أخر تحديث : السبت 31 ديسمبر 2011 - 4:40 مساءً

في وداع الصديق الأستاذ عبد الخالق الدغاي

ذ. حـسن الـيملاحـي | بتاريخ 31 ديسمبر, 2011 | قراءة


الصديق عبد الخالق ..
بلغني أنك غادرتنا من دون استشارة، ربماكنت لوحدك ـ وفي غفلة عنا ـ ترتب لهذا السفر الأبدي …
لا أعلم بمدى الشعور الذي يعيشني في هذه اللحظة. ما عدا أرواحنا التي تحلق في سموات الله، أشعر أنه بدء من الآن سيستحيل اللقاء بيننا كالعادة في شوارع القصر الكبير أو في دروبها المضمخة بعبق المكابدة.
كما كان يحصل في السابق ومن دون مواعيد مسبقة، كان اللقاء يدوم لساعات بعد أن نختار لأنفسنا أقرب مقهى مناسب، أو للحظات حينما نركب سيارتك التي تكسوها من الداخل الصحف الوطنية وكذا ملفات بعض قضايا موكليك التي كانت قد عرضت على المحاكم أو في طور العرض، من دون أن أنسى بعض الأوراق والملفات الخاصة بقضايا حقوق الإنسان.
هل تعلم أنك كنت ـ على عادتك ، في كل اللقاءات ـ دائم الابتسامة.
الصديق عبد الخالق:
هل تعلم أن هذا الرحيل قد خلق صدمة قوية لدينا نحن الأصدقاء ، وأننا لحد الساعة لم نصدق هذه الفاجعة الحقيقة، التي لا محالة، ستترك فراغا بيننا .مهما كانت ظروف الأحوال والصداقات،فإنه ليس بمقدور أي كان أن يشغل تلك المساحة من الصداقة التي كنت تفسحها أمام الجميع.
الصديق عبد الخالق:
هل تتذكر لما كنت تقيم بنفس الحي الذي نسكنه والذي يفضل البعض تسميته بـــــــ” الغريسة”. كان الزمن، ثمانيني بامتياز ونحن ندرس في الصف الثانوي. أذكر ولعك بالقراءة إلى حد الجنون. لا أدري ما فعلته بك غواية الرواية، كنت آنذاك ألملم لك بعض الأعمال السردية وأمررها لك من بين شباك نافذة بيتي الصغير ـ أقصد نفس البيت الذي كان يفتح حضنه لجميع الأصدقاء ـ كنت أكتفي بذلك لأني أعلم أنك لم تكن تتوفر على الوقت الكافي.
ومع توالي السنين بقليل، انتقلنا إلى جامعة محمد بن عبد الله بفاس. كبرت صداقتنا فاتسعت بحجم السماء لجميع أحلامنا. لكن هذه الأحلام سرعان ما توارت إلى الخلف، بعد أن تعرض الكثير منا للعطالة.
ولأن المدينة لا تقبل الفراغ، فقد كان لزاما علينا أن نؤسس إطارا لنلتقي به ونتداول حول قضايانا، أسسنا لهذا الغرض الجمعية الوطنية لحملة الشهادات بالمغرب، وفرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إلى جانب أصدقاء لازلنا معا نحافظ على نفس الصداقة و على نفس تفاصيل تلك المرحلة المنفلته.
بالأمس رحل عبد السلام الشلي وتلاه محمد القرقري وهم أصدقاء لنا. دقنا جميعا مرارة الاختلاف ونحن نؤسس للحظات جميلة ومشرقة لا زال صداها يصدح في ألسنة البعض، وكذا في بعض القاعات و الصالونات التي ما زالت شاهدة على ذلك العصر، وبين شوارع المدينة.
الآن لقد تغير كل شىء بعد أن اختلطت الأوراق وتنكر لناذلك الماضي الذي تحول إلى رجل بئيس يجتر هزائمه الداخلية، وأمام ذلك كان الكثير منا وبنوع من الشجاعة يحمل قليلا من جرحه بين يديه ويسوقه معه إلى عزلته ،بعيدا عن أنظار الزجاج وروائح الياسمين الزائفة.
لكنني جد واثق أن التاريخ لا يمزح في كثير الأحيان، وإنه سينصف كل واحد منا بعد أن ننتصر في الضربات الأخيرة.
الزمن يمر يسير بوتيرة سريعة من غير أن ننتبه لذلك، يأبى أن يسير لوحده، لأن الطريق غير آمن. لذلك فهو يختار البعض منا من دون مشورة، يمنحه تذكرة الذهاب بلا مقابل. يحدث أن يقف الغير منا بعيدا ،بعد أن يتملكه العجب ، فنردد ما ردده الأوائل.
انا لله وانا اليه راجعون
الصديق عبد الخالق:
بقدر ما إنني أغبطك على هذا السفر الأبدي ـ في الوقت الذي لم يعد فيه الواقع يحفزعلى المزيد من الاستمرار ـ فإني أقدر حجم الفداحة والخسارة التي سيخلفها هذا الرحيل لدى زوجتك المحترمة وأبنائك ووالدتك وإخوتك وأصدقائك.
دعائي لك بالرحمة والمغفرة ، ولأسرتك المزيد من الصبر والسلوان.
نم قرير العين أيها الصديق العزيز… . {jcomments on}

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع