أخر تحديث : الأحد 26 أغسطس 2012 - 6:56 صباحًا

بسطاء يعيشون في الهامش.. القصر الكبير نموذجا

ذ. محمد الشاوي | بتاريخ 26 أغسطس, 2012 | قراءة

ربما هو بؤس القدر و هزأته من الإنسان ، نظراً لتظافر التجارب و الخبرات اليومية التي يتعلمها ويكتسبها من المجتمع ويعمل على تلقينها للأجيال التي تأتي من بعده من منطلق أساسي مفاده أن السابق من الأجيال هو لبنة أساسية تنبني عليها الأجيال اللاحقة ،وهذا هو قانون التاريخ البشري الذي أكدته الدراسات و الأبحاث

سواء في حقل العلوم الحقة و الدقيقة sciences exactes وكذلك في حقل العلوم الإنسانية sciences humaines التي تهتم بدراسة الإنسان (علم النفس ،علم الإجتماع ،التاريخ ، الأنثروبولوجيا …)؛ فالسابق يؤسس للفكر اللاحق تراثا و فناً و إبداعاً … في شتى المجالات وحتى في التربية التي نتلقاها من المجتمع ( الأسرة،المدرسة،الشارع…)

 

يأتي هذا المقال ليس فقط لإرتباطي بمدينتي ومسقط ورأسي القصر الكبير كمكان وفضاء لمختلف أحداث هذه القصص التاريخية التي عاشتها ساكنة المدينة، بل من عمق المعنى و الدلالة الإنسانية لهذه الأحداث والوقائع المثيرة للجدل و للنقاش الجاد حول ماآلت إليه شخصيات هؤلاء البسطاء الذين قد نجدهم على قارعة الطريق أو بين المتسوليين  و المعتوهين الذين فقدوا ملكة العقل الذي نميز به بين الخير و الشر و الصدق و الكذب،فهو الذي يضفي النظام على سائر الأشياء والموجودات.

هم بسطاء يعيشون في الهامش معروفون وفي نفس الوقت مجهولون ؟ معرفتهم ترتبط بما حققوا من خدمات للمجتمع ومن عمل باخلاص ونية صادقة، أما جهلهم أو بالأحرى تجاهلهم من طرف البعض كمحط سخرية وضحك يكشف النفاق الذي نروج له داخل المجتمع في شكل النميمة و كلام السوء و الباطل حتى لو كان المقصود حيا أو ميتا.
ف”محمد ” أو ” لْهْضْلْضْلْ” كما يصطلح عليه بين الناس هو ضحية من ضحايا “المجتمع الأناني” و النرجسي الذي لايفكر إلا في نفسه ويقصي كل خارج عن مساره وقواعده التي يحددها ” الوعي الجمعي ” “conscience collective ” بالمعنى السوسيولوجي للمفهوم وكما سبق وأن حدده عالم الإجتماع الفرنسي ” إميل دوركايم”
E.durkheim في كتابه” قواعد المنهج السوسيولوجي” “Les règles de la méthode sociologique ” وخصوصا في الطابع الإكراهي لسلوكات الأفراد التي لايمكن أن تخرج عن ما يحدده المجتمع ،وحتى في حالة خروج أحد الأفراد عن هذه القواعد و الأعراف الجمعية فإنه يعاقب إما عقاباً مادياً أو معنوياً ولعل هذا ما انطبق على شخصية “لْهْضْلْضْلْ ” الذي مات مشوها بمرضه ومأساته رغم لباقة معاملته ونبل سلوكه، وكان عقابه من المجتمع ماديا و معنويا.

وهناك من هؤلاء البسطاء شخصا يلقب ب ” الكاناريو” الذي كان عاشقا محبا لتربية الطيور وحسن السلوك ،إذ انتهى مجرماً وقاطعاً من قطاع الطرق …
فعلى سبيل المثال لا الحصر من نفس هذه الشريحة الإجتماعية المحرومة و المهمشة أستحضر “خْويلَقْ” الذي ذهب ضحية بساطة عقله وبذانة جسمه ، فقد إستغل جنسيا وبالقوة من طرف قطاع الطرق و اللصوص ، وقام المجتمع بدوره بطرده من رحمته حينما ثم رميه بالحجارة من طرف بعض الأحياء الشعبية نظراً لسلوكاته المثيرة للجدل ،إذ تظهر هذه السلوكات في رفضه للباس الذي يقدم له من طرف بعض المحسنين ، فكان بعدما يلبسه لهنيهة ثم يقوم بتمزيقه حتى يصير عارياً كرد فعل على ما يمارس عليه من عنف وعدوانية من طرف عديمي الضمير و الإنسانية ،وهو في نفس الوقت تعبير عن وجوده و تحدي للمجتمع الذي أهمله لظروفه الإجتماعية القاهرة ،شاءت أقداره أن يكون وحيدا كالغصن المنقطع عن الشجرة .

وهناك من هذه الشخصيات من ذهب ضحية صدمة نفسية حادة تعرض لها في موقف من المواقف المرتبطة بالفقر وإكراهات المجتمع التي تفرض علينا كالموت ، فقدان الأسرة وتمزقها ، الإجرام ،الطلاق الفساد ،البغاء… وكما يقال في المثل :”مجبر أخاك لا بطل” .

أستحضر هنا المرأة الأسطورية “حمدانة” التي كانت تصيح في مختلف أحياء وأزقة المدينة بقولها: ” بْرْ بْرْ ” ، فقد يكون لهذه العبارة الشبه مفهومة معنى لاشعورياً عميقا أو حقيقة كامنة حسب الفيلسوف الفرنسي “باسكال” الذي أكد أن : ” المجنون فقد كل شيء إلا عقله” “le fou perte tout sauf la raison “
B.pascal وكما يقال في المثل الشعبي المغربي : “لْحَقْ ما كِقولو هِي صَابي أولاَ لْحْمَقْ ” ربما هي الأزمة النفسية التي تعرضت لها هذه المرأة حسب بعض الروايات في كون إخوتها الرجال كانوا من ذوي السوابق العدلية وهذا ما إنعكس على بنيتها النفسية ،و ربما هو أيضاً وفاة أسرتها في حادثة أمام عينيها هو ما أدى إلى مرضها حسب ما يقول البعض “والعهدة على الراوي” .
الشيئ الذي إنعكس على بنيتها النفسية وجهازها النفسي الذي فقد مبدأ الشعور و الوعي le conscience وأصبح يحتكم إلى اللاشعور l’inconscience و ” الهوle ça”في غياب كل الميكانيزمات و الآليات الدفاعيةLes mécanismes de défences التي يحتاج إليها “الأناle moi ” بل وحتى “الأنا الأعلىle sur-moi” الذي يجسد المجتمع عندها لا يحضر إلا قليلاً حينما تكون رفقة إبنتها في المنزل التي تعمل على رعايتها أو إذا إلتقت بمن تعرفه من ساكنة المدينةالذين كانوا جيرانها بالحي القديم الذي كانت تقطنه أنظر نظرية التحليل النفسي عند سيجموند فرويدla théorie psychanalytique s.freud ) الغريب في الأمر رغم كل هذه الأزمات و المعاناة النفسية فهي ما زالت تحتفظ بالحس الإجتماعي و بالبعد التضامني،فهي دائماً تحمل بيدها مكنسة وأكياسا بلاستيكية ، تنظف الممرات و الطرق و خير دليل على ذلك نظافة الحي الذي تقطنه بدرب
” مولاي عبد القادر” بجوار” دار غيلان” و” سيد الكنيكسي”.

ويحضرنا هنا أيضاً شخص آخر لايخف عن ساكنة المدينة ، معروف ببنيته الجسدية التي تشبه إحدى نجوم سينما “هوليود” (سينكو نيريsin coneri) كما يقال لدى ساكنة المدينة ، إنه”أحمد الفلاقي” ،هذه الشخصية الغامضة التي لم تفهم ، فهناك من يقول بأنه هارب من العدالة في صورة مجنون “هْبْلْ تْرْبَاحْ ” وأنه لص من اللصوص وقاطع من قطاع الطرق هرب من الشرطة مختبئا في إحدى الأغراس المهجورة بجوار” واد لوكوس” فسقط في مستنقع من الواد الحار ” باخْرارُو” وأثناء خروجه منه في ليلة ظلماء أصيب بمس من الجن فقد على إثرها عقله، وظل إلى اليوم إن كان على قيد الحياة ، يربي الكلاب الضالة ويقتات على الأكل الفاسد من بقايا الطعام الملقاة في الأزبال و يأكل رفاة الحيوانات الميتة و بقايا لحومها المسماة ب ” الجيفة ” بجوار أدغال “واد لوكوس” و الأغراس المجاورة له.

نعود لشخصية “محمد “”أو”لْهْضْلْضْلْ ” كما يفضل ساكنة المدينة تلقيبه ويرفض هو بتحفظ. إنه رجل خدوم وحسن السلوك و الأخلاق ، كانت نهايته مأساوية مثل “تراجيديات” الأعمال المسرحية العالمية ، التي غالبا ما تكون نهايتها أن يضحي البطل ك”كبش فداء””un Bouc émissaire” بطريقة درامية حزينة قد تبكي المتلقي الذي يتتبع الأحداث على خشبة المسرح.هكذا كانت نهاية هذا الرجل الذي كان خدوما في كل شيء ،يعمل على مساعدة الجميع من قريب أو بعيد .

جاء لقب ” لْهْضْلْضْلْ ” الذي ارتبط بلباسه المهلهل و المقطع وكذلك طريقة مشيه واتساع جسمه و قامته التي تستوفي متر وثمانون سنتيم ، فقد كان مضحكا يفرح الآخرين رغم فقره وعمق مأساته إنه مثل ” البهلوان” الذي يسعى جاهداً إلى إدخال الفرح والسرور في نفوس الآخرين وغم معاناته و مشاكله فمهنته تقتضي ذلك .
كذلك هي مهنة ” لْهْضْلْضْلْ “الذي لا يمكن أن تجده إلا ضاحكا يسخر من واقعه المر و من بؤس القدر و هزأته ،فهذه هي ميكانيزماته الدفاعية التي يستخدمها بشكل لاشعوري
للحفاظ على استمرارية توازنه النفسي.
قد تشمئز منه أحيانا إذا لاحظت وساخة ثيابه وعدم نظافتها إلا أنه نظيف الأخلاق والسلوك . دائماً يجلس في مكان استراتيجي يمر منه الناس حتى يجد من يساعده لكي يسد جوعه وقوت يومه ، بل وحتى قوت بعض الكلاب الضالة التي كان يقوم بتوفير الغداء لها ،بكل إخلاص ووفاء وبروح الإنسانية التي لم تغادره في كثير من معاملاته مع الناس ، الذين تخلوا عنه في النهاية. صدق الشاعر حينما قال:
إن أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

يحكى أن رجلاً من الجالية المغربية المقيمة بالخارج طلب منه أن يحضر له علبة سجائر ، فذهب “لْهْضْلْضْلْ” لإحضارها ، فلما عاد لم يجد ذلك الرجل في المقهى فسأل عنه النادل فقال له أنه إنصرف إلى حال سبيله ،فقرر أن يحتفظ بالعلبة و النقود المتبقية إلى أن يرى ذلك الرجل ، فمرت سنوات وعاد ذلك الرجل من خارج الوطن ، فبينما هو جالس في نفس المقهى ذهب عنده فأعطاه علبة السجائر و النقود المتبقية ،مستغربا نبل أخلاق وشمائل “لْهْضْلْضْلْ ” ، فرغم أنه كان بأمس الجاجة لتلك النقود لم يأخذها بل إحتفظ بها طيلة أربع سنوات حتى عاد صاحبها.
ذات صباح بينما هو بالقرب من مخفر الشرطة ” الكوميساريا” ينتظر من يقدم له يد المساعدة أو عمل يقوم به لسد رمق عيشه ، طلب منه أحد رجال الشرطة أن يذهب إلى بيته ليحضر له وجبة الغداء، فلم يتأخر ” لْهْضْلْضْلْ ” عن هذا العمل فذهب مسرعا طارقا الباب ، فطلب من زوجة الشرطي باستحياء وأدب دون أن يتطلع إلى وجهها ، ما جاء من أجله ، فانتظر حتى أتمت إعداد الطعام وهو يجلس على الرصيف المجاور للمنزل . فلما ذهب بالطعام للشرطي ، طلب منه أن يأكله بدريعة أنه تناوله مع رفيقه في العمل ،ونظراً لتأخره بعد طول إنتظار.
فرح “لْهْضْلْضْلْ ” بالطعام وقرر تناوله فجلس بجوار مخفر الشرطة في مكانه المعتاد ، فتناول الطعام ، وفجأة أحس بألم في بطنه ، وكأنها تتقطع فذهب لكي يبحث عن مسكن فلم
يفلح معه ، جرب جميع الأعشاب و الأدوية …وفي النهاية إكتشف أن الطعام الذي أكله كان مدسوساً ب ” التوكال” الذي لا ينفع معه علاج ولا دواء.
ومرت الأيام وبدأ جسمه يضعف وينحاف شيئا فشيئا إلى أن بدأ يفقد كمال جسمه وبنيته وقل وزنه وضعفت عضلاته التي لم تعد تساعده على الأعمال التي يقوم بها.
مات مثلما تموت الحيوانات وللأسف الشديد فلم يصلى عليه ولم يغسل أو يكفن كما هو متعارف عليه في الشريعة الإسلامية ، دفن بملابسه ، ملقى في قبره الذي طاله النسيان واندثر رغم ما قدم من خدمات ومن مساعدات بتفاني و إخلاص لمجتمه.

لقد صدق جبران خليل جبران حينما قال :
الخير في الناس مصنوع إذا جبروا
والشر في الناس لايفنى وإن قبروا
هكذا تخلى المجتمع عن ” لْهْضْلْضْلْ ” بعد مرضه وثم إهماله و الإبتعاد عنه كما لو كان “لعنة ” بعدما كان مثالاً للأخلاق الحميدة وحسن المعاملة ، أي شر هذا الذي أريد به ؟
إنه شر متأصل لدى أفراد المجتمع حتى ولو قدمنا لهم الكثير من التضحيات.
مات ” لْهْضْلْضْلْ “كغيره من بسطاء المدينة الذين يعيشون على الهامش تحت عتبة الفقر والتشرد وفي غياب الأسرة ومن يقدم لهم يد العون و المساعدة الإنسانية.
والجدير بالذكر أن الشاب الإعلامي الطموح ” عصام عفيف العرائشي ” ،فهو بصدد كتابة سيناريو وإخراج فلم سينمائي يعالج قصة “الهْضْلْضْلْ ” من خلال بعد درامي جديد يحكي عن هذه الشخصية المثيرة للجدل.

تأتي قصة ” الكاناريو” كغيره من بسطاء الهامش ،فقد كان يعمل في جميع الحرف بإخلاص ولم يكن سارقا أو قاطعا من قطاع الطرق ، بل كان محبا لتربية الطيور من هنا ربما جاء لقبه الذي عادة ما ينادون به عليه فهو إسم لأحد الطيور المغردة .
كان يحب إحدى فتيا
ت المدينة ،فطلب يدها للزواج من ولي أمرها ، فما كان من هذا الأخير إلا أن طلب منه شراء آلة للخياطة كمهر لإبنته المصونة ، وهو طلب تعجيزي ، فقد كانت آلة الخياطة آنذاك تساوي الكثير ولا يملكها إلا أبناء الأعيان و الأجانب من ساكنة المدينة. فقرر أن يبحث عن آلة خياطة تكون في متناوله ووفق ما يملكه من نقود ، لكن القدر لم ينصفه، فلم يجدها ، ونظراً لحبه الشديد لتلك الفتاة ولقساوة الأب الذي يتحداه بطلبه هذا،قرر” الكاناريو” أن يسرق آلة الخياطة لإحدى اليهوديات اللواتي يسكن في المدينة ، فلما أقدم على ذلك ودخل منزلها في الخفاء ،رأته وهو يقدم على فعلته متلبساً فصاحت طالبة النجدة بصوت جهير ، فما كان ب ” الكاناريو” إلا أن دفعها فسقطت على رأسها ، وكانت نهايته أن دخل السجن لسنوات طوال ضاع فيها شبابه وتحول من عاشق محب إلى مجرم وقاتل عند سكان المدينة.

ربما قد يطول بنا الحديث لكن المغزى من كل هذا ،أننا مهما قدمنا من خدمات جسيمة ومن تضحيات للمجتمع و خصوصا في شخص “لْهْضْلْضْلْ ” و الآخرين من أمثاله البسطاء فهم كبش فداء لجهل المجتمع ولتسلطه الذي لا يمكن الإحساس به إلا في فترات الشدة و الفقر المدقع ولحكمة القدر الذي يسخر منا أحيانا…
فرغم الحسابات و التخمينات التي يعمل الإنسان على ضربها وطرحها و قسمتها و جمعها تكون تلك العمليات نتيجتها مجموعة فارغة وهذه هي الحقيقة المرة التي كثيراً ما نتفاداها ونحاول تبريرها كرد فعل ضد المجتمع .

ويظل السؤال مطروحا :
هل فيما حصل لهؤلاء حكمة وسر خفي للعبرة
والمثال لا يعرف معناها إلا خالقنا؟
وهل دائماً أقدار البسطاء من الناس تكون كالرياح التي تجري فيما لا تشتهيه السفن ؟
********* ********** *************
يتبع

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع