أخر تحديث : الثلاثاء 6 أغسطس 2013 - 3:01 صباحًا

العفو الملكي : شك لابد منه

سعيد الحاجي | بتاريخ 6 أغسطس, 2013 | قراءة

قليلون هم من كانوا يتوقعون أن يقوم الملك بإلغاء عفوه عن المجرم الإسباني الذي اغتصب 11 طفلا مغربيا وحكم عليه بثلاثين سنة سجنا لم يقضي منها إلا حوالي ثلاث سنوات ليتم الإفراج عنه بموجب عفو ملكي بمناسبة عيد العرش الأخير، وهو ما فجر موجات احتجاج شعبي أدت إلى تراجع الملك عن عفوه وإصدار أوامره لوزير العدل للقيام بالإجراءات اللازمة من أجل تحريك مسطرة إكمال عقوبته بالتنسيق مع السلطات الإسبانية، طالما ان السجين المتمتع بالعفو قد غادر التراب الوطني فور خروجه من السجن.

ومنذ أن شاع خبر العفو في المنابر الإعلامية عرف هذا الملف تطورات متلاحقة، اتخذت منحى تصعيديا انطلق من مواقع التواصل الإجتماعي وصولا إلى تنظيم وقفات احتجاجية لم تنتهي بعد، ووجه البعض منها بتدخلات قمعية عنيفة من طرف الأجهزة الأمنية، حيث كان المطلب الأول هو الاعتذار الملكي ومحاسبة المسؤولين عما حدث، وقد اختلفت القراءات منذ شيوع الخبر حول ردود فعل القصر على الحراك الاحتجاجي المرتبط بالموضوع، و  انقسم المحتجون والمنددون بين من توقعوا إصدار القصر لبلاغ توضيحي فيما اتجه الآخرون لنفي ذلك بالنظر لطبيعة تعاطي المؤسسة الملكية مع ردود الفعل على قراراتها، والتي غالبا ما تتخذ طابع الصمت وعدم التفسير أو التبرير فبالأحرى الاعتذار.

إن طبيعة القرار الملكي المتمثل في العفو أثارت الكثير من علامات الاستفهام التي تزيد ما حدث غموضا، فخطأ كهذا لا يرتبط بصورة مؤسسة أو إدارة معينة بقدر ما يرتبط بصورة الملك مباشرة، فهل المحيط الملكي والقائمون على صورته مغفلون إلى هذا الحد كي يتم ارتكاب خطأ مثل هذا ؟ وفي توقيت حساس بالنظر لبروز نوع من الوعي لدى المواطنين واتساع هامش النقاش المتحرر الذي أصبح يضمنه العالم الافتراضي؟ وهو ما يحيل على أن هناك شيئا ما غير عادي في مسار واقعة العفو، هذا الشك منطلقه بعض المعطيات التي واكبت الواقعة.

فالسرعة التي تم بها الإفراج عن المجرم الإسباني وسرعة مغادرته للتراب الوطني بعد تجديد وثائقه الشخصية المتهية الصلاحية في ظرف قياسي، وكذلك تبرئ القصر الإسباني من طلب العفو عن هذا المجرم، إضافة إلى ما ذكرته وسائل الإعلام الإسبانية من معطيات حول سيرة هذا الشخص، كل هذه المعطيات تقوي الشكوك حول وجود شيء ما في هذه القضية.

إن القائمين على إعداد لوائح العفو لن يقوموا هكذا بإعداد لائحة دون التحري عن طبيعة جرم أصحابها، وإلا مثلا هل نتوقع ان يتم العفو عن طريق على الخطأ على مدان في ملف السلفية الجهادية؟ أو مدان في قضايا تتعلق بالرأي ؟ وما أكثر المعتقلين في هذا السياق، وإن ألبسوا تهما مرتبطة بالحق العام، فهل يمكن أن يشمل خطأ احدا من هؤلاء ؟ ثم ألا يفترض في الأشخاص القائمين على إعداد لوائح المشمولين بالعفو أن يكونوا مدركين لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم وأنهم يقومون بمهمة لها تأثير مباشر على صورة الملك ؟ ألا يدركون عقوبتهم عند أدنى خطأ يقترفونه في هذا الإطار؟

إن كل الأمور المرتبطة بالملك تخضع لصرامة كبيرة تشمل أبسط التفاصيل المتعلقة به، خصوصا في ملكية تنفيذية تقوم مشروعيتها على الظهور دائما في أكثر الصور الباعثة على الاطمئنان والثقة في نفوس الشعب، طالما أن الأمر لا يتعلق بمسؤول منتخب يخضع للمحاسبة أو المساءلة؟ فكيف يعقل وبكل هذه البساطة أن يتم أن يرتكب خطأ كهذا ؟ هناك معطى آخر يكتسي أهمية كبرى، فالفترة الأخيرة عرفت زيادة شعبية الملك لدى العامة بشكل كبير مع تزايد حدة الصراع بين الاحزاب السياسية وتسابقها حول المقاعد الوزارية وخطاب الملك الأخير الذي كرس صورة الملك الفاعل المنفذ والمتخذ للقرارات الشجاعة من قبيل فرض الضرائب على كبار الفلاحين، في الوقت الذي تفرض فيه الحكومة زيادات في أسعار المواد الأساسية التي تضر بمصالح البسطاء، وهو ما أعطى دفعة قوية لصورة الملك لدى العامة، طالما أن النخبة – على قلتها مقارنة مع العامة – هي التي ترى بأن الملكية التنفيذية مهدد أكثر من ضامن للتطور الديمقراطي، فهل يقفز الديوان الملكي على كل هذه التفاصيل ليرتكب خطأ جسيما يهدم كل ما تم بناءه ؟

إن سحب الملك لعفوه على المجرم الإسباني إثر احتجاجات في العديد من المدن المغربية، جعل الأمر يبدو كأنه انتصار ومكتسب هام تحقق، وأن الضغط الشعبي أرغم الملك على تقديم التوضيحات وبعد ذلك سحب العفو، لكن ماذا لو قرأنا الأمر من زاوية أخرى ؟

إن سحب الملك لعفوه لا يمكن فصله عن بلاغ الديوان الملكي الذي حاول إعطاء تبرير لما حدث، فالبلاغ حمل المسؤولية لأحد موظفي الديوان الملكي وأكد على أن الملك أمر بفتح تحقيق معمق في هذا الملف، وبالتالي فنحن هنا أمام تبرئة الملك من هذا القرار بل واستبعاد أن يكون الملك على علم بهذا الشخص وجرائمه، وبالتالي هي رسالة إلى من يريد أن يحمل الملك مسؤولية مباشرة بان الأخير لا دخل له في الموضوع، وهنا سيسترجع الملك دور الساهر على إرجاع الأمور إلى نصابها، لكن ما ذكر في البلاغ من امره بفتح تحقيق لم يشفي غليل المحتجين الذين يطالبون باعتذار الديوان الملكي عما حدث، وهنا سيتدخل الملك ويسحب قرار العفو، مما سيخلف ارتياحا كبيرا لدى العامة ويعيد إلى الملك صفة الضامن لإحقاق الحق وإنصاف المتضررين من قرار العفو، هذه المعادلة ستحول الملك من المتضرر الأول من الواقعة إلى المستفيد الأول، فهو يجهل ما ارتكبه المجرم الإسباني وعندما علم سحب عفوه عنه وأمر بمباشرة إجراءات متابعته.

إن هذا الاتجاه في التحليل قد يجعل البعض يذهب في اتجاه جعل المسألة مخطط لها سلفا، خصوصا وأن الأمر لم يعد يتعلق بشخص بيدوفيلي اغتصب أطفالا أبرياء، وإنما بضابط سابق في الجيش العراقي وجاسوس لصالح الاستخبارات الإسبانية التي تدخلت – حسب ما يروج – من أجل إطلاق سراحه خوفا من كشف أسرار ما او عرفانا بما قدم من خدمات، وهذا ما يمكن أن يشكل صفقة استخباراتية مغربية – إسبانية، ورغم أن تداعياتها خطيرة جدا وتمس بصورة الملك مباشرة، إلا أنه يمكن تحويل الأضرار إلى مكتسبات، تلبية رغبات الإسبان والحفاظ على صورة الملك وفق المسار التي اتخذته الأحداث.

قد يبدو في الأمر تحامل وإصرار على تحميل الملك للمسؤولية رغم كل ما بدر منه من قرارات لتدارك الأمر، إلا أن مسار الملف وتطوراته وطبيعة المؤسسة الملكية، تقود إلى شكوك لابد منها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع