أخر تحديث : الإثنين 9 سبتمبر 2013 - 11:37 مساءً

البام والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين

عبد الله الجباري | بتاريخ 9 سبتمبر, 2013 | قراءة

لا يكاد أحد الباميين يتكلم أو يكتب اليوم إلا وتجده يتحدث عن التنظيم العالمي للإخوان المسلمين وعن ذراعه وممثله في المغرب، يقول ذلك ويكرره لأكثر من مرة عساه ينجح في تثبيت الفرية في عقول وذاكرة المتلقي، ومن تتبع مداخلات عبد العزيز بنعزوز في الحلقة الأخيرة من “مباشرة معكم” أو المقال الأخير لبرلماني البام ذ. الشرقي الروداني لمس ذلك بوضوح وجلاء.

المغاربة والإخوان المسلمون :

من الناحية العامة، تعامل المغاربة مع الإخوان المسلمين برحابة صدر وود واحترام، ولم ينسوا فضل الإخوان على المغاربة حين احتضنوا في مصر كثيرا من إخوانهم الطلبة ودفاعهم عن القضية المغربية، ومن أراد أن يتعرف من كثب عن هذه العلاقة فليتأمل العلاقات الوطيدة بين الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي وبين قادة الإخوان، وكذلك العلاقة المتينة التي نسجوها مع الزعيم علال الفاسي، لدرجة أنه انتقل على وجه السرعة إلى القاهرة للتوسط لدى عبد الناصر والحيلولة دون تنفيذ حكم الإعدام في حق المفكر الكبير سيد قطب رحمه الله، ولم نسمع حينها أحدا من خصوم الفاسي – وهم كثر – يتهمه بأخونة المغرب أو أن حزبه خلية من خلايا التنظيم العالمي للإخوان، ببساطة، لأن خصومه كانوا ذوي حس وطني لم يتعودوا على فن الضرب تحت الحزام بغية إسقاط خصومهم السياسيين بالضربة القاضية.

أما عموم المغاربة، فلم ينفروا من الإخوان كما يدعي قدماء الرفاق المنضوون تحت عباءة المخزن، بل انفتحوا على فكرهم وكتبهم، لذلك لا تكاد تجد مكتبة مغربية – خاصة أو عامة – إلا وتضم رفوفها كتب الإمام الشهيد حسن البنا والشهيد عبد القادر عودة والشهيد سيد قطب والأستاذ سعيد حوى والأستاذ عبد الفتاح أبو غدة والدكتور مصطفى السباعي والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهم من رموز التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.

وقبل أن يتبنى مؤسسو البام مقولة “تازة قبل غزة”، كان ملك المغرب منفتحا على الجميع بما في ذلك الإخوان المسلمون، لذلك استدعى الحسن الثاني شخصيا الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري – وهو من الإخوان – وعينه مدرسا في دار الحديث الحسنية، واستدعى الدكتور عبد الفتاح أبو غدة والدكتور يوسف القرضاوي وغيرهما من الإخوان لإلقاء الدروس الحسنية في رحاب القصر الملكي، وأعجب مثقفو المغرب بدرس القرضاوي وهم الذين لا يبالون بمثل هذه الدروس، وقد خاطب الفيلسوف الراحل محمد عزيز الحبابي رحمه الله القرضاوي قائلا : “كان درسك أمام الملك بالغ الروعة”.

فهل كان المغاربة ملكا وزعماء وطنيين ومثقفين وعامة الشعب من الإخوان ؟ أم أنهم من السذج الذين انطلت عليهم حقائق الإخوان ؟ أم أن الله حبا رجال ونساء البام بذكاء خارق وفراسة وإلهام بحيث خصهم بمعرفة لا يقوى غيرهم على إدراك عشرها أو نصيفه ؟

أما على المستوى التنظيمي، فإسلاميو المغرب عملوا جادين منذ بداياتهم على الفصل بينهم وبين التنظيمات العالمية، فالعدل والإحسان منفتحة على الأدبيات الإسلامية العالمية، لكنها تنظيم مغربي صرف، ذو خصوصية يعسر من خلالها إدراجه ضمن التنظيم العالمي للإخوان، وما يقال عنهم يقال عن التوحيد والإصلاح، ويكفي أن نذكر العقلاء بأن هذا الأخير هو ثمرة توحيد مجموعة من التنظيمات والخلايا الوطنية والمحلية، ولو كانت كلها من الإخوان لكانوا موحدين ابتداء.

ومما يدل على أن كتاب البام وقيادييه ليسوا ضد الارتباط بالخارج من الناحية المبدئية، سكوتُهم وغضهم الطرف عن الحركة الوهابية المرتبطة بإحدى دول الخليج ارتباطا واضحا بينا، لكنهم لا يستطيعون الإنكار عليهم لأنهم قد يحتاجون إليهم كما احتاج استئصاليو مصر إلى حزب النور، سواء بسواء.

البام والحاجة إلى مايسترو محترف :

لما حاول قدماء اليسار المنضوون تحت عباءة المخزن تنفيذ خطة المايسترو بمحاولتهم اتهام “العدالة والتنمية” وّالتوحيد والإصلاح” بكونهما الذراع المغربي للتنظيم العالمي للإخوان، كان عليهم أن يدققوا في “الأدلة والإثباتات” التي سيقدمونها للمتلقي المغربي، لكنهم لم يفعلوا لضعفهم وقلة حيلتهم أولا، ولعدم احترافية المايسترو ثانيا، لذلك نجد خديجة الرويسي في أكثر من مرة تتهم قيادة العدالة والتنمية بارتمائها في أحضان المخزن ووزير الداخلية إدريس البصري عبر جسر الدكتور الخطيب، ونجد الشرقاوي الروداني يتهم قيادة العدالة والتنمية بالارتماء في أحضان الإخوان عبر جسر الدكتور الخطيب نفسه. فأيهما نصدق ؟ وكم كانت عند الدكتور الخطيب من أجندة ؟ وهل يلتقي المخزن مع الإخوان في وحدة موضوعية ؟
والهدف من ربط حزب العدالة والتنمية بالتنظيم العالمي للإخوان هو خلع صفة الوطنية عن هذا الحزب ومناضليه، ومحاولة إظهار ولائهم إلى الخارج، هنا يتبين ضعف المخرج أو المايسترو ثانية، فالشرقاوي الروداني يجعل ولاءهم لإخوان مصر ويربطهم بالمرشد العام السابق محمد مهدي عاكف فك الله أسره، وعبد العزيز بنعزوز في برنامج “مباشرة معكم” يربط ولاءهم بتركيا، ولست أدري من أصدق ؟

وعموما، فالتنظيم العالمي للاستئصاليين لم يستقر على رأي واحد، فكما اختلف الباميون، اختلف عموم الاستئصاليين، لذلك تجدهم في مصر يتهمون الإخوان بولائهم لأردوغان تارة، ولحماس تارة أخرى، وفي تركيا يتهمون أردوغان بولائه لمصر، وهكذا، المهم هو أن تتهم الخصم باللاوطنية.

البام والإرهاب :

اتهم الباميون الإسلاميين المغاربة بالانتماء إلى التنظيم العالمي للإخوان، ولم يوردوا دليلا على دعواهم، لذلك لم يجدوا بدا من تكرارا افترائهم حتى صدقوه واعتبروه من باب السماء فوقنا، ومن لم يقر بذلك فهو إرهابي، لذلك قال الشرقاوي الروداني ” لهذا فإن الجزم والقول بأن ليست حركة (الصواب : لحركة) التوحيد والإصلاح وجناحها السياسي أية علاقة بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين هو أكبر عملية إرهاب فكري تمارس في حق المغاربة”، فهل بعد هذا الإرهاب من إرهاب ؟ إما أن تقر بأنهم من الإخوان أو أنك أكبر إرهابي ؟ وهل يستسيغ أستاذ جامعي يتحمل عبء تربية الأجيال على المعرفة والبحث العلمي أن يتفوه بمثل هذه العبارات ؟ رحم الله المنطق والعقل والبحث العلمي.

ملاحظات على هامش مقال ذ. الشرقاوي الروداني :

نشر موقع هيسبريس مقالا للأستاذ الشرقاوي الروداني ، وقعه بصفته برلمانيا وأستاذا جامعيا، نبهْنا إلى بعض مغالطاته باعتبارها نسقا عاما يجمع كتاب البام ومثقفيه، لكن لنا عليه بعض الملاحظات الخاصة :

1 – تحدث الأستاذ المذكور عن الخصوصية المغربية التي لم تسمح “للعثمانيين بتكريس نموذجهم الديني، بل انتصر الإسلام المغربي المنفتح، وحارب كل دخيل على ثقافتنا وهويتنا الوطنية”، وهذه العبارة تدل على جهل الرجل بما أسماه “الإسلام المغربي”، لأنه لا وجود لإسلام مغربي خالص، فالمغاربة يتعبدون الله وفق المذهب المالكي المنتسب إلى الإمام مالك، وهو إمام مشرقي لم يغادر الحجاز قط، واعتمد المغاربة الفقه المالكي بواسطة المختصر للشيخ خليل، وهو فقيه مشرقي مصري، ولم يبدع المغاربة في الفقه إلا بعد رحلاتهم العلمية إلى المشرق، ودوننا ابن العربي المعافري الذي استفاد من الغزالي.

وفي مجال العقيدة تبنى المغاربة المذهب الأشعري، وأخذوه من آراء الإمام أبي الحسن الأشعري ومن بعده من أمثال الباقلاني والجويني، وكلهم مشارقة.

وفي التصوف سلك المغاربة طريقة الجنيد وهو صوفي عراقي مشرقي.

فأين الإسلام المغربي الذي يدعيه الأستاذ الجامعي ؟

ولو تأمل الأستاذ عبارته أعلاه لوجد فيها من التناقض ما يكفي لإسقاط أطروحته، حيث أشاد بانفتاح الإسلام المغربي، وفي الآن ذاته أشاد بمحاربته لكل دخيل، فكيف يكون منفتحا وهو يحارب الآخر ؟ أهذا هو مفهوم الانفتاح عند الأستاذ الجامعي ؟

نعم، حارب المغاربة الفكر بعض المرات، ومنها إحراقهم لإحياء علوم الدين، وهو ما تراجع عنه المغاربة فيما بعد واحتفوا بالكتاب أيما احتفاء، فهل يشيد الأستاذ بهذا الإحراق ؟

2 – قال الأستاذ المذكور أثناء انقضاضه على الإسلاميين المغاربة : “فمن حادثة سقيفة بني ساعدة مرورا بمقتل عثمان بن عفان وانتشار الفكر الديني المتشدد في الخلافة العباسية ووصولا إلى ميدان رابعة العدوية بمصر، كانت النتيجة هي الزج بالبلدان في أتون الاقتتال الأهلي”.

لا يستطيع عاقل إلا أن يتساءل كيف لأستاذ جامعي محكوم بالصرامة المنهجية يهذي بمثل هذا الهذيان ؟ فهل يريد أن يتهم بنكيران بالوقوف وراء ما وقع في سقيفة بني ساعدة ؟ الاحتمال وارد، لأن أصحاب الإخوانوفوبيا يقولون كل شيء، ألم يقل أمثال هذا الأستاذ الجامعي في مصر بأن الإخوان المسلمين كانوا السبب الرئيس لسقوط الأندلس.

قفز الأستاذ الروداني من مقتل عثمان إلى العهد العباسي مباشرة، ولم يعرج على العهد الأموي، مما يدل على إعجابه بالاستبداد السياسي وأجهزة التحكم التي نشرها بنو أمية آنئذ، حيث وصل بهم الاستهتار إلى قتل الصحابة وقطع رأس حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3 – قال الأستاذ الروداني في مقاله المذكور إن الإخوان يجسدون السلفية الإسلامية الرومانسية، لذلك، فإني ألتمس منه أن يوجه طلبته إلى إنجاز بعض البحوث الجامعية من قبيل “الرومانسية عند سيد قطب من خلال معالم في الطريق”، “الرومانسية عند عبد القادر عودة من خلال كتابه الإسلام بين عجز دعاته وجهل أبنائه” … إنها بحوث ستثري خزانة البام لا محالة.

4 – الضعف العلمي والفوضى المنهجية التي يعاني منها ذ. الشرقاوي لا يكاد يدانيه فيها إلا كتاب البام، ولنا على ذلك شواهد وأمثلة نعرض عنها الآن، ومن قرأ مقال الأستاذ المذكور يقف على أمرين :

أولهما : كثرة الأخطاء التي يسهل اكتشافها من قبل تلاميذ الإعدادي، وهي أخطاء طبعية وليست مطبعية.

ثانيهما : ركاكة الأسلوب، ويمكن للقراء أن يشاركوني قراءة الاقتباسين :

الاقتباس الأول : “تبرز الدلائل على أن ليس حزب العدالة والتنمية بالمغرب هو من فقط ينتم (كذا) إلى هذا التنظيم”، وللقارئ أن يتأمل عبارة “هو من فقط” وركاكتها.

الاقتباس الثاني : “فإذا كان عبد العزيز بنعزوز عضو مكتبنا السياسي اختار العمل في حزب استطاع أن يختار حزبا يستوعب أفكاره وأحلامه”.

إذا كان هذا هو أسلوب الأستاذ الجامعي فلا أملك إلا أن أتبنى الخطاب الملكي ل 20 غشت الداعي إلى إصلاح التعليم والرفع من مستواه.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع