أخر تحديث : الإثنين 14 مايو 2012 - 2:33 مساءً

ثقافة استهلاك ما سبق استهلاكه

ذ محمد الموذن | بتاريخ 14 مايو, 2012 | قراءة

تكاد تشمل ظاهرة ﺇعادة الاستهلاك جميع المجتمعات المتخلفة، القليلة الدخل الفردي، التي لم تستطع بعد الابتعاد عن حافة الفقر، ولم ترق ﺇلى تحقيق دخل فردي يضمن كرامة العيش، ويغطي مصاريف البيت، ويوفر متطلبات الحياة، فظاهرة استهلاك المستهلك ( بفتح اللام) تطغى على المجتمعات التي تقل فيها فرص الشغل،

وتنتشر بها البطالة، وكأن قدر عامة الناس في تلك المجتمعات هو التبعيـة في كل شيء.

ـ “أولائك” يستهلكون عجلات السيارات، و”هؤلاء” يعيدون استهلاكها وتشغيلها، ولكن بأسلوب آخر، ولفائدة مستهلكين من الدرجة الكادحة، ﻓﺇذا كان الأغنياء قد استغنوا عنها ولم تعد صالحة للاستعمال، بسبب رفض سياراتهم الفاخرة انتعالها حفاظا على سلامتهم ﻔﺇن بسطاء القوم من الحرفيين والفقراء اتخذوا منها قاعدة لأحذيتهم، لتقوى على تحمل مشاق الطريق وأشوك الحياة،وتقاوم الزمن، ولتحفظ على الأقل أقدام العمال والعاطلين من التشقق، ومن حسن الحظ أن قانون السير ببلادنا يعاقب أصحاب السيارات ﺇذا لم يجددوا عجلات سياراتهم من حين لآخر، ولا يعاقب من ينتعل حذاء مترهلا، أو خفا ممزقا، أو من يمشي حافيا، وهذا طبعا امتياز لصالح الفقراء والمساكين والمشردين والعاطلين عن العمل، لكنه امتياز غريب!.

ـ “وهؤلاء” قد تغذوا لحما طهيا ورموا العظام، والتهموا دجاجا شهيا ورموا الريش تدريه الرياح، فجمعها المحتاجون عظما عظما، وريشة ريشة، واستغلها الأطفال في اللعب، لأنهم لا يحلمون بامتلاك لعب كهربائية وإلكترونية، أما الكبار والآباء فقد صنعوا من العظام أدوات بسيطة وأمشاطا، ومن الريش مكنسات ﻹزاحة ونفض الغبار عن آتات الأغنياء والأثرياء المحتكرين لخيرات الوطن.
ـ وهناك من يرتدي الملابس مرة واحدة، أو مرتين، أو حتى ثلاث مرات، ثم يلقي بها في السوق الشعبية، فتتلقفها أيدي الباعة، وتتقاذفها الأسواق والأقدار حتى “يفوز” بها أحد البسطاء الكادحين، الذين يعملون كثيرا ولا يستفيدون ﺇلا قليلا، “اقلب شقلب” سوق عريضة جدا، على امتداد مساحة الفقر والبطالة على جغرافية الاحتياج والمعاناة، يدخلها الفقراء وحتى أصحاب الدخل المتوسط، وأصحاب الدرهم الحلال، يدخلها المرء عاريا، ويخرج منها كاسيا، بثمن زهيد يشتري ملابس وأدوات سبق استعمالها غالبا من الأوروبيين، ولكن “العين بصيرة واليد قصيرة” و”كاد الفقر أن يكون كفرا”.
ـ قد نتفق جميعا على أن سلع الغرب المستعملة، وآلياته البالية تنافس منتوجاتنا الوطنية في الجودة رغم أنها مستعملة، وقد تتسبب في ﺇفلاس بعض الشركات، وﺇقفال بعض المصانع، فتكون مضطرة ﺇلى تسريح العمال، والمساهمة في مضاعفة حجم البطالة، وتفاقم المشاكل الاجتماعية، وقد ننادي جميعا بضرورة حماية المنتوج الوطني، وضمان سلامة السوق المغربية من المنافسة الخارجية، والمستهلك المحدود الدخل من نفايات أوروبا، حتى لا يتحول المغرب ﺇلى مقبرة لمتلاشيات الغرب، ومزبلة لمختلف بضائعه الفاسدة وسلعه المستعملة.
ـ ولكن لا نختلف كذلك على ضعف الطاقة الشرائية للمواطن المغربي، وذلك ﺇما بسبب البطالة، أو بسبب ضعف الراتب الشهري، أو قلة الدخل الفردي، وفي جميع هذه الحالات لا يسمح له وضعه المادي بشراء منتوجات وطنية جديدة، وغالية الثمن.
ـ فقبل البحث عن أسواق جديدة خارج الوطن، يجب الاهتمام بالسوق الداخلي أولا، وتنظيم الحركة التجارية ببلادنا ثانيا، ليس فقط بمحاربة تسرب تلك البضائع المستعملة، ولكن برفع الدخل الفردي للمواطن المغربي، وآنذاك سيقبل تلقائيا على شراء السلع والمنتوجات الوطنية الجديدة، ويساهم في تنشيط الاقتصاد الوطني، والتنمية الاجتماعية.
ـ في كل مجتمع فقير متخلف تبرز ظاهرة ” استهلاك ما سبق استهلاكه”، و ﺇعادة تشغيل ما هو معطل، واستغلاله بشكل أو بآخر، ومع الأسف الشديد أن مغرب اليوم – لا مغرب برنامج ” مسافر” و”مشاريع” – لا زال أغلب أبنائه يبحثون في أسواق “اقلب شقلب” عن شيء يمكن ﺇعادة استغلاله واستهلاكه، لأن دخلهم الفردي- ﺇن كان لهم دخل – لا يسمح لهم بشراء متطلبات الحياة في حالتها الجيدة، وقبل استعمالها من المحظوظين المغاربة أو الأجانب، وفي انتظار ﺇنجاز “الربط القار” بين المغرب وﺇسبانيا وأوربا يجب أن نستعد ونتهيأ لهذا العبور، فلا يشرف أبناء مولاي ﺇدريس، ولا أحفاد طارق بن زياد،ولا أحفاد أبطال معركة وادي المخازن، ولا جيل المسيرة الخضراء أن يعبروا “الربط القار” ﺇلى أوربا بأحدية مستعملة، وأرجل مستعارة، فقد عبر طارق بن زياد، ويوسف بن تاشفين البوغاز على مثن سفن فاتحة، ونحن – جيل المسيرة والعدالة الاجتماعية– نريد أن يكون عبورنا على مثن سيارات فاخرة، أو على صهوة فرس عربي أصيل، وبزي مغربي جديد.



من كتابه الذي لم يطبع بعد “فواصل”

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع