أخر تحديث : الجمعة 11 يناير 2013 - 9:58 مساءً

حريق بارد

ذة. سناء بنعتو | بتاريخ 11 يناير, 2013 | قراءة

 

في الصيف الماضي من هذا العام، كانت المداشر التي تفصل بين “سوق القلة” و مدينة القصر الكبير ضحية لحرائق مهولة، خلفت أضرارا كثيرة و مغيرة لمعالم الغابات بالمنطقة، مر الحدث بهدوء تام، لا وسائل إعلامية تحدثت بالموضوع، لا تحرك لا مألوف بالمنطقة، لا إجراءات إحترازية، لا نشرات إنذارية… لم أعرف بأمر هذه الحرائق إلا عن طريق تعليقات بعض المعارف على الفيسبوك الذين كانوا يغطون الحدث عبر هواتفهم، و كأن الأمر يتعلق بحريق بارد بلا ألسنة نيران.

صراحة لم يبد لي الأمر مستغربا، فنحن ساكنة هذه المدينة العتيقة تعودنا على مثل هذا التجاهل، تعودنا أن نتجاوز في الخرائط و الطرق، تعودنا أن تقفز علينا المشاريع، و البرامج و المخططات، و كأن قدرنا هو هذا…

مدينتي التي كانت شاهدة على طفولتي، كانت شاهدة أيضا على فصول كثيرة من التاريخ، فيها سقط ثلاثة ملوك في يوم واحد، بوادي المخازن الذي لازال شامخا و صامدا و شاهدا.

مدينتي كل حدث فيها غير مهم، و كل جريمة لا تحرك أي رد فعل، مدينتي أراها كل يوم تتقهقر للوراء و تفقد الكثير من سحرها، لا أدري أ عمدا تفقده أم لا مبالاة بتاريخ أول حاضِرة في المغرب…..

مدينة الألف ضريح من الأولياء و الصالحين الذين وجدوا فيها مسكنا، هادئا، آمنا، خصبا آنذاك، فيما نجده اليوم مسكنا تملكه الركوض و العشوائية و اللاآمان.

نتفهم هذه اللامبالاة التي طالت هذه المدينة، نتفهم أن يتم تجاوزنا في كل شيء…لكن من المؤلم أن نعاقب نفسا إنسانية أو شجرة أو زهرة لأن قدرها وضعها في تخوم القصر الكبير. من العار أن يصمت الجميع عما يحدث عما يحدث بهذه البقعة من الأرض.  من المؤلم حقيقة أن نتجاهل احتراق المئات من الهكتارات، الباعثة للحياة و أن نتركها تواجه مصيرها وحيدة، و ما ذنبها إلا أنها مسخرة لتنظيف ما تقترفه أيدينا.

لا شك أن من تجاهل ما حدث في تلك الغابة، لم ير ما حل بها، لم يقدر حجم المعاناة التي كابدتها و هي تواجه ألسنة النيران وحيدة.

لقد كانت صدمتي كبيرة و أنا أمر أمام ذلك المنظر الذي لم أسبق أن عاينت مثيله مباشرة، إنك كمن يقف أمام ساحة وغى، أو أرض هجِر سكانها ليلا و دمِر ما خلِف وراءهم، فما تبق سوى أرض مقفرة يكتسحها السواد…

أنا نفسي لم أقدر قيمة و فداحة ما حصل، إلا بعد رؤيتي لآلاف الأشجار متفحمة و متوشحة بالسواد، و لم أقدر حجم جحود هذا الكائن البشري  الذي يعبث بما وهب له و يتكاسل في أداء واجبه اتجاه هذه الغابات و اتجاه ساكنتها، لكن الحمد لله الذي يحيي الأرض بعد موتها و التي كانت هباته المطرية، كفيلة بأن تعيد الحياة و النضارة لتلك الغابات المكتئبة،و تجعل اللون الأخضر يكتسح المسافات و يرمم ما أفسِد و كأننا  بها تخبرنا أنها في كنف من لا ينام و لا يظلم عنده لا شجر و لا إنسان.

قد يكون التجاهل الإنساني بلغ مداه، و قد يكون الإقصاء السياسي و الاقتصادي بلغ ذروته لهذه المدينة التي ترزح حاليا تحت سطوة الفقر و الاجرام و التهميش و البطالة، لكن نهضة هذه المدينة كما هذا البلد لن تكون إلا بالشباب الواعي و بشباب هذه المدينة الذين يقع عليهم واجب تعرية الغطاء و الحجاب عما يجري بها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع