أخر تحديث : الجمعة 4 يناير 2013 - 3:45 مساءً

التنشيط التربوي الموازي .. آلية بيداغوجية موقوفة التنفيذ

ذ. سعيد الحاجي | بتاريخ 4 يناير, 2013 | قراءة

 

لما كانت المدرسة أحد الركائز الأساسية للتنشئة الاجتماعية في أي مجتمع، فإن كل الدول تأخذ على عاتقها إيجاد كل السبل والوسائل القمينة بجعل هذه المؤسسة تودي أدوارها كاملة في ما أسست من أجله، والعمل على تنشئة اجتماعية سليمة ومتوازنة لأفراد المجتمعات على اختلاف ثقافاتها.

ولم يخرج المغرب عن هذا السياق، من خلال المجهودات المختلفة على مستوى تحديث وتطوير كل ما يرتبط بالمنظومة التعليمية، رغم أن هذه المجهودات لا ترقى بعد إلى ما يجب ان يكون، ورغم خصوصية السياسات التعليمية المغربية، التي تتداخل في وضعها اعتبارات أخرى ليس بالضرورة أن تكون بيداغوجية صرفة، وهو ما جعل المنظومة التعليمية المغربية دائمة التخبط في الإكراهات والمشاكل التي لا حصر لها، ما يؤدي إلى مكامن خلل وقصور كثيرة في أداء المدرسة المغربية لأدوارها، وهنا سوف نتطرق إلى أحد أوجه هذا القصور والمتعلقة بالتنشيط التربوي الموازي داخل المؤسسات التعليمية.

فالمدرسة المغربية بشكل عام ساد حولها انطباع – هو صحيح إلى حد بعيد – يحصر دورها في تلقين المتعلمين قدرات ومعلومات محددة، تختلف حسب المستوى والتخصص وغير ذلك، دون التركيز على أدوار أخرى تلعبها المدرسة وتشكل آليات أساسية لتحقيق رغبات المتعلمين الغير مرتبطة بما هو مقرر في البرامج الدراسية، مثلما تشكل أيضا وسائل ناجعة لمحاربة العديد من الظواهر السلبية التي أصبحت تظهر بشكل مخيف في مؤسساتنا التعليمية، والتنشيط التربوي يدخل ضمن هذه الآليات.

فالتنشيط التربوي الموازي هو مجموع الأنشطة التربوية الهادفة التي تنظم داخل المؤسسات التعليمية سواء في إطار برامج الأندية المدرسية داخل المؤسسة، أو بمبادرة من مجموعة من التلاميذ والأساتذة وغيرهم من أطر المؤسسة، حيث تتنوع طبيعة هذه الأنشطة بين الترفيهية والتثقيفية والاستجمامية والفنية والرياضية إلى غير ذلك من مختلف أنماط الأنشطة التربوية التي تكون لديها أبعاد عميقة وآثار جد إيجابية على التلاميذ، وتساهم في تفجير طاقاتهم الكامنة التي ليست بالضرورة مرتبطة بتحصيلهم داخل الفصول الدراسية، وهنا تجب الإشارة إلى مسألة أساسية تتعلق بالتلاميذ الذين يتميزون بضعف مستوياتهم وتراجع معدلاتهم، حيث نجد نماذج عديدة لتلاميذ موهوبين في بعض المجالات الفنية أو الرياضية رغم تراجع مستواهم الدراسي، لكن المدرسة لا توفر لهم المجال لتفجير تلك الطاقات التي قد تجعلهم في يوم من الأيام نجوما متألقين في مجال إبداعهم، وبالتالي تكون المدرسة هنا قد ساهمت في إنقاذ التلميذ المهدد بالرسوب المتكرر والانقطاع عن الدراسة، بأن تعطيه شحنة معنوية وأملا في الموهبة التي يتوفر عليها.

إن ما سيق ذكره هو فقط جانب بسيط من الجوانب الإيجابية للتنشيط التربوي، إضافة إلى أن ارتباط المدرسة بصورة المرفق المرتبط بالتحصيل والحضور لساعات محددة في اليوم وغير ذلك من الأمور التي تعتبرها فئة كبيرة من التلاميذ عنصر ملل لا مناص منه – ارتباط المؤسسة بهكذا صورة – يجعل التنشيط التربوي يكسر ذلك الروتين ويجعل المدرسة ترتبط بأشياء أخرى إلى جانب التحصيل العلمي وتقترب أكثر من نفوس المتعلمين.

المنظومة التعليمية في المغرب لا زالت بعيدة إلى حد كبير عن التوظيف السليم لمثل هذه الآليات المهمة، فأغلب المؤسسات التعليمية يتم تشكيل أنديتها من أجل وضع الهيكلة الصورية فقط ولأغراض إدارية، حيث قلما تشتغل هذه الأندية التي تتألف من أساتذة وتلاميذ، في حين نجد الأندية النشيطة تنشط بوتيرة ضعيفة، وقد تختلف أسباب هذه التراجع، فمن جهة نجد ضعف التكوين لدى الأساتذة في مجال التنشيط التربوي، ومن جهة أخرى عامل الوقت الذي يجعل الكثير من الأساتذة مضغوطين بحصصهم التي تستنزف جهدهم كاملا ولا تترك لهم مجالا للقيام بشيء آخر على مستوى الفعالية داخل المؤسسة.

إن جزءا كبيرا من السلوكات العدوانية التي تستشري في فضاءات المؤسسات التعليمية المغربية، راجع بشكل كبير إلى النظرة التي يكونها التلميذ عنها في مختلف المراحل الدراسية، فالمدرسة بالنسبة للكثير من التلاميذ هي ذلك الفضاء الذي يجب أن تذهب إليه يوميا، سواء كانت لديك الرغبة أم لم تكن، وتحت المراقبة الأسرية التي تصبح مصدر إزعاج خصوصا في فترات المراهقة، وبالتالي يتحول هذا الانطباع إلى سلوكات عدوانية كامنة تتطور مع الوقت، إلى أن تنفجر في شكل ردود فعل عنيفة سواء تجاه الأساتذة أو فضاء المؤسسة أو التلاميذ، في ظل غياب استغلال معقلن لآلية التنشيط التربوي التي تجعل التلميذ يشعر بأن ضغط مواصلة التحصيل والالتزام به، توازيه أشياء أخرى تميل إليها نفسه وتحق لديه التوازن في مساره الدراسي، بين ما هو إلزامي يشكل ضغطا وبين ما يعتبر متنفسا يخفف من حدة ذلك الضغط ويتيح للمتعلم إيجاد ذاته، وهو ما يجعل التنشيط التربوي الموازي بمثابة عنصر الأمان الذي يعيد ربط أواصر الود بين التلميذ والمدرسة كلما بدأت في الانفصال، لكن للأسف ورغم وجود العديد من التوجيهات الرسمية بخصوص تفعيل هذه الآلية، ورغم وجود هذه الأندية في كل المؤسسات تقريبا فإن وجودها في أحيان كثيرة جدا يبقى شكليا، ويبقى التنشيط التربوي الموازي في المؤسسات التعليمية آلية بيداغوجية موقوفة التنفيذ.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع