أخر تحديث : الجمعة 1 يونيو 2012 - 2:34 مساءً

ديمقراطية نقابية

ذ. سعيد الحاجي | بتاريخ 1 يونيو, 2012 | قراءة

الديمقراطية في المغرب دائما ما تتجلى في صور تبدو غريبة في معظم الأحيان وعلى مستويات عدة، فالكل يتحدث عن الانتقال الديمقراطية والسير الحثيث نحو الديمقراطية، وترسيخ السلوك الديمقراطي الذي لا يعرف أحدا متى بدأت ممارسته حتى يتم ترسيخه.

طبيعة السلوك الديمقراطي في المغرب تنسحب على كل المجالات بدءا من السياسة إلى الاقتصاد إلى الرياضة إلى العقلية المجتمعية وصولا إلى الفعل النقابي الذي يشكل دعامة أساسية في نشر الديقراطية وقيمها والدفاع عنها، لكن بقدر ما للنقابة كإطار حقوقي فئوي من دور جوهري على هذا المستوى، بقدر ما نجدها أبعد ما يكون عن الديمقراطية من خلال تسييرها الداخلي .

ثلاث نماذج نقابية مغربية تبين بوضوح كيف تمارس الديمقراطية في المغرب، فالاتحاد المغربي للشغل ومنذ تأسيسه حيث كان يمثل القوة النقابية التي كانت الدولة تحسب لها ألف حساب، فقد كتب عليها أن يبقى المحجوب بن الصديق ماسكا بعنانها إلى أن ووري جثمانه  الثرى، ولم ينفع في ذلك لا قوانين تنظيمية ولا مؤتمرات نقابية تعقد بفارق سنوات ضوئية عن بعضها البعض، ولا دعوات تشبيب القيادة ولا تراجع مستوى الأداء النقابي وغير ذلك من الأسباب التي يكفي توفر نصفها فقط لكي تخضع النقابة للتغيير الجذري وفق قواعد الديمقراطية السليمة في البلدان التي تحترم فيها النقابات نفسها، والحال أن أنه بعد وفاة بن الصديق تفرق دم النقابة بين القبائل داخلها فمنهم من طرد ومنهم من ينتظر .

الاتحاد العام للشغالين بالمغرب يشهد تاريخها أيضا محطات غير ديمقراطية ، فانتقال القيادة من اسم إلى آخر لم يكن بالضرورة في مناخ ديمقراطي يجعل الانتقال يبدو طبيعيا، فإما (قلة الصحة ) حسب التعبير المغربي الدارج في حالة انتقالها من أفيلال إلى بنجلون أندلسي، أو دسيسة وانقلابا أبيض بمواصفات (شباطية) جعلت الأندلسي يخرج منها مذموما مدحورا .

الكونفدرالية الديمقراطية للشغل نقابة نوبير الأموي أو (بوسبرديلة ) كما يحلو للبعض تلقيبه، لا تزال في حفظ الله ورعايته في كنف نوبير الذي لا يفكر يوما في منصب شرفي حكيم على رأس النقابة وإتاحة الفرصة لخلف قد يعيد بعض الوهج لنقابة اختارت رمي طلاق الثلاث على حزب الاتحاد الاشتراكي الذي استعاض عنها بتأسيس نقابة تقيه حر الهجمات المتتالية من طرف الخصوم وتحقيق بعض المكتسبات بعد أن اكتوى بنار تجربة التناوب وأصبح جسده معرضا لنهش أطراف لا تريد له العودة إلى سابق تألقه.

نوبير وبعد أن حوله النسيم العليل لسهل الشاوية في منزله الريفي إلى عاشق لممارسة رياضة التأمل، استقيظ فجأة ليجيش النقابة في مسيرة بيضاوية علها تعيد إليه صورة النقابي الذي يقذف من فمه لهبا ونارا لا تبقي ولا تذر، وبعد أن اعتقد الكثيرون أن (بوسبرديلة ) بصدد الاعداد لانتقال القيادة إلى وجه جديد، فإذا به يدير المحرك ويقبض على عجلة القيادة .

ثلاث نقابات تاريخية إذن تعطي النموذج الديمقراطي في التسيير بما يلاءم الوضع السائد في البلاد، ديمقراطية القيادة الطويلة الأمد وديمقراطية الرموز التي لا تكتفي بدور الإلهام والحكمة والمحافظة على الثوابت والتراكم وإعداد الأجيال القيادية المقبلة، بل تصر على أن تبقى قائدا ورمزا وحكما وخصما إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ولتؤجل الديمقراطية النقابية حتى إشعار آخر .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع