أخر تحديث : الخميس 14 يونيو 2018 - 2:17 صباحًا

الفنان والناقد محمد الشاوي يكتب عن التشكيلي علي نخشى كرائد للواقعية المحدثة بمدرسة تطوان

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 14 يونيو, 2018 | قراءة

بقلم: محمد الشاوي (*)

“لأنه يعيش في زحمة الواقع المغربي والإنساني، ويرصد ما يراه ليس بمفهوم الواقعية الفوتوغرافية البليدة، وإنما بمفهوم الفنان الذي يقتحم ما استغلق فهمه على الناس.” حسن الطريبق

إن الحديث عن قامة فنية مثل الفنان والأستاذ علي نخشى؛ هو حديث بالضرورة عن جيل الرواد بمدرسة تطوان الذي ينتمي إليه، إذ يمكن إدراجه ضمن الرعيل الأول الذي بصم ذاكرة الفنون الجميلة بهذه المدرسة. ينتسب الفنان علي نخشى إلى أسرة عريقة بمدينة القصر الكبير عُرفت بأصالة التربية وحداثة الذوق، أنجبت علماء أجلاء، وباحثين وفنانين، وأساتذة ومربيين… ولا شك أن اهتمامه بالفن التشكيلي ظهر بشكل ملحوظ بموهبة قل نظيرها منذ طفولته المبكرة من خلال محاكاته لمعالم مدينة القصر الكبير برسومات على الورق وأخرى بالصباغة كانت وثيقة الصلة بشخوص وجماعات، في أماكن متعددة كالتجمعات داخل الأسواق، وسط المدينة، المقاهي، المصلى، الحديقة العمومية…

بعد ذلك صُقلت هذه الموهبة بشكل أكاديمي وعلمي عندما أقدم على دراسة الفن والتخصص فيه بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان سنة 1957 ليتخرج منها سنة 1959 مشيدا لنفسه تجربة فريدة تقوم على أساس البحث في الواقعية المُحدثة وتطوير نموذج المعلم الأول “ماريانو بيرطوتشي” الذي كانت رسوماته هو وغيره من المدرسين بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة، تُمثل نموذجاً تعبيرياً نسج على منواله طلاب الفن أعمالهم، فتأثروا به أيما تأثر، حيث أسعفهم في التعبير عن بيئتهم الاجتماعية في قالب واقعي محاكاتي عماده نظرة الفنان لهذا الواقع، والعمل على تشكيله بالصباغة وتوسل هندسة المنظور.

لقد استطاع الفنان علي نخشى تطوير مؤهلاته الأكاديمية باستكمال الدراسة العليا والبحث عن آفاق جديدة للتخصص، لكي ينسج أسلوبا فنيا يمتاز به عن غيره، فاتجه نحو الجارة إسبانيا بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بمدريد سنة 1960/1961 بمدرسة الفنون الجميلة بسانطا إيسابيل دي هونكريا بإشبيليا، ثم بمدرسة “سان فرناندو” مدريد، التي تخرج منها سنة 1965 محصلا على دبلوم الأستاذية في الرسم الذي خول له مهمة التدريس بالمدرسة الوطنية للفنون الجميلة بتطوان. كما درس الحفر GRAVEUR بمدريد، وبنفس المدينة درس Lithographie بالمدرسة الوطنية لفنون الطباعة والحفر، حيث استفاد أيضاً من عدة تكوينات بمتحف اللوفر بفرنسا والمتحف البريطاني بانجلترا، وهو من الفنانين المغاربة المؤسسين للجمعية الوطنية الأولى للفنون الجميلة بتطوان.

وتقلد رحمه الله في مسيرته المهنية الأخيرة إدارة دار الصنائع والفنون الوطنية بتطوان. يقول عنه الأستاذ والشاعر حسن طريبق: “(…) لوحاته تحمل مضامين ثرة النبع، تتجاوز فيها الألوان-كل الألوان- وتتناسق بصورة ملفتة للنظر (…) استطاع أن يكتب خاصية التحكم في ناصية تجربته باخضاع الألوان لارادته أو الأحسن أقول، لموهبته، في نطاق النسبية طبعا أي في نطاق المقارنة مع بعض رفاق دربه من فنانينا المغاربة. (…) واقعيته ليست مقصورة على ماهو مغربي، ولكنها كثيرا ما تتميز بانسانيتها وبانفتاح روحها عبرها على هموم وأحزان غير مواطنيه في غير ما التزام اجتماعي أو سياسي.”

إن هذه الواقعية في صيغتها المحدثة والمتجاوزة للواقعية في صيغتها المفرطة والدقيقة عند الفنان علي نخشى تتداخل في أعماله مع أشكال تعبيرية أخرى تنهل من صميم ما هو إنساني من قضايا وموضوعات تجعل المتلقي يبحث عن خيط ناظم يقوده لبناء المعرفة البصرية الملائمة، إنها معرفة أرادها الفنان علي النخشى أن تكتسي طابعا وجوديا وجماليا تومئ بشدة الأحاسيس وتجعلنا نتأمل معه أشياء نعيد التعرف إليها وكأننا نستذكرها بالعودة إلى ذاكرتنا طويلة المدى لكي تستقر في حاضرنا راسمة لنا فضاءات وأزقة وشخوص مُرتميةً في عوالم حرينة تارة، وتارة أخرى تجعلنا نبحث عن فكرة التطهير le catharsis التي نادى بها الفيلسوف أرسطو لكي نُخوج أحاسيسنا وانفعالاتنا لكي تستجيب لقدر أعماله الفنية، فنعيش معه داخل عوالمه الممكنة نتنفس معه أحاسيس دفينة، تجعلنا نفرح أحيانا ونشعر بالحنين للرومانسية الجميلة، ضاربين جدار القلق والبؤس لكي نعيش معه أجمل الأحاسيس الجمالية داخل قالب تصويري يؤرخ للعلاقة الرابطة بين الإنسان والطبيعة والعالم من حوله.
__________________
(*) فنان تشكيلي مغربي وباحث في النقد الفلسفي للفن.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع