أخر تحديث : الجمعة 10 فبراير 2012 - 11:05 مساءً

‘الكلام والخبر’ لـسعيد يقطين: مشكلة التصنيف في الأدب العربي

ذ. مصطفى الغرافي | بتاريخ 10 فبراير, 2012 | قراءة

لقد جاء اهتمام النقد العربي الحديث بمباحث الأجناس متأخرا نسبيا، وليس عندنا من تفسير لهذه الظاهرة سوى البواعث الإيديولوجية، التي وجهت عناية المعاصرين إلى الانكباب على التراث فحصا وتنقيبا، يحدوهم في ذلك طموح إلى إبراز سمات الحداثة في هذا التراث إثباتا لأسبقية العرب إلى الكشوفات الأدبية والنقدية، دفعا لتهمة التأخر عن الغرب. أما البداية الفعلية للاهتمام بمباحث الأجناس فلم تنطلق، عربيا، إلا في الثمانينات لتبدأ في التنامي منذ ذلك الحين، حتى استوى البحث الأجناسي في السنوات الأخيرة في دراسات متخصصة محضها أصحابها لفحص قضايا الأجناس من وجهة أنظار متغايرة. ومن الدراسات الهامة التي وقفت وقفة جادة عند قضية الأجناس الأدبية، دراسة سعيد يقطين الموسومة بـ ‘الكلام والخبر’ (المركز الثقافي، البيضاء، 1997). التي يمكن اعتبارها تكملة للدراسة التي كان يقطين أنجزها عن كتاب ‘الإمتاع والمؤانسة’ لأبي حيان التوحيدي (المجلس، الكلام، الخطاب، بصدد ليالي أبي حيان التوحيدي، ضمن السرد العربي، المفاهيم والتجليات، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2006، ص: 146).
لقد جاءت دراسة يقطين رائدة في بابها، فخطت بالتصورات النقدية العربية خطوات متقدمة في القضايا المتصلة بنظرية الأجناس الأدبية، فقد كشف في هذه الدراسة عن وعي متطور بالإشكالات العميقة المطروحة على بساط البحث في أنواع الكلام العربي تجنيسا وتصنيفا.
ولهذا الاعتبار يمكن النظر إلى الاجتهادات التي بلورها يقطين بوصفها مقترحات جادة يمكن اتخاذها، بعد تطويرها، أساسا لإرساء معايير تصنيفية تستجيب لخصوصية أجناس الأدب العربي. ومما ساعد على بلوغ هذا المقصد أن يقطين يظهر وعيا متقدما وهو يخوض في قضايا تجنيس النصوص التراثية وتصنيفها، فقد استشعر الباحث، شأن العديد من الدارسين المعاصرين، أن معايير التجنيس والتصنيف المعتمدة في نظرية الأجناس الغربية قاصرة عن استيعاب التجليات النصية المختلفة التي يزخر بها التراث العربي. وانطلاقا من هذا الوعي سعى الباحث إلى إنجاز تصور تركيبي من خلال الإفادة من التصورات التي تتيحها نظرية الأجناس الغربية، ثم تطويعها بما يتلاءم وخصوصية الأدب العربي.
ونظرا لتنوع نصوص الأدب العربي من حيث الأشكال والانواع والصيغ والأنماط، فقد استشعر يقطين أنه سيكون من الصعوبة بمكان تصنيفها اعتمادا على أنموذج أجناسي جاهز، ولذلك رأى أنه من الأنسب استحداث معايير تصنيفية تراعي الطبيعة الخاصة لهذه النصوص، مع قدرتها، في نفس الآن، على استيعاب جميع التجليات اللفظية التي أنتجها العربي.
لقد بنى يقطين تصوره لمسألة الأجناس الأدبية على أطروحة أساس شكلت عصب كتابه مؤداها بناء نظرية عامة للكلام العربي، انطلاقا من المزاوجة بين المأثور العربي واجتهادات الغرب. ويتبين من فحص الكتاب مدى الجهد الخصيب، الذي بذله الدارس إسهاما منه في التأسيس لنظرية أجناسية، تستوعب شساعة وخصوصية المادة النصية التراثية ذات الطبيعة المخصوصة والمقاصد المتباينة. وقد أفاد الباحث في صوغ مقترحاته، في هذا المجال، من الاجتهادات الباهرة التي راكمتها نظرية الأجناس في الغرب، بعدما وفق إلى تطويعها بما يستجيب لطموحه في تطوير نظرية أجناسية تراعي الخصوصية المحلية للموروث العربي، حيث تلطف يقطين في تحقيق مسعاه بالتفاعل الإيجابي والخلاق بين المرجعية العربية والغربية، من أجل تأصيل تصورات اجتهادية تنشد الإبداع بدل الارتهان إلى التقليد كما يظهر من قوله: ‘إن تجديد علاقتنا بالمرجعية العربية أو الغربية يجب أن يتأسس على قاعدة الحوار العميق؛ أي التفاعل الإيجابي الذي ينشد التأصيل والإبداع بدون أية عقدة ثقافية أو حضارية’ (ص: 171).يتخذ الباحث من ‘الكلام’ العربي باعتباره ‘الجنس الجامع’، الذي أدرج تحته القدماء جميع الممارسات اللفظية، التي أبدعها ‘العربي’ منطلقا للتفكير في مختلف التجليات النصية التي يتحقق من خلالها ‘الكلام’. وقد اقتضاه ذلك التوقف عند الاجتهادات التي بلورها القدماء، من أجل بناء تصور متكامل لأجناس الكلام العربي وأنواعه وأنماطه، فانتدب الباحث الفصل الرابع من كتابه للنهوض بهذا المسعى، حيث أداره على فحص قضية ‘النص والجنس في الكلام العربي’.
وفي هذا الفصل قدم مقترحه الخاص بتجنيس الكلام العربي استنادا إلى إجراءات ثلاثة رئيسة هي: المبادئ، والمقولات، والتجليات.
يقصد بالمبادئ ‘الكليات العامة المجردة والمتعالية على الزمان والمكان'(، ص: 181)، وتتميز بأنها موجودة دائما وإن اختلفت طرائق إدراكها. ونظرا لتعدد هذه المبادئ فقد رأى الباحث أن يكتفي بالتوقف عند ثلاثة منها بدت له مفيدة بالنسبة للإشكال الذي يخوض فيه.
يتصل المبدأ الأول: بـ ‘الثبات’، وهو الذي يحدد العناصر الجوهرية التي نميز بوساطتها ماهية الشيء من غيرها.
والثاني متعلق: بـ ‘التحول’، وهو مبدأ كلي مثل الأول، وإن تميز عنه بكونه غير متصل بالعناصر الجوهرية المتصفة بالثبات، ولكنه متصل بالصفات البنيوية القابلة للتحول.
أما المبدأ الثالث: فله علاقة بـ ‘التغير’ لاتصاله بالظواهر، التي تتعرض للتغير بفعل عوامل محددة زمنية أو تاريخية من شأنها أن تنقل الظاهرة من وضع إلى وضع.
لقد تمكن الباحث باعتماد هذه المبادئ الثلاثة الكلية والمترابطة من ترصد العناصر المختلفة التي تدخل في تشكيل مفهوم ‘الكلام’، حيث نظر إليه في ذاته من خلال عناصره البنيوية، وإلى جانب ذلك درس الكلام في علاقاته وصيروراته، في مسعى لترصد تفاعلاته مع غيره.
إن هذه المبادئ العامة التي يشغل يقطين عبارة عن أدوات إجرائية حاول الباحث من خلالها رصد المستويات المختلفة للكلام، ومن هنا حرص الباحث في اصطفائه لهذه المبادئ أن تكون قادرة على ضبط مستويات الكلام الثلاثة. ويقتضيها النهوض بهذه المهمة التوفر على كفاية إجرائية عالية، تقدرها على الإحاطة، في الكلام، بالثابت الجوهري، والبنيوي المتحول، والمتغير العرضي.
وفي مسعى للتخفيف من طغيان التجريد الذي وسم هذه المبادئ الكلية الثلاثة، عمد الباحث إلى استدعاء مفهوم إجرائي آخر هو ‘المقولات’، الذي رآه ناجعا بالنسبة للمقصد الذي ينشد، والمتمثل في تدقيق المراتب الثلاثة، التي مفصل إليها الكلام لتمييز بعضها من بعض.
ويقصد بالمقولات ‘مختلف التصورات والمفاهيم التي نستعملها لرصد الظواهر ووصفها'(، ص: 182).
ولما كانت هذه التصورات والمفاهيم مرتبطة بتمثلاتنا للأشياء، فإن المقولات تكون ‘متحولة’، لأن طرائق تمثل الأشياء مختلفة حسب الأعمار والبيئات. وبهذا الاعتبار تكون التصورات المتصلة بالأجناس عند العرب مختلفة عن تلك التي تبلورت في الغرب.
إن ‘المقولات’ مشغلة، عند الباحث، في علاقة بـ ‘المبادئ’ التي سبق له تقريرها، حيث يجعل كل ‘مقولة’ مرتبطة بـ ‘مبدأ’ من المبادئ الثلاثة، فجاءت ‘المقولات’ مثل ‘المبادئ’ ثلاثة: ثابتة ومتحولة ومتغيرة، ويحددها يقطين على النحو التالي:
1- المقولات الثابتة: تضطلع بالنظر إلى الكلام في ذاته لتحديد العناصر الثابتة فيه التي تجعل منه ‘أجناسا’.
2- المقولات المتحولة: ترصد الصفات البنيوية المتحولة في الأجناس والتي تجعلها متفرعة إلى ‘أنواع’.
3- المقولات المتغيرة: تمكن من رصد مختلف الصيرورات التي تتعرض لها الأنواع في تطورها التاريخي، فتدمغ كل نوع بسمات فارقة تجعله موزعا إلى ‘أنماط’.
لقد تمكن الباحث بهذا الربط بين المبادئ والمقولات من ضبط المعايير العامة المتحكمة في ‘تصنيف الأجناس’. فاعتماد هذه المعايير يقدر الدارس الأدبي على تمييز مختلف التجليات الخطابية باعتبار تعالقاتها وتفاعلاتها. وتتمثل فعالية هذا الإجراء التصنيفي في قدرته على رصد الثابت (الأجناس) والمتحول (الأنواع) والمتغير (الأنماط).
وقد صاغ الباحث هذه المفاهيم الثلاثة الأساس الناتجة عن ربط ‘المبادئ’ بـ ‘المقولات’ في الجدول التالي:
المبادئ
المقولات الثبات التحول التغير
الثابتة الأجناس
المتحولة الأنواع
المتغيرة الأنماط
لقد لحظ الباحث أن هذه الخطاطة تبقى مغرقة في التجريد ما لم يتم ربطها بالتحققات النصية الملموسة، وهو ما هفا إلى تحقيقه تفاديا للانتقادات التي توجه عادة لكل بحث في ‘الأجناس’ لا يصدر عن مشغل الربط بين ‘الجنسية’ و’النصية’. إذ سيعتبر، في هذه الحال، مجرد بنيات تجريدية متعالية عن التحققات النصية المنجزة، التي اصطلح عليها يقطين بـ ‘التجليات’، وتعني، عنده، التحققات النصية الملموسة التي يتم بوساطتها ‘ربط المجرد بالملموس'(ص: 185)، وتتفرع التجليات هي الأخرى إلى ثابتة ومتحولة ومتغيرة.
وقد استدعى الباحث مفهوم ‘معمارية النص’ من الناقد الفرنسي جيرار جونيت ليحدد من خلاله التجليات الثابتة، باعتبارها مجموعة من المقولات العامة أو المتعالية، التي تحدد ‘الجنس’ الذي يندرج ضمنه ‘النص’. أما ‘التجليات المتحولة’ فيقصد بها الباحث تلك المتصلة بـ ‘التناص’ بمختلف صوره وأشكاله، لأن تفاعل النص مع غيره من النصوص يدمغه بسمات فارقة تجعله متميزا من غيره من النصوص الأخرى، التي يتداخل معها، سواء على مستوى الجنس أو النوع أو النمط، في حين يقصد بـ ‘التجليات المتغيرة ‘جميع أنواع التفاعل النصي التي حددها جيرار جونيت (المناص، التعلق النصي، الميتانص).
من الواضح أن الباحث تدرج في تحديده لمراتب الكلام، من العام (المبادئ) مرورا بالخاص(المقولات) وصولا إلى الأخص (التجليات) ، فجاءت صورتها على الشكل التالي:
المبادئ الثبات التحول التغير
التجليات
المقولات التجليات الثابتة التجليات المتحولة التجليات المتغيرة
الثابتة الأجناس: معمارية النص
المتحولة الأنواع: التناص
المتغيرة الأنماط: المتناصات

لقد ساق الباحث هذه المقدمات بوصفها مداخل نظرية تفيده فيما يروم من تأسيس لنظرية أجناسية قادرة على استيعاب مختلف التجليات النصية، التي تزخر بها المكتبة التراثية العربية. وقد تقصد يقطين من بسط القول في هذه المقدمات ضبط المعايير التصنيفية الدقيقة الكفيلة بتمييز الأدب، وتفريعه إلى أجناس وأنواع وأنماط، التفريع الذي شكل مشغلا رئيسا لصاحب هذه الدراسة، فبعد أن قرر هذه التصورات والمفهومات النظرية، سعى الباحث إلى تطبيقها على الكلام العربي، معتمدا ‘الصيغة’، بمفهومها عند جونيت، معيارا للتمييز بين أجناس الكلام العربي وتحديد تصنيفاته.
لقد استطاع الباحث، باعتماد الصيغة معيارا ضابطا في تصنيف الكلام، من تحديد جنسين كبيرين في الكلام العربي، هما ‘القول’ و’الخبر’، ويتم التمييز بينهما باعتبار الصيغة والزمن ووضع المتكلم والمخاطب في علاقتهما بالكلام: فصيغة الأول: (قال)، وهو متصل بالزمن الحاضر ويتعلق بما هو قيد الوقوع)، والعلاقة بين القائل والقول والمخاطب علاقة اتصال مباشرة، ويتحقق في أنواع مثل المحاورات والخطب. أما الخبر فصيغته (أخبر) ويتصل غالبا بالزمن الماضي (ما وقع)، والعلاقة بين المخبر والإخبار والمخاطب علاقة انفصال، لأن المخبر يعلم مخاطبه بما وقع بطريقة غير مباشرة، حتى وإن كان صاحب الكلام، لأن إنجاز الكلام يتم على مسافة تفصل المتخاطبين، وهو ما يتحقق في أنواع الحكايات والتواريخ والأخبار. غير أن أقسام الكلام تصبح ثلاثة بعد أن يعمد الباحث إلى تعويض ‘القول’ بـ ‘الحديث’، ويضيف إلى هذين الجنسين (الخبر والحديث) جنسا ثالثا هو الشعر، الذي يتميز باعتماد مكونات خاصة، تجعله يقترب من الخبر حينا ومن الحديث حينا آخر. وبهذا الإجراء تصبح الأجناس، في مقترح الباحث، ثلاثة رئيسة، هي: الخبر والحديث والشعر.
وتتميز هذه الأجناس بقدرتها على استيعاب جميع التجليات النصية المعروفة في كلام العرب، بفضل ما توافر لها من خصائص ذاتية، جعلت منها أجناسا متعالية على الزمان والمكان.
ومن أجل التمييز بين الأنواع استند يقطين إلى مفهوم ‘النمط’، الذي يقترب عنده مما دعاه القدماء ‘صفات الكلام’، وهو ما يميزها من الأجناس والأنواع التي تتصل بالكلام ذاته. وقد انحصرت الأنماط، عند الباحث، هي الأخرى في ثلاثة:
1- الأنماط الثابتة: تتعلق بالتجربة الإنسانية، ويقسمها باعتبار علاقتها بالواقع إلى ثلاثة:
أ/ الأليف – الواقعي
ب/ الغريب – التخييلي
ج/ العجيب – التخيلي
2- الأنماط المتحولة: تتصل بالمقاصد التي رسمها المتكلم لخطابه؛ أي الأثر الذي يروم إحداثه في مخاطبيه، وتتوزع هذه المقاصد ما بين مواضع الجد ( التعرف والتدبر) الذي يمثل له ‘بقصص الزهاد والصالحين’، ومواضع الهزل (الضحك والمفاكهة) كما هي الحال في ‘أخبار الحمقى والمغفلين’.
3- الأنماط المتغيرة: لا ترتبط بتجربة إنسانية ولا يقصد منها إلى تحقيق أثر أو وظيفة، يتعلق الأمر هنا بالأداة المستعملة لتمثيل التجربة أو تحقيق الوظيفة، إنه الأسلوب المستخدم في النص أو لغته، والأسلوب لا يعدو أن يكون ساميا أو منحطا أو مختلطا.
لقد جاءت اجتهادات سعيد يقطين رائدة في سعيها إلى التأسيس لمعايير تصنيفية دقيقة، قادرة على استيعاب مختلف التجليات النصية التي حفل بها المتن التراثي، حيث انطلق من ‘الكلام’ الذي اعتبره ‘جنسا جامعا’، فنظر إليه في ذاته (الأجناس)، وفي صفاته (الأنواع)، وفي علاقاته (الأنماط)، في محاولة لتحقيق المقصد العزيزالذي هفا إليه: بناء تصور متكامل لدراسة الكلام العربي عبر مقولات إجرائية ثلاثة هي:
‘المبادئ’ و’المقولات’ و’التجليات’، حيث ربط كل واحدة منها بقسم من أقسام الكلام، فوصل المبادئ بالجنس، ووصل المقولات بالنوع، ووصل التجليات بالأنماط. وباعتماد ‘الصيغة’ تمكن الباحث من حصر الأجناس في ثلاثة هي الخبر والحديث والشعر.
وبذلك يكون الباحث قد فتح آفاقا جديدة للتفكير في قضية تجنيس النصوص التراثية وتصنيفها، انطلاقا من تصورات حديثة ومتطورة تستلهم نظرية الأجناس كما تبلورت في الغرب، وتراعي خصوصية المتن التراثي العربي. وتتمثل أهمية الجهد الذي بذله الباحث من خلال تنظيراته وتطبيقاته، في الوعي العميق الذي تحصل لديه بأن التقسيمات التي ورثها الغرب عن اليونان وشكلت عماد نظريته في ‘الأجناس’، غير مسعفة في الوفاء بمطالب تجنيس الخطابات العربية وتصنيفها. ومن هنا اعتمد الباحث على ‘منطق’ الأجناس كما استخلصه من المادة النصية التراثية. كما يحسب للباحث استئناسه بالمرجعية العربية في تحديد المفهومات الأجناسية وضبط مجالات استعمالها. وبالرغم من متانة الأسس التي أقام عليها الباحث تصوره، فإن تعقد القضية المطروحة على بساط البحث، وتشعب مباحثها واتساع مداها، جعل عددا من آرائه قابلا للمراجعة والتدقيق. ولعل المأخذ الأهم على مقاربته متعلق بالمنطقات النظرية والاختيارات المنهجية التي أثرت حتما فيما توصل إليه من مواقف وما استخلص من نتائج. فقد تأرجح عمل الباحث، من الناحية النظرية، بين مناهج غربية عدة حاول التوليف بينها، متقصدا الإفادة من إيجابياتها واطراح النقائص، وهو ما عرض عمله لشوائب التذبذب والتناقض، ونمثل لذلك بتشغيل الباحث ‘الصيغة’ بمفهومها عند السرديين، فقد انتهى من ذلك إلى حصر الأجناس في ثلاثة هي الشعر والحديث والخبر، بل إنه يجزم أن ‘ كل كلام العرب يدخل بهذا الشكل أو ذاك ضمن هذا الجنس أو ذاك’ (ص: 198). وهي نتيجة توصل إليها يقطين من حصره لصيغ الكلام في صيغتين اثنتين هما ‘القول’ و’الإخبار’، ونرى أن الفوارق التي أقامها الباحث بين الصيغتين تحتاج إلى مزيد مراجعة وتدقيق، لأنها ليست واضحة بالقدر الكافي الذي يسوغ تعميمها في تطبيقات أخرى تبحث ‘السرد العربي’ الذي ينظر له يقطين.
ومن المفاهيم التي تحتاج كذلك إلى ضبط مفهوم ‘النمط’، الذي شاب تشغليه في الدراسة بعض غموض وتناقض، فقد ألحقه الباحث بكل من ‘الجنس’ و’النوع’ وجعل علاقته بهما مختلفة، لكنه لا يذكر من أمر هذه العلاقة المخصوصة التي تجمع النمط بالجنس والنوع سوى أنها ‘من طبيعة أخرى’.
وإذا كان الباحث يعتبر ‘التغير’ سمة ملازمة للنمط، فإننا لا نرى من مسوغ بعد ذلك لتفريع الأنماط إلى ثابتة ومتحولة ومتغيرة، اللهم الهوس التقنيني الذي استبد بعقل الباحث وجعله يصر على إخضاع تصوره، وكذلك فروع هذا التصور إلى تقسيم ثلاثي الأبعاد لا يحيد عنه مهما كلف الأمر بحثه من شوائب ومآزق منهجية، حدت ولا شك- من فعالية مقترحاته التنظيرية. ومن الناحية المنهجية، نرى أنه من الجرأة والطرافة بمكان أن يسعى الباحث إلى إرساء ‘نظرية عامة للكلام العربي’ في فصلين من دراسة وحيدة متوجهة أصلا إلى بحث جنس أدبي مخصوص هو ‘السيرة الشعبية’.
ومن مظاهر القصور المنهجي في هذه الدراسة أن الباحث لا يحدد المفهومات التي يشغل مثل الجنس والنوع بما هما وإنما اعتمد تجليات هذين المفهومين في كتب الأدب والبلاغة والنقد، كما طارد تجليات المفهومين في المصنفات الجامعة لما شعر به من حاجة إلى ضرورة اعتماد ‘النصوص’ في ضبط المفاهيم، وهو ما جعل الباحث مترددا بين مصنفات مختلفة ونصوص متباينة، لا نظن أحدا يستطيع الزعم أن بمكنته تحصيل ما فيها جميعا في فصل أو حتى في دراسة متخصصة، إن لم يعمد منهجيا إلى اجتباء ما يوافق تصوره وإقصاء ما عداه.
وبالجملة، فإن هذه المؤاخذات لا تؤثر على جدية العمل وجرأة ما استخلص من نتائج.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع