أخر تحديث : الجمعة 31 أغسطس 2012 - 4:24 مساءً

المثقف والسلطة

ذ. مصطفى الغرافي | بتاريخ 31 أغسطس, 2012 | قراءة


يعيش المثقف العربي المعاصر وضعا ملتبسا يتميز بازدواجية واضحة فهو من جهة ينتقد ممارسات السلطة التي يتهمها بالجمود ومعاداة الفكر المستنير لكنه ما يلبث أن يرمي بنفسه في أحضانها خوفا من بطشها وطمعا في خير يناله على يديها.

ومن هنا فقد المثقف شرعيته ومصداقيته عند الجماهير التي باتت تنظر إلى المثقفين باعتبارهم كائنات هلامية وطفيلية تتميز بانتفاخ الأنا وتضخمها فتفضل العيش على الهامش بدعوى التميز بدل أن تلتحم بالشعوب وتعمل إلى جانبها من أجل تحقيق النهضة المنشودة. ولذلك لحظنا في الآونة الأخيرة أن الشعوب تسبق مثقفيها بل إن المثقفين يلهثون وراء الشعوب التي وعت بأن مصيره بيدها وهي التي تقرر كيف تصنع واقعها وتختار نمط عيشها ووجودها.

إن النماذج التي استطاعت أن تشق طريقها بعيدا عن خط السلطة قليلة جدا ومن أجل الاستدلال على هذا الرأي يمكن أن نستحضر حال القاضي والفقيه والفيلسوف القرطبي ابن رشد الحفيد باعتباره نموذجا للمثقف المستقل الذي انتصر لقيم العقل والتنوير ودافع عن الفلسفة من خلاله سجاله الشهير مع أبي حامد الغزالي الذي هاجم الفلسفة في كتابه الذائع الصيت “تهافت الفلاسفة” فرد ابن رشد بكتاب قوي هو “تهافت التهافت” فبالرغم من المنزع العقلاني المستنير الذي ميز سلوك وكتابات ابن رشد إلا انه لم يسلم من الانصياع لرغبات السلطة وخدمة مصالحها. وهو ما تجسد عنده بشكل واضح في نقده اللاذع والعنيف للفكر الأشعري الذي يمثله الغزالي، فهذا النقد لم يكن يستند إلى بواعث فكرية ومعرفية محض ولكنه كان في الحقيقة نقدا بطريقة غير مباشرة لمؤسس السلطة الموجدية في المغرب وهو ابن تومرت الذي أشاع المذهب الأشعري في المغرب وعملت الدولة التي انبنت على دعوته على ترسيخه وترسيمه.

إن عمل ابن رشد من هذه الجهة سياسي اتخذ مظهرا فكريا. إنه يشبه موقف السلطة المرابطية التي عملت بإيعاز من فقهائها على حرق كتب الغزالي وعلى رأسها كتاب الاحياء. مما يعني أن المشروع الفكري لابن رشد لم ينج من الموجهات السياسية التي تخدم السلطة القائمة.

يكشف التامل في علاقة المقف بالسلطة عبر مراحل مختلفة من تاريخنا الفكري والثقافي أن السلطة العلمية كانت على الدوام، في نظامنا الثقافي، هشة في مقابل السلطة السياسية التي كانت تنجح دائما في احتواء المثقف وتسخيره أداة دعائية لتنفيذ مشاريعها والترويج لمخططاتها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع