرهم في صوغ عدد من أعمالهم الإبداعية، بينما أعاد بعضهم صياغة نصوصه القصصية بأسلوبهم الخاص. ولعل أهم مثال يجسد مدى الاستفادة من الإرث الشعبي، ما اجترحه الكاتب الجواتيمالي أغوستو مونتيروسو في قصصه القصيرة جدا، من محاكاة ساخرة واستنساخ وتناص مع الحكاية الخرافية، الواردة على لسان الحيوانات وباقي كائنات الطبيعة، شكلا ومضمونا، لولا توجيهه البعد الرمزي نحو أهداف معاصرة، اعتمادا على المفارقة والسخرية المستفزة.

*بحكم تجربتكم الواسعة في مجال التعليم العالي، ما تقييمكم لواقع الجامعة المغربية؟

-للأسف، وضع الجامعة المغربية، وخصوصاً كليات الإنسانيات، يتردى يوما بعد يوم. والمفارقة كبيرة بين وضعها في السبعينيات والثمانينيات، ووضعها راهنا، فقد كان حالها  أحسن، من حيث نظام التسيير ونوعية التأطير ونتائج التحصيل ووضوح آفاق المستقبل. أما الآن، فلا التسيير تسيير، ولا التأطير كفؤ وكاف، ولا العطاء منتج ونوعي، إلى جانب غموض مستقبل جامعتنا. طبعا، هناك استثناءات دائماً. والمؤسف أيضاً أن كل مشاريع الإصلاح الكثيرة المتوالية، المطبقة في السنوات القليلة الماضية، قد فشلت فشلاً ذريعاً، رغم الميزانيات الضخمة التي رصدت لها.

*راكمتم كماً كبيرًا من التجربة الفكرية والأدبية، يمكنكم من تأسيس رؤية عن الجامعة والتعليم العالي. ألا تحدثون قراءكم ومتابعيكم عن هذه الرؤية، لواقع البحث العلمي في الجامعة المغربية؟. هل هو بخير؟ وما هي الآليات التي ترونها مناسبة لدعمه وتطويره مستقبلا، وجعله مسايرا للشرط المجتمعي والثقافي والفكري؟

-البحث العلمي عندنا ليس بخير، ولا يمكن أن يكون لدينا حوالي خمس عشرة جامعة أو أكثر، بينما لا تعكس فاعليتها منتوجاً علمياً لافتا بجدارته وثرائه وتعدده، وأبحاثاً معمقة تضيف الجديد المبتكر في جميع التخصصات. فكيف نقبل أن يكون لدينا آلاف الأساتذة الباحثين، بينما إشعاع جامعتنا العلمي والثقافي باهت إلى أدنى مستوى؟. وطبعاً، لا عبرة هنا بالاجتهادات الفردية الخاصة، لدى بعض الأساتذة الباحثين الأصلاء، فالقلة لا يقاس عليها. وللتأكد من المستوى العلمي المتردي لجامعاتنا، تذكري اللوائح السنوية العالمية، الخاصة بترتيب الجامعات، من حيث درجة البحث ونوعية الإنجاز، وسترين ألاّ وجود لأي من جامعاتنا فيها، فهي خارج الترتيب باستمرار.

وفي نظري، إن أي إصلاح من شأنه أن يطور الجامعة إلى ما هو أحسن، لا بد وأن ينطلق من القاعدة؛ أي من الأستاذ والشعبة والمسالك، مروراً بالمختبرات ومركز الدكتوراه ومجلس الكلية، وانتهاء بمجلس الجامعة، قبل أن ينتقل إلى الوزارة المعنية، فإلى اللجنة الوطنية للإصلاح. وليس العكس، كما كان يحدث دوماً، إذ تدلّى الإصلاحات جاهزة من فوق، بإشراف من لا علاقة لهم بالممارسة التربوية داخل الجامعة، ويجهلون واقعها تماماً، فتهدر الميزانيات المخصصة لذلك دون جدوى تذكر، بل إن بعض ما سمي إصلاحاً مؤخراً، قد تسبب في ارتباك الجامعة على كل المستويات، وفي مقدمتها مردودية التكوين.

ولدعم البحث العلمي وتشجيعه، حتى يؤدي مهمته على صورة مرضية، أرى وجوب توفير الظروف الموالية:

ـ العمل على طبع ونشر الرسائل الجامعية الممتازة، النائمة في أرشيفات مختلف الكليات، منذ سنوات.

ـ تقديم المساعدات لمستحقيها من الباحثين الجادين، وتوفير البنية التحية الحقيقية اللازمة، من أجل إنجاز مشاريعهم البحثية، والاستفادة منها.

ـ تبادل زيارات الباحثين مع زملائهم من الجامعات الأجنبية المتقدمة في البحث الجامعي علمياً وإنسانياً، وذلك من أجل استيعاب الخبرات، والاستفادة المعرفية.

ـ إقامة المختبرات العلمية من طرف بعض الشركات الكبرى بالمدن الصناعية ضمن فضاءاتها، وفق ما عند غيرنا في البلاد المتقدمة.

ـ ضرورة توفير المكتبات الغنية والعامرة بالمصادر المستجيبة بمرجعياتها لكل التخصصات والمستويات، داخل جميع الكليات.

ـ إعطاء الأهمية القصوى لحصيلة البحث العلمي، في ملفات ترقية الأساتذة داخل اللجان العلمية.

ـ  تنظيم دورات إعادة التكوين للأطر الجامعية، بين الحين والآخر، من أجل التطوير والمتابعة والتجديد.

ـ تشجيع الطلبة اللامعين في البحث العلمي، بكل الإمكانيات، استثماراً للعنصر البشري المستقبلي.

ـ إقامة الأنشطة العلمية والثقافية الموازية، من مجلة دورية علمية رصينة، ومؤتمرات وندوات وموائد مستديرة، لتبادل المعرفة والرأي، وامتداد إشعاع الجامعة.

كل هذا لا يتحقق، إلا إذا توفرت الإرادات الحسنة، وكذا الإحساس بالمسؤولية المصيرية.

*مؤخراً وخلال حفل تأبين الراحل الدكتور عبد الرحيم مؤذن، حرّرتم كلمة مؤثرة، هل من رسالة يمكن تمريرها إلى المؤسسات الثقافية؟

-أولاً، رحم الله الفقيد عبد الرحيم مؤذن. من المؤسف أن المؤسسات الثقافية في المغرب، لا تلعب دورها المطلوب كما يجب. فهي انعكاس كاريكاتوري للعقلية العشائرية السائدة في مختلف القطاعات الأخرى سياسية واقتصادية واجتماعية. والمسؤولون عليها والمسيرون لدواليبها، غالبا ما تكون الثقافة هي آخر همهم. لهذا، فوجودها وعدمه سيان. انظري إلى ما حل بدعم الكتاب والمجلة بالنسبة لوزارة الثقافة مثلا، خلال تحمل عدد من الوزراء المتأخرين لمسؤوليتها، وستتأكدين من طبيعة مستوى التعامل مع الثقافة في البلد. إن الجمعيات الثقافية في المدن المهمشة، أكثر فاعلية منها، في تنشيط الفعل الثقافي بالمغرب، كما هو ملحوظ. لهذا لا مصداقية لمواسم ومهرجانات ومنتوج تلك المؤسسات، الموصوفة ظلماً بكونها ثقافية. إلا في إطار جد نسبي، رغم إمكاناتها المعتبرة.

وبمناسبة وفاة الراحل عبد الرحيم مؤذن، ينبغي التذكير بضرورة العناية المادية والصحية والاعتبارية بالأدباء والمثقفين، بوصفهم ثروة حضارية وطنيا وعربياً وإنسانياً. دون إدخال حس الربح والخسارة، على شاكلة تفكير التجار الجشعين. خصوصاً وأنهم لا يكلفون الدولة في تكوين شخصيتهم الأدبية والفكرية؛ أي تكلفة مادية تذكر، رغم أنها لطالما جنت على ظهورهم كثيراً من الربح المعنوي والسياسي والمادي.

* أجرت الحوار سناء بلحور و نشر على موقع ذوات

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع