أخر تحديث : السبت 25 مايو 2013 - 9:00 صباحًا

خيار الاندماج وعلاقته بإعادة هيكلة الحقل الحزبي الوطني

ذ. سامر أبوالقاسم | بتاريخ 25 مايو, 2013 | قراءة

في الوقت الذي يعرف الوضع السياسي بالمغرب العديد من الأحداث والوقائع السياسية التي تساهم في جعله يتسم بنوع من الضبابية على مستوى استشراف آفاقه. وفي الوقت الذي يمعن الحزب الأغلبي في تأكيد حرصه على التحكم في كل تفاصيل الحياة السياسية. وفي الوقت الذي لا يهم الأغلبية الحكومية سوى الحفاظ على تموقعاتها السياسية الحالية ولو على حساب المصلحة العامة. ها هي بعض أحزاب المعارضة تتلمس عمليا بعض سبل الإجابة عن المعضلات المتصلة بالحقل الحزبي المغربي.

فالإعلان المشترك عن بداية مسار الاندماج بين أحزاب الاتحاد الاشتراكي والحزب العمالي والحزب الاشتراكي هو في رأينا المتواضع قرار ينم عن نوع من الحس السياسي، الذي تُرجِم في هذه الخطوة المعبرة عن نوع من النضج السياسي المتقدم، الذي نتمنى له التوفيق في مسيرة استكمال كل محطاته الاندماجية، ونتمنى له أن يمتد ليشمل باقي مكونات التيار الاشتراكي في القادم من الأيام، كما نتمنى أن تتحلى بمثل هذه الروح وفي هذه الفترة السياسية الحساسة من تاريخ المغرب باقي الأحزاب السياسية المغربية، كل داخل فضاء عائلته على مستوى القناعات الفكرية والسياسية.

إننا ننطلق في مثل هذا المقام، لا من نزعة حزبية ضيقة، ولا نزوعات استقطابية انتخابوية صرفة، بل كل ما يمكن أن يكون موجها لنا في هذا الشأن هو المصلحة الوطنية، التي تقتضي أن تتأسس كل التجارب الحزبية على الإيمان بضرورة الوقوف على التراكمات الإيجابية والتدرج والانفتاح والتفاعل الهادف، من أجل إضافة كل ما يزخر به هذا المكون الحزبي أو ذاك من طاقات وكفاءات عالية جديدة إلى الصالح من الموروث الإيجابي للتجربة الحزبية الوطنية الغنية بنضالاتها وبتعدد مكوناتها، قصد بناء تنظيمات سياسية قوية تشكل قيمة مضافة إلى المشهد الحزبي الوطني، وقادرة على المساهمة في تأطير وتعبئة المواطنين للنهوض بتحديات التنمية والإصلاح والتحديث.

فمن موقع الفعل السياسي، لا يمكن إغفال أهمية هذه الخطوة الإيجابية، التي لا شك في أنها ستساهم في تحقيق مكتسبات وإطلاق ديناميات واعدة وسط كل العائلات الحزبية المغربية الحالية، لكن على الرغم من ذلك لابد من الانتباه إلى ضروة الإسراع بهذه الخطوات الاندماجية من جهة، والقيام بما يلزم في سياق خلق فرص إطلاق مبادرات سياسية أكبر بكثير، لأن أسباب القلق في الوضع السياسي الراهن ماثلة أمامنا جميعا، خاصة مع استمرار دوائر الفقر والبطالة والهشاشة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتدني مكانة الطبقات الوسطى، وتنامي دعاوى الإقصاء والنزعات العنصرية ونزوعات الكراهية والتعصب والانغلاق واتساع دوائر التيئيس، واستمرار أشكال مختلفة من اقتصاد الريع والاقتصاد غير المهيكل، في ظرفية دولية موسومة بتداعيات الأزمة المالية العالمية، والخصاص الحاصل في مجال التأهيل الحزبي وعقلنة التعددية وإرساء القطبية الواضحة والمنسجمة.

ففي اعتقادنا، جاءت هذه الخطوة الاندماجية في سياق التعبير عن حاجة موضوعية استشعرتها قيادات الأحزاب الثلاثة، وقررت بناء على ذلك تجميع طاقاتها لإغناء الاختيار الديمقراطي الحداثي. فما يمكن أن يجمع الأحزاب الثلاثة في علاقة بموضوع المصلحة الوطنية هو الوعي بضرورة الدفع في اتجاه إرساء أسس التعددية الفاعلة والمنتجة، وبناء تقاطبات سياسية كبرى تسمح للتباري السياسي بأن يصبح ذا معنى أكبر وذا أثر على ترسيخ المؤسسات وتعزيز دورها في البناء الديمقراطي لبلادنا.

إن إقدام الأحزاب الثلاثة على هذه الخطوة الاندماجية نتمنى له التوفيق، لأن إسهاماتها المتفرقة لا يمكن أن تتقوى إلا في سيرورة الاندماج في حزب واحد. فالأمر إذا ليس تجميعا عدديا بقدر ما هو محكوم حسب ما يتبين لنا برهان استراتيجي ينبغي أن يتمركز على الانفتاح على كل الكفاءات والفعاليات لتجد في هذا الاندماج مجالا ملائما لممارسة حقها في المشاركة في تدبير الشأن العام، وتستشعر حاجة الشعب المغربي إلى إطلاق وحفز كل طاقات أجياله الجديدة للمساهمة بعزيمة وثقة في بناء المستقبل.

إن التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وتنامي المخططات التخريبية، كلها عوامل تستوجب خروج قوى الحداثة والديمقراطية الجادة عن صمتها وتحملها لمسؤولياتها وضم إرادتها لكل الإرادات والطاقات الايجابية التي تزخر بها بلادنا، خاصة إذا كانت هذه القوى داخل تنظيمات سياسية قوية ومتراصة وعلى قدر كبير من الانفتاح الذي يجعلها منخرطة في ممارسة سياسة القرب من المواطنات والمواطنين.

إننا من موقعنا نطمح إلى إثبات قدرة العمل الحزبي المغربي، كيفما كانت اختيارات الفاعلين وقناعاتهم الفكرية والسياسية، على إنتاج النخب القادرة على التنافس الشريف والتداول على المسئولية في ظل بناء مؤسساتي قوي قادر على مواجهة مختلف التحديات التي تواجه بلادنا. كما أن طموحنا يتجه إلى إثبات صحة الفكرة القائلة بأن قوة المؤسسات المنتخبة ومصداقيتها تكمن في الطاقات التي تتمرس داخل الأحزاب السياسية الوطنية والخبرات التي تتراكم داخلها، والتي تؤهلها ليس فقط للاضطلاع بالمسئولية في تدبير الشأن العام، بل لابتكار الأفكار الجديدة لتطوير البناء المؤسساتي، الذي تحتاجه البلاد في كل المراحل المفصلية من تاريخها.

سيكون من الخطأ في اعتقادنا أن يعمل المتتبعون لوقائع الساحة السياسية المغربية على ربط هذه الخطوة الاندماجية بين أحزاب الاتحاد الاشتراكي والحزب العمالي والحزب الاشتراكي بمعطيات الأزمة الحكومية الحالية وسيناريوهات التعديل الحكومي المرتقب، وسيكون من الأنسب تحليل هذا المعطى في سياق يضع الاندماج في إطار توجهات ترمي إلى المساهمة في إعادة هيكلة الحقل الحزبي الوطني باتجاه الانتقال من الوفرة الكمية للأحزاب السياسية إلى التعددية النوعية القطبية في المشاريع والبدائل، بما يستجيب للضرورة التاريخية، وتجديد دور النخب الوطنية والمحلية وإعادة الاعتبار للالتزام السياسي باعتباره فعلا وطنيا مسئولا، ودعم منظمات المجتمع المدني باعتبارها شريكا أساسيا في البناء الديمقراطي.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع