أخر تحديث : الجمعة 27 أبريل 2012 - 10:59 صباحًا

لكسوس : من تحت الأنقاض تستغيث *

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 27 أبريل, 2012 | قراءة

مدينة لكسوس ملتقى الحضارات البائدة، والمركز التجاري الكبير، الذي توالى على قيادته كل من الفنيقيين والقرطاجيين والرومان، لم يحظ بأقل ما كان يجب أن يحظى به من عناية وتنقيب، فبقيت هذه المدينة الأثرية يلفها الإهمال، ويغطيها النسيان، ومع ذلك فهي تلوح من تحت ومن فوق هضبة عالية، تستغيث، وتنادي المسؤولين وعلماء الآثار، وكذا المسافرين وحتى المصطافين، ولا أحد يجيب أو يستجيب!
تصرخ بصوت مبحوح، قد تكسرت نبراته بفعل الرطوبة وسكون القبر، وتقول:

أنا لكسوس، عاشقة نهر اللكوس،
وعروس البحر، فهل من عريس؟،
قد أعياني الصمت الرهيب والحياة في مقبرة النسيان،
أعيش تحت التراب، وخارج منطقة الاهتمام،
بل داخل بؤرة التهميش،
إنني حبلى بكنوز الحضارات القديمة،
غنية بالنفائس الثمينة،
فهل من باحث ومنقب مستنير؟.
لقد أصابني الموت قبل الخريف،
كل الكائنات تموت مرة واحدة،
فلا تتركوني أموت ألف مرة،
الناس يكرهون النباشين وحفاري القبور،
وأنا أعشق معاولهم،
أطرب على نغمات ضرباتهم،
فأرجوكم أن تدعوهم ليزيحوا عني التراب،
ويرفعوا عني اللحد والجمود،
وأن يعروا منكبي،
ويكشفوا عن كفي الذين قيدهما النسيان والعقوق!.
يا أحفادي البررة من سكان العرائش والقصر الكبير،
سمعت همسا ينادي للصلاة، فأيقظوني لأصلي،
وقد عشقت الحياة، فساعدوني لأغني،
لقد علمت داخل زنزانتي الأبدية أن كثيرا من الندوات واللقاءات نظمت من أجلي، وتسابقت الخطب والكلمات نثرا وشعرا لتجسد بعضا من أمجادي، واختلف العرافون في تحديد ملامح هويتي، وتضارب الباحثون في اكتشاف حقيقتي، واستجلاء أسراري. أثناء تلك المناسبات الاحتفالية أصغيت إلى عزف الأنغام، رمقت من شقوق اللحد ألوان العيد، والعناق بين المتعلمين وأنصاف المتعلمين من جمهور تلك الندوات، وقد استهوتني ربطات العنق الجميلة، والبدل الرسمية الجديدة، والكل ينادي: ليكسوس، هسبريس، فحسبت لحسن ظني بأحفادي أن ﺇحدى بناتي قد زفت للمستقبل السعيد، أو أن مشروعا تنمويا قد أنجز ليخفف من معاناة البطالة عن أبنائي، فقلت لنفسي: لابد لأم العروس أن ترحب “بالمعزومين” والضيوف، ومن واجبي كذلك أن أقدم الشكر لمن وفروا الشغل لأحفادي، فمددت يدي إلى ملابسي القديمة لآخذ زينتي فلم أستطع، لأنني وجدت نفسي مقيدة، واستفسرت عن حالة سرابلي، فأخبروني أنها بالية ممزقة، ثم أمرت بإشعال شموع الفرح، فأبلغوني: أن في أعماق القبر لا يسود إلا الظلام، وبالتالي لا يوجد عود ثقاب، فأيقنت أنني “لكسوس” أم الحضارات مدينة محنطة، وأن العقوق والنسيان اغتال فرحتي، وأن الجحود أطفأ نور ابتسامتي، ورقص طربا في مأتمي!
هذا نداء مدينة “لكسوس” ملتقى الحضارات القديمة، طرق مسمعي عند مرور الحافلة بجانب سور التهميش الذي حاصرها مئات السنين، إنها تستغيث عساها تجد من ينتشلها من هوة العدم، ومقبرة النسيان، ونحن بدورنا نردد معها هذا النداء، لعل صداه يصل إلى الجهات المعنية من مؤسسات وجمعيات حكومية وغير حكومية، فتتحرك الإرادات الوطنية لإنقاذ هذا التراث الحضاري المدفون على مقربة منا، قد لا نحتاج إلى معاول للحفر، نكتفي فقط باستعمال الأظافر، المهم أن تتولد لنا قناعة وإرادة وطنية.

* مقال صحفي نشر في كتاب : مواطن على الخط

 


أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع