أخر تحديث : الثلاثاء 6 أغسطس 2013 - 3:22 مساءً

بين العفو عن الوحش” دانيال” وخطورة جرم اغتصاب الأطفال

أسماء التمالح | بتاريخ 6 أغسطس, 2013 | قراءة

يتقبل المرء ما يتقبل من جرائم وإن كانت جل الجرائم مرفوضة بالفطرة، ويجد نفسه عاجزا كليا عن القبول بجرائم الإغتصاب التي لها طبيعة خاصة ووقع أشد خطورة على النفس والواقع حاضرا ومستقبلا، لكون آثارها تمتد لفترة طويلة بطول عمر الذي وقع ضحية الإعتداء الجنسي، فنكون حينها أمام شخص ناقم على الحياة، حاقد كاره للبشرية، رافض للتمسك بكل المثل والقيم النبيلة، ملوث لكل جميل في هذا الكون .

نتكلم هنا عن جرائم الإغتصاب بشكل عام دون تخصيص، أما عندما نخص بالذكر اغتصاب الأطفال فإننا نكون أمام جرم أفظع، سيما إذا علمنا أن الأطفال بما فيهم القاصرين هم لقمة صائغة سهلة التطويع، إن فتحوا أعينهم على الفضيلة وتلقوا تربية ومعاملة إنسانية بالصيغة المعهودة اللائقة، استطعنا الجزم بأننا أمام نشء فاضل متشبع بروح الخصال الحميدة، وإن اكتسح الشر حياتهم الطفولية ولونها بألوان الجرم والرذيلة فلا شك أننا على موعد غدا مع خريجين ممتازين في ميدان الجريمة بشتى صنوفها.

قضية الوحش” دانيال” التي شدت انتباه الرأي العام المغربي وخلفت لديه استياء كبيرا بعد استفادته من العفو الملكي وهو المحكوم سابقا بثلاثين سنة سجنا نافذة لم يقض منها في السجن سوى سنتين وثمانية أشهر، كانت كفيلة بأن تبث في نفوس الجميع مشاعر الغضب والسخط على ما يتعرض له أطفالنا الأبرياء، حيث أن الجاني في علاقته بالطفولة (  المغربية) كان أكبر مستغل للظروف الإجتماعية والإقتصادية للأطفال كما جاء على لسان الضباط، فقد كان يغري هؤلاء بالهدايا والخرجات والنزه والإحتفالات الخاصة ( أعياد الميلاد) ليهيئ الجو الخاص بالانفراد والإختلاء بهم بهدف تفريغ مكبوتاته الشاذة، والإنقضاض عليهم مثلما تنقض الوحوش على الفريسة، لم تكن تأخذه رحمة أو شفقة بطفل أو طفلة تقع بين يديه، وإذا ما استعصى عليه تنفيذ جرائمه وفق ما يطيب له استعان بتقديم الخمر للصبيان كي يستسلموا لوحشيته بيسر.

لم تتوقف بشاعة المدعو ” دانيال” عند هذا الحد، بل كان يدعو الأطفال إذا ما اجتمعوا حوله في براءة متناهية إلى أن يعمد الواحد منهم إلى تقبيل الآخر في شكل ماجن، ومن ثم القيام بسلوكات جنسية مشينة تحت إشرافه مماثلة للتي يمارسها عليهم في انفراد، وكأنه يعد لمجتمعاتنا مدرسة متخصصة في الشذوذ الجنسي والإنحلال الخلقي بدءا من سن مبكر .

جرائم ” دانيال” الحامل للجنسية الإسبانية المنحدر من أصول عراقية كانت متشعبة، تبدأ بالتغرير بالأطفال ثم استغلال براءتهم ثم فض بكارة الإناث منهم ثم هتك عرض الذكور ثم تصوير الفعل الإجرامي بكاميرا وآلة تصوير، ثم تحريض الأطفال والقاصرين على إتيان سلوك يحرمه الشرع ويجرمه القانون في محاولة مقصودة لإعداد جيل مكون من خلية منحرفين يشقون طريق الاحتراف عند الكبر، وهو ما يؤذي بصورة ملفتة أمن البلاد وسمعته بين البلدان .

المتأمل لقضية الوحش ” دانيال” حتما سيسجل عدة مؤاخذات على الأهالي والأسر التي بلغ بها التقصير في علاقتها بأطفالها ما بلغ، فلم تلعب دور المراقب المتتبع الراعي الأمين والمسؤول عنها، لقد سمحت أسر الأطفال ضحايا الوحش بأن يقوم هذا الأخير بتغطية الإحتياجات المادية للأطفال، وهي بذلك تكون يسرت له المهمة بصورة ضمنية في غياب أي عناية حقيقية منهم بصغارهم، كما أن بعض هذه الأسر كشفت أمر الوحش وتسترت عن جرائمه مما دفعه إلى أن يتمادى أكثر في فعلته النكراء، ويجتهد في استقطاب أكبر عدد من الأطفال على يد ضحاياه حتى بلغ عدد المغتصبين 11 طفلا يتوزعون بين الذكور والإناث، بينما أوردت أنباء أخرى أن عدد ضحايا هذا الوحش قد فاق العشرين طفلا مغتصبا .

مجهود كبير قامت به مصالح الضابطة القضائية ومصالح الوحدات الأمنية في سبيل الوصول الى الوحش ” دانيال” و إلقاء القبض عليه ثم تسليمه للعدالة، وقبله يجدر بنا التنويه بالبادرة الطيبة التي قام بها جار ” الوحش” الذي سلم الأقراص المدمجة وكاميرا التصوير للشرطة بعدما تبين له أنها تحمل معالم جريمة ذات أبعاد خطيرة على مستقبل أبناء الوطن ومستقبل مجتمعهم، غير أن الصدمة كانت قوية على الرأي العام المغربي وهو يتلقى نبأ العفو عن مغتصب الأطفال وقد أطلق سراحه بعد مدة بسيطة قضاها بين ظهراني السجن . أسئلة تطرح نفسها في هذه النازلة:

ماذا يعني العفو عن وحش أفرغ الطفولة من محتواها الطبيعي وغذاها بقوت الفجور والوضاعة والحقارة؟

هل شرف أطفالنا رخيص كي نتسامح ونعفو على من يعتدي عليه بالإغتصاب؟

ما مصير الأطفال المغتصبين وأي مستقبل لهم في الحياة العامة؟

لماذا استبعد الحكم بالإعدام عن الوحش ؟

ما العبرة التي أعطيناها لأمثاله من الوحوش الذين يستغلون براءة الأطفال في الإغتصاب؟

أظن أن هذا الوحش قد أهدانا اكتفاء ذاتيا في إنتاج احترافيين في مجال الخلاعة والفحش، فلا نعجب غدا من شيوع من لا دين وملة له بيننا من بني جلدتنا، ولا نستغرب من ظهور حاملي شخصيات غريبة غامضة غير سوية منتشرة في مجتمعاتنا، ولانقل من أين لهؤلاء بنا في هذا الوطن لأنه الإنتقام، الإنتقام من الذات ومن المحيط ومن كل شيء نافع في هذا الوجود، بل إنه ناجم عن العفو والصفح عن مجرم كان له الفضل الكبير في الإعداد والصنع، وعوض أن يعدم أودع في السجن لمدة وجيزة حتى يفرج عنه تاركا ضحاياه ومن يقاسمونهم الحياة يتجرعون مرارة كارثة أخلاقية إنسانية لن تمحوها العصور .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع