أخر تحديث : الثلاثاء 14 فبراير 2012 - 10:35 مساءً

مأساة أطفال الشوارع في مدن الشمال

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 14 فبراير, 2012 | قراءة

لكل بنيان أساس، ولكل هرم قاعدة، ولكل رحلة بداية، فالبناء تتحدد قوته وصلابته، أو ضعفه وهشاشته قياسا على نوعية أساسه ونسبة جودته، كما أن شموخ الهرم وسموق قمته وعلوها يكون حتما رهينا بمساحة قاعدة الهرم في ضيقها أوامتدادها، أما رحلة العمر ففي بدايتها تحدد وتسطر الأهداف التربوية والاجتماعية والمادية كذلك، ووسائل تحقيقها. والإنسان في هذه الحياة كائن اجتماعي، يستمد قوته وهويته من طفولته التي تمثل قاعدة وجوده الإنساني، وبداية رحلته العمرية من أجل تحقيق أهدافه في الحياة، عبر وسائل وكفايات علمية ومهنية وأخلاقية وسلوكية، وبهذا وذاك يضمن لنفسه موقعا في الهرم الاجتماعي، في سفحه أو في قمته، بناء على مستوى سعيه واجتهاده.
وعليه إذا قمنا جميعا – نحن أبناء المغرب الجديد، مغرب الديمقراطية وحقوق اﻹنسان – بجميع شرائحنا العمرية، وطبقاتنا الاجتماعية، وفئاتنا الفكرية، وفي مقدمتنا بالطبع المسؤولون في جمعيات حماية الطفولة وحقوق الإنسان، وأصحاب القرار في الحكومة، ومهندسو السياسات التربوية والاجتماعية والتنموية والدراسات المستقبلية، إذا قمنا جميعا بجولة استطلاعية في الخريطة الاجتماعية لبلادنا، وتفقدنا جغرافية المدن الكبيرة والصغيرة على حد سواء، فإننا سنجد الشوارع والساحات، يجثم على أرصفتها وفضاءاتها عشرات بل مئات الأطفال، وأجساد بشرية بلا طموح ولا هوية، بلا مأوى ولا عنوان، أطفال يمزقهم الضياع، ويقصيهم التهميش، ويغتالهم الإحباط، ويقبرهم التنكر في مقبرة النسيان، بعيدا عن حي الوزرات وقبة البرلمان.
مشاهد مفجعة لأطفال يمارسون هواية الهروب من الذات، ويتسابقون نحو التلاشي، ويتعاطون عقاقير الموت البطيء، ويستنشقون روائح الموت و”السولوسيون”، يمتهنون “التقرقيب والتشمكير” مهنة من لا مهنة له، وشغل من لا شغل له، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يعيشون بين الناس أشباحا، اختلس البؤس ابتسامتهم، ومزق الفقر ثيابهم، وبدل أن يأكلوا الطعام الشهي كباقي الأطفال أكل الجوع لحمهم، وهشم الضياع عظامهم.
أطفال كان من المفروض أن يكونوا في أحضان المدارس بدل الساحات والشوارع، أزهار في مقتبل العمر قطفها الجاني قبل الأوان من بستان الأسرة والرعاية، يصيبها الذبول لحظة بلحظة، أطفال رمى بهم التهميش والطيش إلى الشوارع، يتحركون وسط مثلث الموت والتشرد والضياع، بين ثلاث زوايا من “التشمكير”، والسرقة، والتسول، رجال صغار حرموا من حقهم في التعلم والرعاية، والإعداد للحياة، أطفال كبار حرموا من العطف والأحلام الجميلة، يكبرون يوما بعد يوم، وتكبر معهم معاناتهم ومشاكلهم وانحرافاتهم، فتغطي مساحات شاسعة من جغرافية المجتمع المغربي ـ في القرية والمدينة ـ بشتى أنواع الجنحة والجريمة.
في كل مدينة من مدن الشمال نزورها نجد بها شوارع وساحات تؤثتها مشاهد الانحراف والتشرد، ويظهر في واجهاتها السياحية أطفال في صورة أشباح، يضايقون أهل البلد والأجانب، نجد بها حدائق جميلة، يمازج أريج ورودها وأزهارها روائح “الكول والسولوسيون” الكريهة، في تلك الأماكن ينتصب جنبا إلى جنب الفقر والثراء، الأمل واليأس، هواية الموت وحب الحياة، أطفال المهمشين وأطفال المحظوظين، وعلى مرآة المجتمع المكسرة تنعكس صور التهميش الاجتماعي، وسوء التوجيه التربوي، وغياب التخطيط التنموي والعدالة الاجتماعية، التي لم تتجاوز مرحلة الشعارات ووعود الحملات الانتخابية وخطب المنابر، مرآة تعكس بصورة جلية هشاشة سياسية التشغيل، وتكرس برامج البطالة، في تلك الفضاءات الحبلى بأطفال الشوارع يتناسل اليأس والإقصاء، فيولد لدى الأطفال الشعور بالاغتراب في وطنهم، فيدفعهم إلى الهروب من ذواتهم إلى شوارع وساحات لا تسيجها ضوابط أخلاقية، يمارسون بإرادتهم، بوعي وبلا وعي كل أشكال الممنوعات، أما المسؤولون فهم واعون كل الوعي بتنامي ظاهرة أطفال الشوارع، ولكنهم يفرون إلى الخلف، ويمارسون الهروب والهجرة من المجتمع إلى الذات، ليهتموا بمصالحهم ومصالح أطفالهم، أما أطفال الشوارع فتلك قضية ومعضلة اجتماعية قد أجل النظر فيها إلى أجل غير مسمى.
هؤلاء أطفالنا، هؤلاء أبناء الوطن وهم أبناؤنا، هؤلاء مستقبلنا، إنهم أطفالنا اليوم، وشبابنا غدا، وكما يقال: قوة الأوطان في شبابها، فكيف إذن نستمد قوتنا من شباب أغلبهم يفتقد ﺇلى تلك القوة؟، كيف نبلور طموح مجتمعنا عن طريق شباب قتل اليأس طموحه وآماله؟.
أخبروني عن كيفية استنباط عبرة الوجود من أطفال وشباب لا يعيرون للوجود وجودا، كيف تتعلم الأجيال القادمة حب الحياة من جيل يمارس كثير من أطفاله الموت البطيء والتلاشي؟.
ومن حين لآخر تظهر بعض المبادرات الخجولة للتخفيف من وطأة الحزن والمعاناة عن هؤلاء الأطفال، لكنها تبقى ظرفية وغير كافية، وسرعان ما ينتهي الحلم الجميل، ويضغط الكابوس من جديد، وعودة إلى الشوارع وفضاءات المعاناة والضياع، إنها مجرد عقاقير مسكنة تؤجل معالجة الظاهرة الاجتماعية الخطيرة إلى الأمد المجهول، والحالة هذه أن الوضع الاجتماعي لأطفال الشوارع لا يحتمل الانتظار والتأجيل، بل يستوجب العمل على احتوائه، والظروف مواتية لجعل قضية أطفالنا المشردين في صدارة برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومن أولويات اهتمام الوزارات ذات الصلة بالطفولة والشباب، لمعالجة هذه الآفة الاجتماعية المعالجة الشاملة.

من كتاب ” مواطن على الخط”

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع