أخر تحديث : الجمعة 26 ديسمبر 2014 - 12:10 مساءً

أول درس لي حول العنف كان بمنزلنا بالقصر الكبير

جميلة البوطي | بتاريخ 26 ديسمبر, 2014 | قراءة

jamila_bouti

احضر الاكل و بين الفينة و الاخرى اضيف شيئا الى الطجين و عندما انزع عنه الغطاء احرص في كل مرة و قبل ان اعيده الى مكانه على ان اتاكد انه لم يعلق به شيئ ما .انها عادتي و التي لم استطع التخلص منها رغم اني واعية تمام الوعي بالقيام بها بشكل متكرر بل و مبالغ فيه منذ سنين …
ذات مرة و تحديدا في زمن الصبى حدث و انا اساعد امي في شؤون المطبخ ان لاحظت اني اضع غطاء طنجرة الضغط على وجهها و لا التفت لنصيحتها لي بضرورة قلب الغطاء حتى لا تعلق به الاوساخ او اية شوائب اخرى فقد سبق و ان حكت لي قصة بمعية اخواتي فحواها ان سيدة تعرضت للضرب و التعنيف اللفضي و الجسدي من طرف زوجها لانها تسببت له في فضيحة بين اصدقائه في العمل لانه طلب منها تهييئ “الڭ اميلة” فبينما كانت هذه الاخيرة ترتب لزوجها الوجبة الكامله له و لرفاقه وضعت على ما يبدو غطاء الطنجرة سهوا على قطعة من الصابون و اغلقت بعدها الوعاء دون ان تلقي بالا الى خطورة ما قامت به لانه عندما حان وقت الطعام و رغب زوجها في وضع الاكل داخل الصحن وجد المرق و اللحم مغمسين بالرغوة الكثيفة و تاكد من جريمة زوجته في حقه و حق رفاقه فما كان منه الا ان عاد يرغي و يزبد الى المنزل و اشبعها ضربا مبرحا جزاء على ما اقترفت يداها في حقه ناهيك عن ما مارسه في حقها من سب و قذف و طردها من المنزل شر طردة و لم تعد الى ان هدات ثورة الرجل و ارسل في طلبها و عادت المسكينة المهيضة الجناح بنفسها الى مكان عاشت فيه الذل و الهوان ..
لم اكن من النوع الصامت و انا استمع الى مثل هذه القصص كنت اقول لامي بعض الاشياء التي كانت تستفزها من قبيل” راه تقدر توقع لاي حد و لكن ما لقاهاشي مرا و مرمورة و تخرڭ لو ديك الڭ اميلة على راسو و تربيه …هي طويلة عليه من الفوق …”
كانت امي ترمي من وراء ذالك الحكي المتكرر لتلك القصة ان تعطينا درسا في الحذر حتى لا نقع في المحضور لكنها اختارت قصة كانت تستفز انسايتنا نحن الفتيات المتشبعات بافكار الحرية و المساواة في المنزل و بدون استثناء ….
كانت جل تعليقاتي مستفزة و انفعالية امام مواقف تريد ان تقنعني سدى بان للمراة نصيب في التسبب في ذالك العنف الجسدي لكنني كنت ابرئ كل امراة معنفةو اعتبرني هي و اتبنى قضيتها بل و اصبحت كل قضايا النساء المعنفات قضيتي و اصبحت محامية المراة و المدافعة عن حقها في الكرامة و الاحترام مثلها مثل الرجل على حد سواء او لسن “شقائق الرجال في الاحكام ” …
كنت اقف في صفها و اصب جام غضبي على الرجل ..ذالك الرجل المفترض الذي كان ابواي يحضراني له بطريقة او باخرى و على سجيتهما … tajine_jamila
كما اني سامحني الله كنت و لازيد من خوف امي علي “كزوجة في المستقبل” كنت اقول لها بتهور “او تعلمون حين ساتزوج لن افرغ حقائبي عند الوهلة الاولى في خزانة منزل الزوجية بل سادع اغراضي في الحقائب على حالها لفترة معقولة لدراسة الوضع جيدا …” و عندما تسالني امي عن السبب اقول لها ضاحكة “لاني ساعود بسرعة ….محال واش نطول الغيبة مع هاد القصص العجيبة اللي كنسمع على الزواج هههه”تجيبني امي بعصبية “غير بقى فدارك معندنا منديرو بيك …”
صراحة كنت و لا ازال ارفض مبدا ضرب المراة تحت اي ذريعة و لا ازال اذكر سؤال جدي رحمه الله حين التقيته بعد زواجي ” اجي واش عمر راجلك ضربك …” كنت اجيبه و انا ضاحكة ” ابدا و لا مرة اولا حيت هو راجل متقي الله و تانيا معندوشي الركابي اجدي غير كون هاني هههههه”
كان جدي يفرح و تسبشر اساريره بكلامي و تطمئن هواجسه و يقول لي “حنا اللي كنا متسلطين و متجبرين اما الشباب ديال هاد الوقت متحضر و واعي …”
كنت اعجب كيف ان جدي كان يتبجح بتسلطه و هيمنته على جدتي و كان يشيد بضرب المراة بل و بتقويمها من قبل الرجل الذي كان يعتبره سيدها و رئيسها لانه و على حد تعبيره الذي كان يقوله لامي دوما ” وَآ النْسَا سْعْرُو آ عَيْشة …” و لكن عندما تصبح المسالة تخص احدى حفيداته يصبح فجاة يرغب في ان تكون هي الغالبة و المتحكمة في زمام الامور .كما اني كنت الاحظ حماسته و هو ينتظر جوابي عن سؤاله المتكرر” شكون اللي كيحكم فالدار ..”كنت اقول له بان كل واحد منا و دائرة اختصاصاته و لا احد يتجاوز حدوده ضمن المعروف و المتعارف عليه انسانيا…
الطريف في الامر هو ما حدث مؤخرا و انا احث بناتي على ترتيب خزانة ملابسهن و تنظيفها اخبرتهن بان النظافة و النظام عنصران مهمان في الفتاة و اضفت في سياق الكلام و التوجيه بان ابن جارتنا تقدم لقاضي الاسرة بطلب الطلاق و حين ساله القاضي عن السبب اجابه “زوجتي معفونة ” و ما ان هممت بمغادرة الغرفة حتى سمعت ضحكات استفزتني و عندما استفسرت عن السبب قالت لي ابنتي ايوا يحزم على دراعو و يدير شغلو بيدو مال مراتو الخدامة ديالو ..”
التزمت بالصمت و عدلت عن التعليق و عدت بافكاري الى الوراء و تذكرت بماذا كنت اجيب امي حين حكت لي قصة المعنفة و ها انا التزم بنصيحتها و لا اغطي الطنجرة حتى اتاكد من نقائها كما لو ان خوفا ما مستقرا و مخبا بجبن في دواخلي يصر على ان ينتصر …
او حقا حين نتقدم في العمر و يكون لنا ابناء نعيد انتاج ما اكتسبناه من مفاهيم و تربية من عند ابائنا …سؤال يستحق الوقوف عليه و التدبر فيه ….

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع