أخر تحديث : الإثنين 23 سبتمبر 2013 - 5:02 مساءً

الخطاب البئيس لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي

بدرالدين الخمالي | بتاريخ 23 سبتمبر, 2013 | قراءة

قليل من التأمل في مسمى ( تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي ) سيجعلنا نكتشف مدى التخريف والتجديف والوهم وعدم فهم التاريخ والجغرافيا بل وعدم فهم الإسلام في حد ذاته الذي يكتنف فكر وتصورات القادة والمنظرين المفترضين للجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية خاصة عبد المالك دروكدال (أبو مصعب عبد الودود) الذي قرر ذات يوم من سنة 2007 أن تتحول جماعته إلى مسمى القاعدة في المغرب الإسلامي لتقفز على ظروف نشأتها المحلية بجزائر العشرية السوداء إلى المحيط الإقليمي الذي يشمل المجال المغاربي والساحل الإفريقي تعبيرا عن انخراطها في الجبهة العالمية للجهاد ضد الصلبيين واليهود التي أطلقها أسامة بن لادن نظريا و تعبيرا عن انخراطها في مشروع زعزعة الاستقرار والأمن الإقليمي على المستوى العملي  وتعبيرا عن نشاطها الإجرامي على مستوى الممارسة .

لماذا المغرب الإسلامي
الشيء المضحك و المثير للسخرية في التسمية ب (القاعدة في المغرب الإسلامي) والذي لم ينتبه له العديد من المحللين والمتابعين للجماعات الإسلامية والتنظيمات الجهادية ومروا عليها مرور الكرام وتعاملوا معها بنوع من التسليم والسذاجة كما لو أن مصير المغرب الإسلامي يمكن أن تقرر فيه شرذمة منبوذة من المجتمع الجزائري خرجت هائمة على وجهها في الأرض بعد أن طحنتها الآلة العسكرية هناك .

أو كما لو أن الأمر في المغرب الإسلامي هو مماثل ومشابه لأفغانستان واليمن حيث تسود الفوضى والفشل السياسي و انعدام مفهوم الدولة خاصة عندما نقوم بمقارنة تلك المناطق بالدولة في المغرب – القلب النابض للمغرب الإسلامي – الضاربة جذورها في عمق التاريخ بمؤسساتها ونظامها السياسي و خصوصيتها الدينية و الروحية و علاقاتها الدولية و الإقليمية وامتداداتها الجغرافية .

ذلك أن تسمية المغرب الإسلامي بما تعنيه من مساحات جغرافية وتصورات ثقافية على مر التاريخ الإسلامي عموما شكلت استثناءا صارخا في وجه كل الدعوات الهدامة والإيديولوجيات المتطرفة والفوضوية ووقفت الند للند في وجه المركزية المشرقية على المستويين السياسي و المذهبي حيث جعل المغرب الإسلامي من تجربته المحلية دينيا وسياسيا عنوانا للاستقلال الحضاري والسياسي والاجتهاد الفقهي والديني وخلق لنفسه تميزا عن الشرق في كل شيء ثقافيا ومعماريا و سياسيا ومذهبيا ولم يقبل أبدا بالمركزية المشرقية ولنا في المغرب الأقصى أعظم مثال على ذلك حيث لم يخضع بتاتا لأي قوة سياسية مشرقية بما فيها الدولة العثمانية منذ تأسيس الدولة الادريسية سنة 788 ميلادية بكل أقاليمه التاريخية ( بلاد شنقيط وتمبوكتو إلى حدود نهر السنغال ) .

ولن تكفينا المجلدات العظام إذا أردنا أن نضرب الأمثلة على دول المغرب الإسلامي المترامية الأطراف ( المرابطين والموحدين و السعديين والمرينين والعلويين ) كما أن هذا الأمر يعرفه القاصي والداني ممن محا أميته وجهله التاريخي ومرد ذلك يرجع إلى الطبيعة الوجدانية للإنسان المغاربي عموما الطامح إلى إنتاج تجاربه الحضارية المستقلة و اتباث هويته بعيدا عن أي مركزية سياسية أو ثقافية  مشرقية كانت أو غربية .

ولكن بعض المغفلين ممن لم يقرؤوا التاريخ جيدا ولا فهموا الجغرافيا ولا فهموا الدين و لا فهموا وأدركوا طبيعة التدين المغاربي بسبب فساد فطرهم واختلاف قلوبهم وضعف تعليمهم وانعدام وعيهم سارعوا بعد فشل حروبهم العقائدية والمذهبية المتشنجة داخل الجزائر – بغض النظر عن التجربة السياسية لجبهة الإنقاذ الإسلامية – وبعد فشل طموحهم في فرض نموذج محدد للتدين على الجزائريين إلى توجيه بوصلتهم نحو الشرق – أفغانستان تحديدا – أي نحو تنظيم القاعدة الإرهابي و التماهي مع خطابها الفوضوي وصل إلى حد إعلان البيعة وتقديم الولاء لقادتها بن لادن والظواهري من بعده  في صورة كاريكاتورية تعكس الضحالة الفكرية والوجدانية وتفضح التوجهات الإجرامية للشرذمة التي يتزعمها دروكدال ومختار بلمختار وباقي العصابة.

السمعة السيئة

يقول بيار فيلو في دراسته بعنوان ( هل تصبح القاعدة افريقية في منطقة الساحل ) المنشور في مايو 2010 ضمن أوراق مؤسسة كارنيغي للسلام ( …في الصحراء تتعاون القاعدة في المغرب الإسلامي فقط مع شبكات التهريب التي تنتهك القانون إذ تعد التبادلات الإجرامية ( النقد مقابل الرهائن والمخدرات مقابل الأسلحة وتقاسم المعلومات الاستخبارية ذات أهمية حاسمة لبقائها  وعملياتها وهذا يولد مشكلة سمعة بالنسبة لتنظيم يصنف نفسه على انه جهادي…) .

مشكلة سمعة…لا بل أكثر من ذلك لان السمعة السيئة التي اكتسبها هذا التنظيم الإجرامي لم تكن سوى النتيجة الطبيعة للسلوكات الإجرامية التي ارتكبها منذ بدا عربدته خارج الحدود الجزائرية حيث امتدت اعتداءاته إلى موريتانيا و تشاد والنيجر و اضر بشكل بالغ بالأمن والاستقرار بشمال مالي بل وبالمنطقة ككل وكان سببا مباشرا في الفوضى التي شهدتها المنطقة وأدت في الأخير إلى التدخل العسكري الفرنسي  وهو ما سبق أن حذرنا منه في مقال بعنوان منابع الفوضى بالساحل الإفريقي .

الشريط التحريضي ضد المغرب

الشريط المرئي الأخير الموجه ضد المملكة المغربية الذي أخرجته شبكة الأندلس التابعة للتنظيم الإجرامي بالإضافة إلى كم التلفيق المعتمد على التزوير والقطع واللصق التافهين الذي تضمنه يفصح بجلاء عما سبق أن قلناه عن  زعماء التنظيم من ضحالة فكرية وجهل صارخ مركب بطبيعة المغرب الإسلامي وبتاريخه الذي يتجسد في تاريخ المغرب الأقصى بكل ما للكلمة من معنى على جميع الأصعدة …جهل بالمغرب وبشعبه وبقيادته السياسية وبتوجهه الروحي والمذهبي المعتدل و جهل بتاريخه السياسي الناصع البياض و جهل بقوة التلاحم في نسيجه الاجتماعي وبقيمه الحضارية و تميزه المعماري التي لازالت شواهده دالة عليه .

جهل فظيع لا يقاس بمعيار… لان ما لا يعلمه من اعدوا الشريط وقادتهم المغفلين أن المغاربة شعب لا يرضى بان يعطي الدنية في دينه ووطنه أو أن يفرط قيد أنملة في نعم الله في الأمن والاستقرار والتعايش والتسامح التي شمله الله عز وجل بها قيادة وشعبا وشمل بها المملكة المغربية الشريفة على مر العصور.

فعدا الإساءة المستفزة لرموز المغرب وسيادته فان أسوء ما في الشريط الذي يقدمه شخص ذو لهجة مشرقية هو الخطاب التحريضي البئيس الذي يوجهه لشباب المغرب في مفاضلة سخيفة بين قوارب الموت أو قوارب الجهل والتطرف والإجرام التي يبحر بها دروكدال و شرذمته على ضفاف الساحل الإفريقي …بئس المفاضلة و بئس الخطاب جهالة في جهالة وظلام في ظلام ما ابعد الإسلام عنه وما ابعد الرحمة  والإنسانية عنه وما ابعد العقل والمنطق عنه وما ابعد كل فضيلة وخلق عنه …كبعد السماء عن الأرض.

فالعجب كل العجب من هذه الجرأة الخرقاء وهذا النعيق الأحمق وهذا النداء الأجوف لشذاذ الأفاق وهذه الرسالة البلهاء السخيفة التي أطلقوها ظنا منهم أنهم يحدثون مغفلين من أمثالهم مغلقي الفكر محدودي الأفاق …جاهلين بان الشباب المغربي اليوم أكثر وعيا ونضجا وأكثر فهما بدينه وتشبثا بوطنه وبان الشباب المغربي متطلع إلى مستقبل زاهر مشرق ساطع بنور العلم والمعرفة والتكوين مستقبل تتجاوز فيه كل الصعاب الآنية من اجل بناء الوطن في ظل مجتمع متسامح يمارس دينه باعتدال و وسطية وانفتاح حضاري وتعددية سياسية في إطار نظام مؤسساتي ديمقراطي ودولة الحق والقانون .

لذلك فالخطاب التحريضي البئيس لهذا التنظيم الإجرامي لن يكون له أي صدى في المجتمع المغربي ولن يلتفت له احد بل لم يلتفت له احد أصلا وغالب ما جناه من تفاعل هو الاستهجان و الإدانة المطلقة لمضمونه المتهافت والجاهل وأطروحاته الظلامية المقيتة لان المجتمع المغربي والقيادة المغربية والشباب المغربي والصحافة المغربية اقوي و أسمى من أن تؤثر فيها هذه الدعوات السخيفة المبتذلة ولان مناخ الديمقراطية والحرية المترسخ دستوريا يأبى علينا جميعا إلا أن نتعامل بكثير من النضج والمسؤولية وان نرتفع عن أي رد فعل قد يؤثر على صورة العدالة المغربية  و احترام حقوق الإنسان و المس بحرية التعبير .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع