أخر تحديث : الإثنين 15 يوليو 2013 - 2:48 مساءً

ذكاء المخزن وسذاجة العدالة والتنمية

سعيد الحاجي | بتاريخ 15 يوليو, 2013 | قراءة

وأخيرا قدم وزراء حزب الميزان استقالتهم بشكل رسمي إلى رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران، فيما يشبه إسدال الستار على أحد أكثر الفصول إثارة في ما اعتبره الكثيرون مسرحية ديمقراطية غامضة الأهداف.

استقالة وزراء حزب الميزان بغض النظر عن خلفياتها، فإنها كشفت بعض الغموض الذي لازم خطوة حزب الاستقلال المثيرة والغريبة عن مشهد سياسي مغربي تميز بخاصية الاستشارة مع الدوائر العليا في كل كبيرة صغيرة، وخصوصا في هكذا قرارات تعتبر مصيرية في مسار أي حكومة، فانفراط عقد الأغلبية بهذا الشكل يعيد كل شيء إلى نقطة الصفر.

إن التطورات السياسية الأخيرة في المغرب، بقدر ما تؤشر بشكل ظاهري على اتساع هامش الحرية لدى الأحزاب السياسية في اتخاذ القرارات الكبرى، وبشكل يتماهى ظاهريا مع مقتضيات الدستور الجديد الذي قال البعض بطابعه الديمقراطي – بقدر كل هذا – فإن هذه التطورات تفصح عن تطور كبير في آليات التحكم في المشهد السياسي من طرف المخزن الذي يبدي أكثر من أي وقت مضى تمسكه ووفائه لمنهجه في تدبير الحياة السياسية المغربية بعيدا عن الآليات الديمقراطية، ويبدي ذكاء متزايدا فيما يتعلق بتطوير أساليبه، فأين يتجلى إذن ذكاء المخزن في إدارة المرحلة الراهنة، وفي ماذا تتمثل سذاجة حزب العدالة والتنمية  ؟

من المعروف أن حزب العدالة والتنمية قد حملته رياح الربيع الديمقراطي إلى رئاسة الحكومة بعد تبوئه المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، في أول تكريس فعلي لمضامين الدستور الجديد، لكن الجميع كان يعرف أن خيوط الود التي نسجها هذا الحزب مع المخزن فجأة، لا تتمتع بالمتانة الكافية لجعله يمارس صلاحياته في رئاسة الحكومة وتنزيل برنامجه الانتخابي و إعطاء دفعة قوية لشعبية الحزب تؤهله لمزيد من الاكتساح الانتخابي في الاستحقاقات المقبلة، وبالتالي كان طبيعيا أن تظهر بوادر الحد من طموح الحزب الذي تحول من حزب مرغوب في استئصاله من المشهد السياسي إلى حزب يترأس الحكومة.

منذ مدة طويلة استشعر البعض بوادر التوجه المخزني الجديد الرامي إلى تحجيم حزب العدالة والتنمية من موقعه الجديد في إدارة الشأن العام، وإذا سلمنا على غرار مجموعة من النماذج في بلدان أخرى بأن الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع إدارة الشأن العام يستلزم بالضرورة التضحية بجزء من الشعبية والمصداقية، نظرا للتحول الحاصل في طبيعة الخطاب وصعوبة التجربة من موقع التسيير وغير ذلك، فإن المخزن أدرك أنه قد يستطيع توجيه ضربات موجعة لحزب المصباح من داخل تجربته الحكومية أكثر مما يستطيع وهو خارج المعارضة، وكانت ترجمة هذه الرؤيا من خلال تفجير التحالف الحكومي بدفع الأمين العام الجديد لحزب الاستقلال لتبني خطاب مطالبة رئاسة الحكومة بالتجاوب لمطالب، يجمع الكثيرون على أنها بقدر ما تبدو عادية فإنها في نفس الوقت تعتبر مزايدات لا أقل ولا أكثر، خصوصا وأنها تأتي من حزب كان حاضرا في كل الحكومات المغربية تقريبا منذ الاستقلال ومسؤولا بشكل كبير عن تردي الأوضاع في مختلف القطاعات، وبالتالي لا يمكن الحديث عن مشروعية الخطاب في ظل هكذا مسار، ما حمل على الاعتقاد منذ انطلاق حملة شباط على أن هناك رغبة في تفجير الأغلبية أكثر مما هي رغبة في نهج حكومي جديد يخدم مصلحة البلاد، زد على ذلك أن مبادرات من حجم الاستقالة لا يمكن أن تكون بعيدة عن الدوائر العليا، رغم ما قد يبدو ظاهريا من استقلالية في قرار حزبي اتخذته هيئات حزب معين، لكن حتى هذه المسألة تبقى نسبية بالنظر لبنية حزب الاستقلال الداخلية التي تتميز  بتفاعل القواعد مع قرارات القيادة أكثر مما يمكن أن يكون العكس، وهو ما يعزز احتمال صناعة القرار الاستقلالي مع دوائر من خارج الحزب، وذلك في أفق خلق الأزمة ودفع حزب العدالة والتنمية للبحث عن البدائل الممكنة لاستمراره في قيادة الحكومة، وهنا يبرز سؤال مهم، هل سيتعاطى حزب المصباح بالذكاء الكافي مع هذه الأزمة التي تحمل في طياتها محاولات للنيل منه ؟ أم أن ذكاء المخزن سيتفوق على صقور العدالة والتنمية ؟

من خلال ما يروج حاليا من نقاشات حول البدائل الممكنة أمام حزب بنكيران للخروج من الأزمة، يتضح أن هناك سيناريوهين أساسين، انتخابات سابقة لأوانها أو التفاوض مع أحزاب أخرى لترميم الأغلبية الحكومية، فأيهما يخدم مصلحة حزب العدالة والتنمية ويكشف ذكاءه في التعاطي مع التطور الأخير ؟

من الواضح أن خيار الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها يبقى مستبعدا بالنظر لعدم وجود هذه الرغبة من الدوائر العليا على ما يبدو، بحيث أن تبني هذا الخيار من طرف الحزب سيجعله في مواجهة أعلى السلطات في البلاد، وهو أمر صعب خصوصا على عبد الإله بنكيران الذي لا يبدو أن لديه نية في التقاطع مع مؤسسة يعتبرها الضامن للاستقرار رغم أن هناك بعض الأصوات داخل الحزب تنادي بالعودة مرة اخرى لصناديق الاقتراع، لكن قرار الأمانة العامة للعدالة والتنمية الأخير فوض لرئيس الحكومة تحديد ما يجب اتخاذه، ما يشكل شبه تأكيد على استبعاد خيار الانتخابات السابقة لأوانها، وهنا سيقع بنكيران وحزبه في الفخ الأول، بحيث سيضطر إلى البحث عن تحالفات لترميم الأغلبية في ظل صعوبة الاستمرار بحكومة أقلية، مما سيشكل ضربة قاصمة للحزب الذي سيبدو في هذه الحالة حزبا يغامر بكل مواقفه من أجل البقاء في الحكومة، ولو اقتضى الأمر التحالف مع متورطين في ملفات فساد لازالت قائمة، الشيء الذي سيدفع الرأي العام إلى مراجعة مواقفه من اعتبار حزب العدالة والتنمية جسر العبور نحو التدبير السليم للشأن العام ووضع اولى اللبنات في اساس الديمقراطية، إلى اعتباره نكسة أخرى من نكسات السياسة في التاريخ المغربي الراهن، كذلك ستتأثر ما تبقى من مصداقية الخطاب السياسي لحزب بنكيران، بتحالفه مع أعداء الأمس وما يفترضه هذا التحالف من تغيير في مضمون الخطاب الذي سيتحول من خطاب الإدانة إلى خطاب الإشادة.

إن ما يحدث لحد الآن يكشف بشكل كبير عن ذكاء المخزن في التعاطي مع ما فرضه الربيع الديمقراطي من وصول لحزب العدالة والتنمية للحكومة، وفي نفس الوقت يظهر وفق ما تسير عليه الأمور، مدى سذاجة حزب العدالة والتنمية الذي يبدو وكأنه يزيح تدريجيا زجاجة مصباحه بشكل يسهل على ريح المخزن مهمة إطفاءها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع