أخر تحديث : الثلاثاء 19 يوليو 2016 - 8:24 مساءً

مصطفى الغرافي: الناقد الذي لا يستحضر المتلقي سيكون مصيره العزلة وعزوف القراء

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 19 يوليو, 2016 | قراءة

www.ksarforum.com_photos_writers_mustapha_gharafi

دمشق ـ من وحيد تاجا
أكد الباحث والناقد المغربي الدكتور مصطفى الغرافي انه ينبغي للثقافة أن تكون مثل النور الذي يتعدى صاحبه لينير ما حوله. وحول المشهد الثقافي في المغرب أوضح أن أبرز الأسئلة التي تثيرها ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب تتعلق بمصير المشروع الجمالي الذي بلوره شعراء الحداثة انطلاقا من رؤية تحديثية تستند إلى وعي جمالي خاص يرفض الجاهز ويعادي التقليد. ورأى ان: الرواية استطاعت فرض سيادتها لأنها استجابت لانتظارات القراء واستطاعت أن تشبع حاجاتهم الجمالية والثقافية. مما جعلها بحق ملحمة العصر الحديث. مؤكدا ان الناقد الذي لا يستحضر المتلقي سيكون مصيره العزلة وعزوف القراء. ويذكر ان مصطفى الغرافي من مواليد القصر الكبير- المغرب سنة 1978 م شاعر وباحث في البلاغة وتحليل الخطاب . صدر له كتاب بعنوان “البلاغة والإيديولوجيا” ..دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة”. فاز ضمن اللائحة الطويلة لـ جائزة الشيخ زايد للكتاب. نشر ديوانا شعريا يحمل عنوان “تغريبة”.

* بداية، ما هي وظيفة الثقافة اليوم في تصوركم..؟
** ترتبط الثقافة، في تصوري، بالمجتمع الذي تنبثق منه وتتفاعل معه ارتباطا وثيقا. ومن هنا لم يعد مقبولا اليوم من المثقف أن ينعزل في برج عاجي يتفرج على تيار الحياة وهي تجري أمامه. مطلوب من مثقف اليوم أن ينشغل بقضايا أمته ومصير مجتمعه وأن يسهم في تطوير المجتمع وتغييره نحو الأفضل. إذ يدين المثقف للمجتمع الذي علمه ومطلوب منه أن يرد هذا الدين بأن يلتزم بتثقيف المجتمع وتنوير الفئات التي لم تتح لها الفرصة لتحصيل نصيبه من التعلم والمعرفة. ولذلك أعتبر أن الثقافة التزام تجاه المجتمع ولا أتصور ثقافة منعزلة عن الحياة، لأن هذا الأمر لو حصل سيكون دليلا على انحسار دور المثقف وانسحابه من مسرح الحياة. مما يجعل الثقافة تغدو بريقا خادعا لا روح فيه ولا فائدة منه. الثقافة، إذا هي لم تتحول إلى نور غامر يساعد على انكشاف الحق وكشف الزيف، تصبح هي والجهل سواء. الثقافة مسؤولية. وإذا هي لم تترجم إلى سلوك يراه الناس ويلمسون أثره في واقعهم المعيش لا قيمة لها. فهي في هذه الحال لا تعدو أن تكون مجرد معلومات تثقل رأس حاملها وليس لها من جدوى أو فائدة. ينبغي للثقافة أن تكون مثل النور الذي يتعدى صاحبه لينير ما حوله. ولذلك ليس للثقافة أهمية في ذاتها ولكنها تستمد قيمتها من دورها ووظيفتها. انطلاقا من هذا الرأي يمكننا القول إن المسألة الثقافية مشروطة بالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ فالوضع القلق الذي تعيشه الثقافة العربية اليوم يختزل في كثير من جوانبه قلق الوعي العربي الذي ما زال يطرح أسئلة الهوية والآخر والتراث والتحديث في ظل بنيات هشة لا تساعد على تحقيق النهوض الحضاري المنشود. ولذلك ينبغي النظر إلى “المأزق” الذي تتخبط فيه الثقافة العربية نظرة شمولية تعتبر تخلفنا الثقافي جزءا من أزمة عامة هي أزمة مجتمع وأن حل أزمة الثقافة مرهون بحل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تخيم على المجتمع المغربي. وما من شك أن النهوض بالوضع الثقافي يمثل مدخلا ملائما لتحقيق النهضة الحضارية والتحول الاجتماعي المرتقب.

* ماذا عن المشهد الشعري في المغرب، وهل صحيح أن المعركة حسمت جماليا لصالح قصيدة النثر..؟
** تتعلق أبرز الأسئلة التي تثيرها ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب بمصير المشروع الجمالي الذي بلوره شعراء الحداثة في سياق المساعي التي توخت تجديد القصيدة العربية وتطويرها عبر زمرة من الإبدالات التي تم اقتراحها انطلاقا من رؤية تحديثية تستند إلى وعي جمالي خاص يرفض الجاهز ويعادي التقليد خاصة ما اتصل منه بالشكل الخارجي للقصيدة كما فرضته البحور الخليلية التي مثلت البنية الإيقاعية الأم للقصيدة العربية القديمة. إذ لم تعد الشاعرية تختص بشكل محدد ولكنها أضحت صفة لكل كلام توافرت له زمرة من الشروط تتيح له أن يرتفع من سياق التواصل الإخباري العادي إلى سياق التواصل الجمالي. مما يؤكد أن الإبداع الشعري لا يرتهن إلى شكل معين، ولكنه أفق مفتوح على أشكال عديدة ومتنوعة؛ فهو يتحقق في أنساق إيقاعية لا حصر لها منها ما يعتمد العروض الخليلي أو النسق التفعيلي أو النسق النثري وغيرها من أشكال التعبير الشعري مما اصطلح عليه ابن سينا بـ”الشعر المطلق” الذي لا يذعن لشكل ولا يتقيد بمظهر. إنه أفق مفتوح على التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة وتجلياتها المتعددة. وما من شك أن هذا التصور للعملية الإبداعية من شأنه أن يقود إلى تطوير تجربة الشعر العربي باعتبارها تجربة عابرة للعصور والقارات. إذ الشعر العربي بمختلف أشكاله وأنواعه، حسب هذا المنظور، تعبير عن فكرة الاتصال وليس تجسيدا لإرادة الانفصال.
لم تقتصر مطالب التجديد والتطوير على الشكل فقط، ولكنها شملت، بالإضافة إلى ذلك، الدعوة إلى مراجعة مفهوم الشعر ووظيفته. وقد تمخضت الحركة الشعرية الحديثة عن تصور خاص لحقيقة الإبداع الشعري يختلف تماما عن التصور الذي كان النقد العربي القديم قد بلوره بصدد مفهوم الشعر وطبيعته. إذ غدت الكتابة الشعرية دعوة مستمرة إلى التجاوز والتخطي من أجل إرساء أسس جديدة للإبداع الشعري تخالف الثوابت التي قامت عليها الشعرية العربية القديمة. وفي الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات الحداثية معلنة أن المعركة حسمت نهائيا لصالح الشعر الحديث بمختلف تنويعاته، يبدي بعض المبدعين وفاء منقطع النظير للقصيدة الخليلية التي أضحت بناء مهجورا لا يلم به إلا قلة قليلة ممن أصابتهم لوثة الشعر، لأنهم يرون أن الشاعرية لا تختص بشكل محدد ولكنها صفة لكل كلام توافرت له زمرة من الشروط تتيح له أن يرتفع من سياق التواصل الإخباري العادي إلى سياق التواصل الجمالي.

* كنا نلاحظ توجه معظم الشعراء العرب الحداثيين إلى الشعر الصوفي، لاسيما بعد محاولة ادونيس إحياء التراث الصوفي بشكل ما واستخدام مفرداته في القصيدة، .. ولكن اللافت أكثر هو توجه بعض الروائيين لإحياء التراث الصوفي واستخدامه في السرد.. ما رأيك بهذه الظاهرة وكيف نفهمها..؟
** لقد مثل التراث الصوفي رافدا مهما اتكأ عليه شعراء الحداثة من أجل تجديد وتطوير الكتابة الشعرية المعاصرة. إذ يندرج اعتناء الشعر العربي المعاصر بالتراث الصوفي ضمن الرغبة الملحة التي سكنت شعراء الحداثة وما فتئت تدفعهم إلى خوض مغامرة تجديد القصيدة العربية وتطوير وسائل الأداء الشعري. وقد ألفينا كتاب الرواية يلتفتون إلى التجربة الصوفية ويستثمرون الإمكانات الهائلة التي يفتحها أمامهم النص الصوفي من أجل تطوير الكتابة الروائية وتجديد أدواتها، حيث مثلت التجرية الصوفية بالنسبة إلى عدد من الروائيين أداة ملائمة للتعبير عن قضايا الذات والعصر. وما من شك أن استرفاد الطريقة التي اجترحها الصوفية في التعبير عن أشواق الذات إلى التحرر من أسر المادة ومعانقة الغيب قد أسهم في بروز كتابة روائية تستجيب لمطلب تحديث الكتابة الروائية وتطويعها للتعبير عن هموم الفرد ومشاغل العصر. وقد نجم عن ذلك جدل ناجح أساسه التفاعل والتلاقح بين التصوف باعتباره تجربة روحية تعنى بترسيخ قيم المحبة من أجل السمو بأخلاق الإنسان والارتقاء بذوقه ووجدانه وبين الكتابة الروائية بوصفها تمثيلا جماليا يتوخى تجسيد أشواق النفس الإنسانية إلى الترقي في مدارج الكمال. لقد أسهم الاستمداد من تجربة التصوف في خلق لغة روائية جديدة لا تروم وصف الأشياء ونقل الظواهر فقط، ولكنها تطمح إلى التغلغل في أعماق الوجود من أجل النفاذ إلى أسراره والكشف عن حقائقه. وهو ما يسمح لنا بالقول إن الكتابة الصوفية مثلت رافدا مهما من روافد تجديد الإبداع الروائي.

* كيف نفسر ذهاب بعض النقاد والفلاسفة والشعراء المغاربة إلى حقل الرواية، مثل عبدالله العروي وبنسالم حميش (الفلسفة) ، محمد عز الدين التازي و حمد المديني (النقد) .. محمد الأشعري وحسن نجمي (الشعر) ..وما انعكاس هذا على الرواية المغربية برأيك..؟
** الرأي عندي أن المقارنة بين أنواع الخطاب المختلفة على أساس تفاضلي محكومة بأن تكون جائرة وغير متكافئة، لأنها تتعارض مع التصور التاريخي والحضاري الذي ينظر إلى وسائل التعبير المختلفة باعتبارها استجابة جمالية للأسئلة التي يطرحها العصر. مما يجعل الأشكال الخطابية غير منفصلة عن طبيعة الوعي الجمالي السائد في الحقبة التاريخية التي أفرزتها. والحق أن أنواع الخطاب على اختلاف أشكالها وأصنافها تتكامل فيما بينها من أجل التعبير عن قيم العصر الذي أنتجها. ويترتب عن ذلك أن تصبح المفاضلة بين الصور التي يتخذها الخطاب غير مقبولة ولا مجدية، لأن العلاقة بين وسائل التعبير الإنساني المختلفة لا تتأسس على معيار المطابقة بقدر ما تنبني على مبدأ المغايرة. وبهذا الاعتبار تغدو جميع أنواع الخطاب مستحقة للوجود ما دامت تمتلك سمات بنائية وأسلوبية خاصة ومميزة. ومع ذلك أتفق معك أن الرواية فرضت هيمنة مطلقة على سائر أنواع الخطاب في الوقت الحالي لقدرتها الفائقة على تذويب سائر الأجناس وصهرها في “شكل جامع”. وقد استطاعت الرواية فرض سيادتها لأنها استجابت لانتظارات القراء واستطاعت أن تشبع حاجاتهم الجمالية والثقافية. مما جعلها بحق ملحمة العصر الحديث. ومن الطبيعي أن نعيش في الوقت الحالي هجرة جماعية إلى الرواية. إذ يكتبها المؤرخون (عبد الله العروي- أحمد التوفيق) والمفكرون (بنسالم حميش- بنسعيد العلوي) والشعراء (محمد الأشعري- حسن نجمي) ونقاد الأدب (حميد لحمداني- شكري المبخوت). لقد امتلكت الرواية سحرا لا يقاوم فأضحت مجالا للفتنة والغواية. ويمكن إرجاع الازدهار الذي تشهده الكتابة الروائية في الوقت الراهن إلى الاهتمام الكبير الذي تحوزه على صعيد القراءة والتلقي. إذ تحظى الرواية بانتشار واسع في صفوف القراء، لأن التخييل السردي يتميز بقدرته الكبيرة على اجتذاب القراء على اختلاف فئاتهم وتنوع طبقاتهم وتوريطهم في سحر السرد وفتنة الحكاية. ومن أسباب انتشار الإبداع الروائي كذلك الإقبال منقطع النظير الذي تحوزه النصوص الروائية من قبل النقاد والدارسين. إذ لا يخفى أن نظريات النقد الحديث تطورت بشكل لافت في مجال السرد قياسا إلى جنس الشعر. ينضاف إلى ذلك الحماس الذي تبديه دور النشر للإنتاج الروائي مقارنة بغيره من أصناف التعبير الأدبي (دواوين الشعر مثال جيد لهذه الظاهرة) دون أن نغفل الدور الكبير الذي تقوم الجوائز الكثيرة المخصصة للإبداع الروائي في توجيه المؤلفين إلى كتابة الرواية. كل هذه العوامل مجتمعة شجعت على الاهتمام بالرواية كتابة ونشرا وتوزيعا. وفي اعتقادي أن اتجاه مؤلفين ينتسبون إلى قطاعات معرفية مختلفة ومتباينة إلى كتابة الرواية قد عمل على إغناء المتن الروائي وتجديد روافده. فما من شك أن كل كاتب يأتي إلى الرواية وهو متشبع بطبيعة الأفكار وخصائص التعبير في المجال المعرفي الذي ينتمي إليه. والرواية بهذا المعنى مصب الأشكال التعبيرية ونقطة تقاطعها. ولذلك وجد الكتاب في هذا الجنس وعاء مساعدا على تصريف الأفكار والتعبير عن قضايا العصر.

* ما هو تصورك للممارسة النقدية؟ وكيف تمارس النقد؟
** بداية لا يمكن للممارسة النقدية أن تستقيم لمن يحاولها ما لم تتأسس على معرفة متعمقة بالنظريات النقدية المختلفة والأسس المعرفية التي انبثقت عنها وانبنت عليها مختلف المنطلقات النظرية والإجراءات التطبيقية التي ترتهن إليها العملية التحليلية. فما من شك أن الأسس الابستمولوجية تشكل القاعدة الصلبة التي تقوم عليها عملية فحص النصوص ووصفها. ولا يمكن الحديث عن النقد ما لم يتحصل الدارس على معرفة كافية بالأصول الفلسفية والأطر النظرية التي تنبني عليها المنهجيات الحديثة المتعلقة بنقد النصوص وتفسير الخطابات.
لقد أثبت تطبيقات النقاد العرب فشل النقل عن الحداثة الغربية عن أدبنا وثقافتنا. ومن هنا فنحن في حاجة إلى وعي نقدي متنور يستلهم التصورات المنهجية الحديثة كما رسختها نظرية الادب في الغرب من دون إغفال للطبيعة الخاصة التي تميز الإبداعية العربية، كما يلزمنا الوعي بأننا بصدد الكشف عن نوع خاص من التفكير الأدبي القائم على مقومات فنية وجمالية مغايرة لتلك التي قامت عليها الآداب الأوروبية. وهو ما يفترض استحداث أدوات قرائية تلائم خصوصية هذا النتاج الذي أبدعه “العربي” في سياق زمن ثقافي مخصوص.
إن هذا الواقع الأدبي الذي يتحرك في دائرة الأزمة يجعلنا في حاجة ماسة إلى وعي نقدي متنور يستلهم التصورات المنهجية الحديثة من دون أن يغفل خصوصية السياق الثقافي الذي اشتبكت معه الأعمال الأدبية وانبثقت عنه. وهو ما يفترض استحداث أدوات قرائية تلائم طبيعة الزمن الثقافي العربي. فلا أحد يمكن أن يعترض على أهمية التفاعل مع آداب الإنسانية جميعها نظرا للفوائد التي يمكن أن تعود على الأدب العربي من الانفتاح على ما اجترحه غيرنا من فنون وآداب. ولا أحد بالمقابل يمكن أن يدعو إلى الخضوع المطلق للمناهج الغربية رغم النتائج الباهرة التي حققتها لأن هذه الممارسة لا يمكن أن تؤدي بنا إلى نقد عربي فعال يستطيع أن يسهم في تطوير حركة الثقافة الإنسانية. على هذا الأساس تتحدد الممارسة النقدية بالنسبة إلي بوصفها أفقا مفتوحا للتأمل في مختلف أشكال التواصل الإنساني، وليست منهجا ثابتا وقارا يترسمه الدارس في فحص النصوص واستنطاقها. وهو تصور يوسع من دائرة الممارسة النقدية بحيث تمتد لتشمل مختلف أشكال التعبير الأيقوني بدءا من “الكتابة” ووصولا إلى “الصورة”. وهو تعديل فرضته على التفكير النقدي التحولات العميقة التي شهدها العصر الذي بات يعرف، بسبب الانفجار المهول الحاصل في التقنيات الرقمية الحديثة، بـ”عصر الصورة”. وقد ترتب عن ذلك واقع جمالي جديد لم تعد السيادة فيه مقتصرة على العلامات اللسانية وحدها، بل أصبحت الأنساق السميائية الدالة جميعها موضوعا للتحليل والتأويل.

* على صعيد النقد .. يرى د. عبد الله الغذامي أن النقد العربي اقتصر على الناحية الأدبية وابتعد عن مفهوم النقد الثقافي الشامل .. ما رأيكم بهذا القول وهل انت مع مقولة نقد ثقافي ام نقد ادبي.. ؟
** لا جرم أن اندراج النصوص في العالم وارتباطها به صفة ملازمة لمختلف أصناف الخطاب مهما تباينت وتغايرت من حيث الأنواع والأنماط. ويستلزم ذلك النظر إليها في ضوء الاشتراطات التاريخية والاجتماعية التي تفاعلت معها وانبثقت عنها. ويترتب عن هذا الرأي اعتبار النصوص والخطابات بنية دالة يتعين دمجها في سياق ثقافي أوسع من أجل تحديد الافتراضات التي انطلقت منها والغايات التي جرت إليها. إذ كل نص يمثل إجابة عن سؤال مضمر ينبثق من رحم المحيط الثقافي والاجتماعي الذي تفاعل معه النص وتولد عنه. ويعني ذلك أن النصوص مهما بدت مغرقة في الذاتية والفردية، فإنها لا تعدو أن تكون في النهاية حصيلة التفاعل مع المحيط الذهني الذي تنتمي إليه وتندرج ضمنه. ويترتب عن هذا القول الإقرار بأن النصوص، مهما تغايرت من حيث الأشكال والأجناس، فإنها لا تعدو في المحصلة أن تكون تعبيرا عن أفكار الثقافة وتصوراتها، لأنه مهما كان حظ المؤلف من النباهة، فلن يكون بمقدوره تجاوز شرطه التاريخي بصورة مطلقة. ولذلك تخضع النصوص، في كثير من الأحيان، لنسق ثقافي مضمر يتحكم في إنجازها ويتولى توجيهها بما يخدم مصالح النظام الثقافي السائد. ويستدعي هذا القول توجيه البحث إلى فحص النصوص فحصا دقيقا يتيح الكشف عن الأنساق الثقافية المحتجبة التي تندس في نسيج الخطاب وتعمل على توجيه مقاصده وآليات اشتغاله. ومن هنا لا يجوز الحكم على أجناس الخطاب المختلفة استنادا إلى المعايير الأدبية وحدها، ولكن يتعين بالإضافة إلى ذلك الاحتكام إلى الرؤية الفكرية والثقافية التي تتولى تحديد دلالات المقروء وبلورة الموقف من قيمه ووظائفه، لأن الموقف من أصناف الخطاب يتشكل في ارتباط مع حاجات القراء الجمالية وتصوراتهم الاجتماعية.

* كيف ترى العلاقة بين الناقد والمتلقي ؟
** الناقد الذي لا يستحضر المتلقي سيكون مصيره العزلة وعزوف القراء. وهذا هو المصير الذي واجهه كثير من نقاد الحداثة الذين أغرقوا دراساتهم في المصطلحات والرسوم البيانية معتقدين أنهم بذلك يسهمون في تفسير النصوص التي يقومون بتحليلها فإذا هم يحولون الممارسة النقدية إلى طلاسم وألغاز لا يستطيع القارئ فك شفرتها، حيث تحولت الأعمال الإبداعية إلى أشكال هندسية ومعادلات رياضية تشل الفهم والتفكير إذ يقف القارئ أمام طلاسمها حائرا وعاجزا عن تبين القصد من وراء تشغيل هذه الأدوات البعيدة تماما عن روح الأدب و”حياة النص” فهي لا تضئ النص بقدر ما تحول النقد إلى تمارين للتدرب على “تشريح الجثث”. وقد نجم عن ذلك انفصال النقد عن القراء بعدما تكونت نخبة من النقاد معزولة في المراكز البحثية والأوساط الأكاديمية لا تكتب لغير المتخصصين الذين يمتلكون “شفرة” هذه المناولات النقدية التي حولت نقد النصوص من عمليات وصفية تحليلية إلى مجرد حذلقات لغوية.
ينبغي التركيز في تصوري على البعد التواصلي في الممارسة النقدية بحيث يشعر المتلقي بأنه معني بالخطاب النقدي. وإلا انعزل النقد وفقد أهميته بفقدان وظيفته. ويمكنني أن أستحضر هنا التجربة النقدية التي رادها طه حسين. لقد استطاع هذا الناقد الفذ أن يقدم لقطاع عريض من قرائ الصحف السارة مادة نقدية عويصة تتعلق بالشعر القديم بأسلوب بياني مشرق مشرق ساعد القراء على اختلاف طبقاتهم على تمثل هذا الشعر وتذوقه. لم يكن العميد يغرق تحليله في التجريد والمصطلحات النقدية ولكنه كان يتعمد إخفاء جهازه النظري عن قارئه وقد مكنته هذه الطريقة من التواصل مع جمهور واسع من قرائه. ويمكن لأجهزة الإعلام المختلفة أن تسهم بفاعلية في توسيع قاعدة قراء النقد الأدبي عن طريق الاستعانة بالنقاد الأكاديميين من أجل إنجاز متابعات جادة بشكل يومي لمختلف أشكال الإنتاج الإبداعي. فلا تزال مهمة النقد الصحفي عندنا تنحصر في لفت الانتباه إلى الاصدارات الجديدة من دون اعتناء بتحليل العمل وتفسيره على نحو يراعي شروط ومتطلبات الكتابة الإعلامية. مع العلم أن تاريخنا النقدي الحديث يتوفر على سوابق مهمة ودالة في هذا المجال ينبغي احتذاؤها؛ فأعمال طه حسين والعقاد وميخائيل نعيمة ومحمد مندور ظهر أغلبها في شكل مقالات نقدية في الصحافة التي شكلت بالنسبة إلى هؤلاء النقاد أداة نافعة مكنتهم من التواصل مع قطاع عريض من جمهور الأدب ومتلقيه. نستخلص من هذه النماذج التمثيلية أن الصحافة يمكن أن تؤدي خدمة جليلة للنقد الأدبي خاصة فيما يتعلق بتوصيل المعرفة الأدبية إلى “القارئ العام” الذي ينبغي أن يمثل قطبا أساسا في كل عملية نقدية تحليلية.

* صدر لك مؤخرا كتاب جديد بعنوان ” البلاغة والايدولوجيا “، لماذا تطرقت بالتحديد الى الخطاب النثري عند ابن قتيبة ..؟
** تناول كتاب “البلاغة والإيديولوجيا” إشكالا محددا ودقيقا يتعلق بفحص مناحي التفاعل والجدل بين المعرفة البلاغية والتراث النثري. لقد سعى الكتاب إلى الكشف عن مظاهر انسراب المواقف الفكرية والآراء المذهبية في ثنايا الرسالة البلاغية التي توخى ابن قتيبة توصيلها إلى مخاطبيه من خلال نصوصه النثرية. ذلك أن تدقيق النظر في نصوص ابن قتيبة النثرية يكشف عن كونها جارية إلى تحقيق غايات فكرية عقدية وأخرى خلقية اجتماعية. مما استلزم فحصها وتحليلها في ضوء المقصدية الإيديولوجية التي افترضنا توجيهها لبلاغة هذا النثر؛ فالنظر المتأمل يكشف أن الأفكار والآراء التي انطوت عليها النصوص النثرية دائرة في فلك العقيدة السنية، حيث تم إسقاط الغرض العقدي الديني على الغرض الأدبي الجمالي. وعلى هذا الأساس تكون دراسة نثر ابن قتيبة من منظور بلاغي استجابة للأفق الذي شكله هذا النثر نظرا لصدوره عن خلفية فكرية وعقدية تمثل آراء وتصورات الفكر السني. وهو ما يعني أن المؤلف كان يصوغ نصوصه النثرية، كما حاول البحث أن يثبت، في ضوء مقررات العقيدة السنية التي مثلت مضمرا حجاجيا وموجها إيديولوجيا انصاعت له بلاغة الخطاب النثري عند ابن قتيبة. لقد تمثلت الغاية من هذا الكتاب في اختبار مدى نجاعة الدراسة البلاغية في الكشف عن جوانب من الخطاب النثري عند ابن قتيبة ظلت محجوبة عن الدراسات النقدية المعاصرة. وأعتقد أن هذا النثر كان في حاجة إلى مثل هذا البحث من أجل إبراز القيم البلاغية والأبعاد الإنسانية والإيديولوجية التي زخر بها .

* وما هي النتائج التي توصلت اليها خلال كتابك ..؟
** تحصلت من ذلك على جملة من النتائج أبرزها :إن ابن قتيبة لم يكن مجرد أديب وناقد وإنما كان، قبل هذا وبعده، متكلما. إنه صاحب مقالة ورئيس نحلة. ولذلك لم يعتن بالجانب الأدبي والجمالي في الخطاب قدر عنايته بفعالية الخطاب ونجاعته؛ أي الجوانب الحجاجية والاستدلالية في الخطاب البليغ. ومن هنا كانت البلاغة، عند ابن قتيبة، منظورا إليها من زاوية وظيفتها العملية والإنجازية؛ أي القدرة على التأثير في المتلقي لتعديل موقفه أو سلوكه .
– إن إدماج أنواع الخطاب التي صاغها ابن قتيبة في سياقات فكرية وأنساق ثقافية أوسع يظهر حاجتها إلى القراءة والتأويل في ضوء النسق الفكري والعقدي الذي صدرت عنه، فقد ثبت لدينا من فحص أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة أنها تترجم مقولات العقيدة السنية التي حكمت إنجازها ووجهت صياغتها.
– إن العودة إلى التراث النثري ضرورية من أجل إعادة الاعتبار إلى مختلف أشكال الخطاب وأجناس الكتابة التي ظلت على هامش الدرس النقدي والبلاغي، ولن يتحقق ذلك إلا بتجاوز النظرة النقدية الضيقة التي لا تحفل سوى بالأجناس التي تلتقي، في تكوينها الأسلوبي، بالمقومات التي رسخها جنس الشعر بينما تقصى أنواع خِطابية أخرى لاعتمادها سمات أسلوبية مغايرة.
– إن بروز المعيار البلاغي الوظيفي في تلقي نثر ابن قتيبة لا يعني غياب البعد الإمتاعي عنه، فبالرغم من أن انتماء هذا النثر إلى الأدب الكلاسي يجعل منه نثرا وظيفيا، فإن المقصد الإمتاعي لم يغب تماما عن ذهن ابن قتيبة خاصة في نثره السردي الذي لم يقتصر على وظيفة الإبلاغ بل جعل من المقصد الإمتاعي غاية يتطلع إليها. مما يعني أن الخطاب النثري عند ابن قتيبة اتسع للوظيفتين الحجاجية والأدبية. وهو من هذه الناحية يستجيب لمعايير القراءة الأدبية التأويلية كما يستجيب لمتطلبات التلقي التداولي الوظيفي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع