أخر تحديث : الجمعة 17 مايو 2013 - 11:27 صباحًا

جمالية التعمير بين الأمس واليوم في المدينة المغربية

ذ. حميد جوهري | بتاريخ 17 مايو, 2013 | قراءة

أريد من خلال هذا العنوان ، طرح موضوع التعمير من زاوية مختلفة ، تتجاوز بعض النقاشات التي تحصره في كثير من الاحيان في الجوانب القانونية والمؤسساتية ، إذ أن التعمير بالإضافة إلى انتمائه ذلك، يعبر فوق ذلك – بالمفهوم الخلدوني – عن الإنتماء الحضاري، وإن دراسة الحضارات القديمة وقياس مدى رقيها، يتم من خلال ما تركته من عمران، فكلما زرنا الآثار والأطلال القديمة، نلمس تلك القيمة الحضارية المعبر عنها بالعمران، يظهر ذلك في المدن الرومانية والفينيقية والأندلسية والمرينية و..، لم يكن من الممكن فصل التعمير في ذلك الوقت وفي كل الأزمنة،عن المعتقدات والثقافات وأساليب العيش…

المدينة المغربية لم تكن استثناءا،كانت تعبر عن الثقافة السائدة،أمازيغية أو رومانية أوفنيقية أو إسلامية عربية..،وظل هذا الإرتباط سائدا إلى أن بدأ يتفكك مع الغزو الإستعماري،ليفسح بعد ذلك المجال للعبثية في التعمير،ويستفحل الأمر أكثر مع عوامل الهجرة وتنامي حجم الفساد،بشكل كدنا نفقد بسببه كل مقوماتنا الحضارية في هذا المجال،ولعل التدخلات التي قامت بها الدولة المغربية،من أجل حماية المدن العتيقة،ليس الغرض منها ومن خلالها إلا الحفاظ على الهوية الحضارية المهددة…

لقد كانت مدننا جميلة بامتياز،حدائق وجنان واسعة،وبيوت بنيت لتحافظ على شروط الجوار الجيد،ولتحافظ أيضا على ثقافة الكرم والتزاور،وقد حدثني بعض الاصدقاء الذين يشتغلون بمدن الجنوب المغربي،عن الدور العتيقة هناك وكيف قسمت مرافقها ،إلى صالات للضيوف شبه منفصلة عن بقية الدار،وصالات لأفراد الأسرة،موزعة بشكل غاية في الجمال،ويحدثنا بعض سكان فاس عن حديقة أو “جنان سبيل” الذي تغنى بها المطربون،كمكان للنزهة والعشق والشعر والملحون..،ونتذكر أيضا أو يحدثنا الآباء،أن مدينة القصر الكبير كانت مدينة جميلة حتى في عهد الإستعمار،بحدائقها التي تمتعنا ببعضها ونحن صغار، وبمسجدها الاعضم الجميل والكبير،وبدورها القديمة التي احتضنت تعايشا بين يهود ومسلمين،وبأسواقها وقيسارياتها،والدراز الكبير ودار الدبغ وسور الموحدين..

تشوهت مدننا وقطعت ارتباطها بمقوماتنا الحضارية،ولم تعد بها مقومات الراحة والسكينة،وأصبحت ملكا لمقاولي العقار،وفقدت جماليتها وسادها الثلوت والضجيج،وتم تدمير الحدائق والقضاء عليها،بسبب الفصل بين التعمير والهوية الحضارية ،وبسبب الفساد المستشري بين من تولوا الإشراف على ميدان التعمير ،ولا ندري كيف سنعيد ذلك الإرتباط بين التعمير وجمالية التعمير…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع