أخر تحديث : الإثنين 16 يوليو 2012 - 7:26 مساءً

زيــنـــب

ذة. مليكة زاهر | بتاريخ 16 يوليو, 2012 | قراءة

 

لحظة حزم ابنتي لحقائبها، لحظة تقبيلها يدي، طالبة الدعاء، لحظة أصبح كما هائلا من المشاعر الممزوجة بالخوف و الحزن، لحظة سقوط دمعة مرفوقة بابتسامة مرسومة بجرح و ألم لفراق ابنتي …

أدرك يا زينب معنى الاغتراب و الذهاب إلى ما سميناه بأمل مفقود بلاد الفرصة و النجاح “وطن الغربة” فهمت يا ابنتي بعد فوات الأوان، أن معنى الغربة هو أن ينسوك من أحببتهم و صادقتهم، أن تعبري المحيط تاركة ورائك ذكريات طفولتك البريئة و سنوات دراستك المتعبة و الجميلة، و أن تصبحي ممن ينتظرون في كل الطوابير الآتية إلى الوطن الحبيب، حاملة هرما من الاشواق و الذكريات، و أن تصبح الأشياء لا طعم لها و لا لون ولا رائحة، قيل لي كثيرا يا بنتي – الغربة قاسية ! – كنت أجيب بكل سهولة و أنانية : فليكن ! فأحيانا يشعر المرء بالغربة في وطنه فما معنى أن يعيش مهمشا، لا عمل، ولا تغطية صحية، ولا سكن و لا كرامة و لا…ولا…ولا حتى فرصة يستفيد منها. فلا يغترب مادام سيرضي طموحه و يصبح ذا شأن في بلاد النجاح و الفرص؟

قيل لي يا بنتي، في الغربة على المرء أن ينسى ماضيه و تاريخه، قلت آنذاك، فليكفي الحاضر مادام الماضي لا يذكر المرء إلا في المساوئ، ما المطلوب؟ أن يتذكر فواتير متراكمة من الديون؟

أبناء يبكون سوء حظهم من التمييز و إقصائهم من فرص الشغل…آباء تعبوا لتربية أبنائهم ليرتاحوا في كبرهم، فذهب شقاهم سدى، و أصبحوا يعيشون أواخر عمرهم بخوف في قلوبهم لا ينامون حتى يطرق أبنائهم بابهم خوفا من الاعتقالات لكثرة احتجاجات فلذات أكبادهم على الشغل، و على إثبات وجودهم في الحياة…

قيل لي، لم يهاجر الشباب؟ فأجيب غير مبالية “و لم لا يغادرون؟” “لم البقاء؟” فالشيخوخة مخيفة ببلدنا، فليهاجروا حتى تدركهم الشيخوخة، حيث يكرم المسن.
ماذا لدينا لهذه الشريحة في مجتمعنا؟ لا شيء سوى البؤس، و الحرمان و الموت السريع، حتى الاحترام يفتقدونه بيننا…

لكن، كلما لوحت بيديك و أنتِ تبتعدين، ورغم حياتك الجميلة هناك، توقظني دمعتي الساخنة على وجنتي، لتذكرني بهموم و ألام أباء فقدوا أبنائهم من أجل حلم كاذب، شباب ضحوا بأرواحهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، حيث ينتظرهم المجهول و الواقع الصادم…

علمني يا ابنتي فراقك و ضيافتك لي هناك ببلاد الغربة أن مر بلادي أحلى و أحلى من عسل الغربة، و أن أعيش بوطني رغم احتياجي، شامخة الأنف، معززة و مكرمة وسط أهلي و جيراني، خير لي من عز مصطنع وسط أقارب غرباء.

فتحية إلى كل المهاجرين، و تحية تقدير و احترام لكل أم عانت و ثابرت و صبرت من أجل فلذات أكبادها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع