أخر تحديث : الجمعة 26 فبراير 2016 - 12:30 صباحًا

الحسنة

حسن ادريسي | بتاريخ 26 فبراير, 2016 | قراءة

hassan_idrisi

تكون أحيانا بعشر أمثالها، لكن أحيانا أخرى قد تجعلك تعيش أحلك ساعة في حياتك،
كنت قد وصلت للتو من ورزازات لمحطة ستيام الدار البيضاء المدينة، وكان علي أن أنتظر الستيام الموالي المتجه لطنجة في حدود الساعة السادسة صباحا
لزيارة القصر الكبير ورؤية الوالدة في مرضها اﻷخير،
كان الظﻻم يعم المكان إﻻ من أضواء ليد خافتة منتشرة بأسقف المكان، وقلة من مسافرين مدثرين بغالبون بالكاد بقايا برد و نعاس متبدي على تقاسبم وجوههم المجهدة،

وقفت متكئا على بوابة التيليبوتيك الوحيد الموجود بمدخل المحطة، وكان لم يفتح بعد، في هذه اﻷثناء دخل شاب ثﻻثيني مرتديا لباسا رياضيا كامﻻ تحيل مﻻمحه على آثار نعمة وثراء، وشرع بانفعال واضح يدرأ المكان أمامي جيئة وذهابا ويغمغم بصوت متقطع :
ياربي … ياربي … آش غادي ندير فهذ الصباح ؟

من عادتي يظهر على تأثر ملحوظ، غير أنني بطبعي ﻻ أتجرأ على أخذ المبادرة أو الحديث،
وقف الشاب على بعد مترين مني، ثم حملق في قليﻻ بعيون منكسرة يغلب عليها اﻷسى واﻷلم، وأردف:

خويا الله يحفظك … راه عندنا جنازة وباغي نعلم خوتي، مع هذ الصباح هانتا كتشوف، كلشي سد، خصني شي تيلفون نعيط، وما لقيتش،

لم أشعر إﻻ وأنا ألقي بيدي نحو جيبي اﻷيمن، وبعد أن وضعتها على هاتفي اﻹريكسون الكوليسون اﻷحمر وتحسسته قليﻻ، من عند الله وجدتني أخاطب بعفوية و تضامن :

بالعما خويا إيﻻ خبعتو عليك،
أطرق المسكين برأسه مليا حتى أشعرني بكل ذنوب العالم، و قبل أن ينبس ببنت شفه، التفت على كﻻم ﻷحد أبناء البﻻد كان يتتبع على ما يبدو ما يجري بيني وبين الشاب الحزين،

ياك ﻻ باس آسي حسن ؟

وقبل أن أحيي الصديق عبد الحفيظ، أو على اﻷصح أحدثه عن حدسي الذي ﻻ يخطيء، ضرب يده لحزامه بكرم أوﻻد البﻻد، وانتزع هاتفه النوكيا الصغير المعلق على خاصرته الشمال … ثم سلمه مستباحا وبإباء،

أخذ الشاب الهاتف النوكيا الصغير، وبكل انكسار وتأثر، خاطب السي عبد الحفيظ : الله يقبل عليك آخويا،
ثم مباشرة شرع في تركيب الرقم، و إن هي إﻻ لحظة تمويه تبادل فيها معنا نظرة حزن وعرفان، التفت يمنة ويسرة و أطلق ساقيه للريح،
شد … شد …. شد

مر ما يزيد عن إثنى عشر سنة، وكلما التقيت سي عبد الحفيظ في القصر الكبير، نتعانق ونضحك ملء قلبينا ونحن نستحضر تلك الليلة الفارقة والعصية بكل شماتتها،
وأعود لصورة ولد البﻻد المتجهمة وهو ينهر صاحب تاكسي صغير أحاط بنا وقتها ليواسيه في مصابه، وبنرفزة القصريين العنيفة وغير المجاملة خاطبه :

سير عودا ﻷمك، دابا عاد ماجي تقولها، وقبيﻻ وانتا كتشو فيه،

هههههه … ذكرى

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع