أخر تحديث : الجمعة 17 أغسطس 2012 - 3:54 مساءً

على النخبة السياسية المغربية السلام

ذ. سامر أبوالقاسم | بتاريخ 17 أغسطس, 2012 | قراءة

المقام اليوم، لا يتسع لرصد وقراءة وتأويل تاريخ الأفكار والوقائع والأحداث والمؤسسات والأسر والشخصيات، بالقدر الذي لا يتسع لتعويم الخطاب والبحث عن سبل إسقاط الطائرة في بلاد البنغال لمحاولة سبر أغوار الانعكاسات السلبية أو الإيجابية للأزمة الاقتصادية والمالية العالمية على حالتنا ووضعيتنا الوطنية.

المقام اليوم، لا يصلح لكل تلك المراوغات والمناورات والفدلكات الخطابية والسجالية والسياسية ذات النفحات المصلحية، التي ليس بإمكانها القيام لا بتقديم ولا بتأخير أي حدث ولو كان من حجم الأحداث الصغيرة غير المؤثرة سوى في دائرة جد ضيقة داخل مجتمعنا العزيز.

المقام اليوم، هو مقام إعادة طرح التساؤل الذي سبقنا إليه غيرنا، وهو ما يجعلنا مصرين على أن تاريخ البشرية ملكية غير قابلة للخوصصة، بل في تعميمها قد تكون الفائدة أعم وأوفر، والتساؤل لا يخرج عن نطاق: ما العمل؟

بمعنى آخر؛ هل يمكننا أن نكون في خندق واحد للاستماتة في الدفاع عن الحقوق والحريات، ومحاربة كافة أنواع وأشكال الفساد المستشري، والعمل على تحرير طاقات المجتمع في كل المجالات والمستويات، لمواجهة مستوى جديد من الأمية والجهل المتصلين بكيفية تدبير وتسيير الشأن العام من الموقع الحكومي؟
فغياب التصور والقدرة على التخطيط الاستراتيجي وإمكانية البرمجة الدورية للمفاصل العامة للاستراتيجية الحكومية، كل هذا يؤشر بشكل دال على أن بؤرة التوتر داخل بلادنا ستزداد تفاقما مع هذا الجهل التام بمعرفة طرق الإجابة عن معضلات التشغيل والسكن والصحة والتعليم والعدالة، وقبلها الجهل بكيفيات توفير الأجواء السياسية المناسبة للشروع في مباشرة ذلك.

فالوطن يسير إلى الخلف، ويعرف تراجعات خطيرة على كافة المستويات، والمؤشرات كلها تفيد أننا في الطريق إلى تذوق طعم آخر من التحكم بنكهة التدين الإسلامي الحنيف، ونتائج صناديق اقتراع 25 نونبر 2011 أخطأت الموعد مع التاريخ، من حيث توفير الشرط السياسي للإصلاح القانوني والمؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي.

والمواطنات والمواطنين الذي بوأوا حزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة الحالية أخطأوا الموعد مع الفرصة التي كانت سانحة لمباشرة طرق وكيفيات معالجة الاختلالات وتجاوز التعثرات، وصوتوا لفائدة من هو اليوم متردد بين الإعلان عن عجزه في إدارة الشأن العام وبين الاستمتاع بموقع رئاسة الحكومة والاستئناس بإمكانية تحكمها في الدولة والمجتمع وتسلطها على شعب بما من نخبه متعددة المشارب، وبين عدم مبارحة التوظيف السياسي للدين بهدف إدامة مبدأ الطاعة الواجبة على المحكوم تجاه الحاكم، هؤلاء المواطنون والمواطنات هم اليوم في حيرة من أمر إصلاح شؤونهم العامة والخاصة.

والحقيقة هي أن المغاربة حين سينتبهوا ـ بفعل استدراكي متأخر ـ إلى أكبر عملية سرقة موصوفة وقعت في تاريخهم؛ من حيث سطو الجماعات الدينية السياسية على ما تراكم على المستويات الحقوقية والسياسية والاجتماعية، وحين سيستوعبوا أنهم هم من سهل عملية السطو هاته، في نكران تام لكل الجهود والتضحيات الجسام التي قدمتها القوى الديمقراطية والتقدمية على مر العقود والسنوات منذ الاستقلال إلى الآن، سيكون الوقت قد فات، وأن الحكم أصبح قائما على أساس الحق الإلهي أو العناية الإلهية.

لن نخفي حقيقة توجساتنا من خلال هذه الخلاصات غير المرعبة التي تنبعث من عملية تفكيرنا في حاضر ومستقبل هذا البلد المهدد في أمنه واستقراره، لكن نود بالأساس التنبيه إلى ما ينبغي القيام به قبل فوات الأوان، بحيث لا يمكن لأي عاقل اليوم، وأمام ما نعيشه من تخبط، ألا يجعل في المقام الأول التأكيد على المنظور التكاملي للفعل السياسي كمسؤولية مشتركة لمختلف الأحزاب السياسية.

كما لا يمكنه بطبيعة الحال أن يزيغ عن سكة التأكيد على تملك القدرة على وضع تصور مندمج لدور الأحزاب في النهوض بالفعل السياسي في هذه المرحلة الدقيقة والمفصلية من التاريخ السياسي المغربي الحديث والمعاصر، واستعادة دور المثقف والفاعل السياسي في غرس القيم والاتجاهات والميول والمواقف والسلوكات السياسية الإيجابية.

علما بأن كل ذلك سيبقى ناقصا ما لم يكن مصحوبا بإيلاء الأهمية اللازمة لدور التصورات السياسية الاستراتيجية والبرامج السياسية المرحلية في الفعل والتنشئة السياسيتين، والتركيز على الجدية والمسؤولية في الخطاب والممارسة، للحفاظ على ما تبقى من مصداقية تجاه الموطنات والمواطنات.

ولِمَ لا، تجاوز عقدة التصنيفات السياسية الماضوية، وتبادل الأحزاب للخبرات فيما بينها، في مجال الفعل والتنشئة السياسيين، والاطلاع على التجارب الريادية العالمية في مجال الأداء السياسي المتفاعل مع كافة متغيرات المحيط السياسي الداخلية والخارجية.

فدون الفعل في الميدان، ودون ربط الوشائج والصلات، ودون الانخراط الجدي في الدفاع عن قضايا الفئات والشرائح الاجتماعية، المعوزة منها على وجه الخصوص، ودون إيقاف زحف الانتهازية والوصولية التي اجتاحت الأحزاب يمنة ويسرة، دون ذلك فعلى النخبة السياسية المغربية السلام.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع