أخر تحديث : الجمعة 16 مارس 2012 - 11:34 صباحًا

مشروع الزواج وزواج المشروع

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 16 مارس, 2012 | قراءة

الزواج نظام اجتماعي، ورباط مقدس، بموجبه تنظم علاقة شرعية وقانونية بين الزوجين، يرضى عنها المجتمع، ويباركها الحق سبحانه وتعالى، يشكل النواة الأولى الصالحة لبناء المجتمع. وبدافع غريزي واجتماعي يبحث الإنسان عن زوج له، يرتبط به بروابط مقدسة، ويتعايش معه في بيت الزوجية، في ظل الشعور بالأمن والسكينة والتعاون، والطمأنينة والتكامل، ويعمل كل من الزوجين على خدمة الطرف الآخر وإسعاده، ويغذيان معا غريزة الأبوة والأمومة، وحب البقاء، وتعمير الكون بالإنجاب وتربية الأبناء، وإعدادهم لتحمل مسؤولياتهم في الحياة.
ذلك هو الزواج في شكله ومضمونه العام، غير أنه تأثر بتطور الأسرة عبر التاريخ الإنساني، وتأثرها بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبالظروف الزمانية والمكانية أيضا، فالأسرة في الجاهلية تختلف عن الأسرة في ظل الإسلام، وفي آسيا تختلف عنها في إفريقيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا، وفي المجتمع الفلاحي عنها في المجتمع الصناعي، وقبل الثورة الصناعية وعنها اليوم.
فقد عرفت الأسرة تطورا كبيرا في الوظائف والعلاقات بين أفرادها: ففي العهد الطوطمي اتخذت صورة مخالفة تمام المخالفة عنها في العصر الوسيط والحديث، وتحولت في مكوناتها وشكلها تحولا كبيرا ومتباينا، خلال عهد الآلة البخارية، وفي زمن التكنولوجيا، والذرة وعصر الإعلام والأنترنيت، ففي كل مرحلة من مراحل التاريخ البشري عرفت الأسرة تغيرات في مكوناتها ووظائفها وعلاقات أفرادها، ونمط تعايشها: فإلى عهد قريب، وخاصة في المجتمع المغربي، والمجتمعات الإسلامية، كان الزواج يتم عبر طقوس دينية، واجتماعية خاصة، فقد كان الزوج يعتمد في اختيار “الزوجة” على مواصفات إنسانية وعقائدية وأخلاقية، إذ يجعل من الورع الديني والسلوك القويم عنصرين أساسيين ضمن عناصر الاختيار، امتثالا لتوجيهات الحنفية السمحاء، ولقول خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم: “تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”.- رواه البخاري ومسلم-. غير أن الزواج اليوم قد تأثر بسلبيات الحضارة الاستهلاكية، وقيم الفلسفة البرجماتية النفعية، فأصبح الدافع إلى الزواج في كثير من الأحيان، هو العنصر المادي والغرض النفعي، وتحول الزواج من كونه ميثاقا مقدسا يربط بين الزوجين، إلى عقد إداري ينظم العلاقة بين شريكين في مشروع الزواج، وأصبحت الأهداف غير الأهداف التي سبقت الإشارة إلى بعضها، والدوافع غير الدوافع السالفة الذكر، فقد أخذ يتسرب إلى بلادنا “النموذج الغربي” مع اختلاف نسبي، فما هي أسباب زحف هذا النموذج من زواج المصلحة، وبالتحديد “زواج المشروع” على المجتمع المغربي؟.
يبدو أن الحضارة الاستهلاكية حولت كثيرا من الحاجيات الكمالية إلى خانة الضروريات، فزجت بالجميع في دائرة الاستهلاك، وبالتالي إلى التنافس على اقتناء مواد يمكن الاستغناء عنها، فاستنزفت مصاريفها الطاقة الشرائية للمستهلكين ذوي الدخل المحدود، فاضطر بعضهم إلى البحث عن موارد إضافية، لتغطية حاجياتهم الاستهلاكية، وما أكثرها!، فكان الزوج (مذكرا أو مؤنثا) هو المشروع الذي يضمن تلك التكملة، والقيمة المضافة، فأبرم عقد النكاح تحت شروط، أولها أن يتولى الطرفان المساهمة في ميزانية تسيير الأسرة، ومصاريف مشروع الزواج.
كما أن البطالة، والفقر المكتسب، المحفظ في السجل العقاري، واليأس من الفوز بمنصب شغل في سباق المارطون، والبحث عن العيش الكريم رميا بكثير من الشباب في ضفاف المقاهي، فأخذ يمارس هواية القنص في الغابة البشرية، عله يوما يقتنص عروسا غنية، أو غانية أعجمية تنتشله من البؤس والضياع، وتجعل منه رب أسرة من ابلاستيك، وفارسا بلا جواد، وزوجا من غير صداق.
وأمام إغراءات الحضارة الاستهلاكية، وبريق المظاهر المادية، وسحر الإشهار والدعاية، أضحت الفتاة المستلبة تنظر إلى مظهر خطيبها أو زوجها، ولا تعير اهتماما إلى علمه وأخلاقه وجاهه، ولا تود أن تمتلك قلبه ووجدانه، بل أصبحت منجذبة إلى سيارته وأملاكه، وإلى رصيده البنكي وسيولته المالية، وتسعى جادة إلى التسلل إلى جيوبه، والسطو على مفاتيح خزانته، وامتلاك أمواله، وتحويل ثروته ﺇلى خزانة مجوهراتها وحسابها البنكي.
وقديما كان العبيد يباعون في سوق النخاسة، ويعانون من ويلات سلطة المال وقهر الأسياد، وكانت الجواري تباع في الأسواق بالمزاد العلني، فجاء الإسلام، وكذلك الدساتير الوضعية لتحرير الإنسان من الاستغلال والظلم الاجتماعي، واليوم في ظل الجاهلية المعاصرة، ومن وراء أقنعة الحرية وحقوق اﻹنسان، وتحت ضغط الحاجة وإغراء المال نشطت مقاولات مشاريع الزواج الأبيض، وزواج المتعة، وزواج العقد المحدد بزمن خاص، وزواج المشروع، و…، وتفنن مهندسو الحياة الاجتماعية في ابتكار شروط الزواج لفائدة هذا أو تلك، فكانت المضاعفات خطيرة على حساب الأسرة والمجتمع، وتفاقمت ظاهرة عزوف الشباب عن الزواج، تقابلها ظاهرة كثرة الطلاق.
وخوفا من أن يسود هذا النمط الفاسد من الزواج الذي لا يهدف إلى بناء الأسرة المتماسكة، والمتعايشة في ظل التكافل والتعاون والسكينة والاطمئنان، والتضحية من أجل تربية الأبناء، ولكي لا يطغى على البيئة الاجتماعية التمزق العائلي، والزواج بالأجنبي أو الأجنبية، وحتى لا يؤثر على كيان الأسرة الفساد، والتنافر والنشوز، وينتشر الطلاق، يجب على الأسر المغربية ترشيد أبنائها وبناتها عند عملية اختيار الزوج، وتوعيتهم بضرورة توفر الحد الأدنى من مواصفات الزوج الصالح، لأن الزواج مسؤولية عظمى، ورباط مقدس، وأن يستوعب الشباب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرا، ومن تزوج امرأة لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة ليغض بصره، ويحصن فرجه، أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك لها فيه” ـ رواه ابن حبان (فقه السنة الجزء الثاني ص17)، فالغرض من الحديث الشريف هو ألا يكون الهدف الأول من الزواج هو هذه الغايات، من جمال ومال، بل يجب أن يكون الغرض الأساسي، والقصد الأول هو الاستقامة والتربية الحسنة على مبادئ الإسلام، وبعده تأتي باقي الصفات.
ولنحمد الله على أن “زواج المشروع” – هذا النموذج المؤسساتي في العلاقات الاجتماعية- لم ينتشر بشكل كبير يصعب محاصرته، ولكنه مع ذلك مؤشر خطير ينذر بتدمير العلاقات الإنسانية الرفيعة، وتشويه قدسية الزواج، إذا لم تتضافر الجهود للتوعية الاجتماعية، لحماية الأسرة المغربية من التصدع والتفكك، وتحصين الزواج ضد الطلاق والتشوه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع