أخر تحديث : الخميس 3 أكتوبر 2013 - 3:55 مساءً

الخصوصية المغربية في الانقلاب على الديمقراطية

سعيد الحاجي | بتاريخ 3 أكتوبر, 2013 | قراءة

لم يكن أكثر المتشائمين في المغرب بعد الحراك الاحتجاجي المتزامن مع الربيع العربي، يعتقد أن الأمور في المغرب ستذهب في اتجاه ما آلت إليه اليوم، حيث أصبحنا نعيش الانتكاسات تلو الأخرى على أكثر من صعيد، سياسيا اجتماعيا اقتصاديا حقوقيا وغيرها من المجالات التي تعكس مدى تقدم أي بلد في سلم الديمقراطية.
منذ أن تم اعتماد دستور فاتح يوليوز الذي يعتبر وليد مخاض الربيع العربي وحركة العشرين من فبراير، انقسم المتتبعون بين من رأى أن الدستور الجديد يشكل أرضية ومنطلقا للانتقال نحو الديمقراطية، وبين من رأى أن جوهر الدستور لم يطله تغيير كبير بالشكل الذي يبعث على التفاؤل بخصوص مستقبل الديمقراطية في المغرب، إلا أن هناك فئة أخرى كانت ولا زالت تذهب في اتجاه أن الحجرة العثرة أمام التحول الديمقراطي في المغرب ليست هي القوانين والدساتير، بقدر ما هي ممثلة بالأساس في  وجود عقلية تميل إلى الاستبداد والابتعاد عن الديمقراطية، وتشكل أعمدة رئيسية في بنية المخزن المغربي، والتي تقوت منذ عقود بالشكل الذي جعلها منيعة أمام كل محاولة ديمقراطية.
لقد برهنت التطورات المتلاحقة التي عرفها المشهد السياسي المغربي منذ انطلاق العمل بدستور فاتح يوليوز، أن شيئا ما ليس على ما يرام في الجسم السياسي المغربي، رغم ما يمكن أن يقال عن الانتخابات النزيهة واحترام الدستور في تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأغلبي وغير ذلك من المقدمات المطمئنة، إلا أن المطبات التي وقعت فيها الحكومة خصوصا عند محاولة وضع القوانين التنظيمية المرتبطة بالدستور، كشفت بشكل جلي أن عجلة الديمقراطية في المغرب لازال يعترضها شيء ما للدوران بشكل طبيعي، فالارتباط لا زال قويا بجهات خارج الحكومة من أجل اتخاذ القرارات الحاسمة، حتى تلك التي يشير الدستور صراحة أنها من اختصاصات الحكومة وحدها دون الرجوع إلى أي طرف آخر، إلا أن الأمر يبدو وكأن نمط حكامة قديم لازال يرخي بظلاله على وضع جديد بكل متغيراته ومستجداته، وبالتالي كانت الحكومة الحالية أمام حصيلة تشريعية هزيلة في الجانب المرتبط بالتنزيل الديمقراطي للدستور على أرض الواقع.
ومن جهة أخرى فإن الممارسة السياسية من طرف الأحزاب تغيرت لكن بشكل يبعث على الاستغراب أكثر مما يبعث على الاطمئنان لوجود بوادر كيانات سياسية قادرة على الاضطلاع بمهامها الأساسية معارضة كانت أو مشاركة في الحكومة، فوجدنا حزبا يتراجع عن الاستمرار في الحكومة ( حزب الاستقلال ) بمبررات لم تقنع سوى أعضاء الحزب حسب الكثيرين، فالحزب المنسحب الذي ينادي بالحفاظ على مكتسبات الشعب وقدرته الشرائية وغير ذلك من مصالح الطبقات الشعبية، هو نفسه الحزب الذي كان مسؤولا عن تدبير مختلف القطاعات التي تعاني من التدهور لمدة عقود، وبالتالي فالأمر لا يحتاج إلى الكثير من التفكير كي يتم الوصول لخلاصة مفادها أن الحزب اليميني الذي عاش لفترات مختلفة في وئام مع المخزن، له دوافع لا يعلمها إلا الله والقائمون بأمر مخطط الانسحاب، غير تلك التي أعلنها بطبيعة الحال.
الجانب الآخر الغير المشرق من المشهد السياسي المغربي، هو سعي الحزب الأغلبي لترميم حكومته عن طريق التحالف مع حزب خاض معه حروب داحس والغبراء إبان الانتخابات التشريعية وبعدها بقليل، وزعيمه متورط في فضائح اخذ أموال عمومية بدون وجه حق عندما كان وزير المالية، وهو الأمر الذي لم يجعله يحاسب أمام القضاء على أفعاله، بقدر ما تم تقديم فاضحي هذا العمل المشين أنفسهم إلى القضاء بحجة كشف أسرار ووثائق الدولة، نفس الزعيم سيجد أمامه عرضا لدخول الحكومة من جديد والعودة إلى نفس الوزارة التي استولى فيها على أموال الشعب، وربما ليواصل ما ارتكبه سابقا، الشيء الذي بعث على الاستغراب من الحزب الأغلبي الذي انقلبت مواقفه وأصبح يبحث عن ود مفسدي الأمس لمواصلة تواجده في حكومة تفقد تدريجيا صفة الجدة والنزاهة والغيرة على مصلحة الشعب وغير ذلك من الأوصاف التي التصقت بها قبل انقضاء شهر عسلها مع الرأي العام المغربي.
حزب العدالة والتنمية الذي كان خطابه السياسي والانقلابي ينهل مصداقيته ومشروعيته من رغبته وقدرته على محاربة الفساد، وجد نفسه أمام قلاع وحصون فساد منيعة عجز عن اقتحامها فبالأحرى هدم أركانها، وهو اليوم يؤدي بشكل مستمر ثمن عدم البر بوفاء أمينه العام رئيس الحكومة الذي تعهد بوضع مفاتيح الحكومة فور اقتناعه بأن هناك من لا يريد لرياح الديمقراطية أن تهب على البلاد، والنتيجة أن القرارات التي كان يحتفظ بها المخزن مخافة أن ترتد تبعاته في وجهه على شكل موجات شعبية هادرة تعصف به، بعدما أثبت التاريخ المغربي عجز المعارضة السياسية عن الإطاحة به، بل وتحول جزء كبير منها إلى حمل وديع في أحضانه، القرارات الصعبة العسيرة على الهضم أصبحت تمرر من حلق بنكيران لتخرج من فمه على شكل لازمة الإصلاح في إطار الاستقرار وضرورة مساهمة الجميع في تأدية تكلفة الإصلاح، ليتضح فيما بعد أن الطبقات المسحوقة هي التي يجب عليها أن تضحي دائما من أجل استقرار يستفيد منه الفساد لتقوية نفسه أكثر من أي وقت، وذلك بتحمل الزيادات المستمرة في الأسعار التي تأتي بمبرر إصلاح صندوق المقاصة الذي يستفيد منه الأغنياء ولا يستفيد منه الفقراء، فكان أن أرغم هؤلاء على تأدية الثمن من معيشهم اليومي الذي يوجد في الحضيض أصلا، فيما الأغنياء تلقوا إشارات بفرض ضرائب على ثرواتهم وإقطاعياتهم الفلاحية، وهي إشارات خجولة جعلتهم يشعرون أن نعيمهم قد يطول لمدة أطول.
الجانب الحقوقي هو الآخر كان بوابة لضرب مصداقية الحزب الأغلبي عن طريق اتخاذ قرارات حقوقية مشينة، من قبيل العفو عن مغتصب الأطفال الإسباني، بعد ما قيل أنه ” خطأ ” إداري على مستوى إعداد لوائح المعفى عنهم، ورغم خروج الملك بنفسه لتدارك الخطأ، إلا أن تجربة المغاربة مع أخطاء الكبار علمتهم أن لكل حكاية ما قبلها وما بعدها، ونقط النهاية هي أصعب ما يمكن وضعه في المغرب، ليأتي الخبر اليقين هذه المرة من زاوية الإعلام الحر الجريء، باعتقال الصحفي على أنوزلا بتهمة الإشادة بالإرهاب، بعد أن كان الكثيرون متيقنون أن بذلة السجن موضوعة ومصممة بعناية على مقاسه، فقط يجب انتظار الوقت المناسب والتهمة الملائمة لإلباسه إياها، لأن علي لم يكن يلقي بالا لحكومة بنكيران ولا لمشاكلها وأزماتها، لكنه كان يتجاوز اللغط الدائر ليضع أصبعه على أصل الداء، ربما قناعة من هذا الصحفي بأنه يجب اختصار الوقت، وأن الحقيقة التي قد يصل إليها السواد الأعظم من المغاربة بعد ردح من الزمن، يبغي قولها هنا والآن، فكان أن اقتضى الأمر تضحيته بحريته في سبيل توفير الوقت على الشعب المغربي لإدراك الحقيقة وتحويل النقاش إلى الاتجاه الصحيح، بذل تضييع الوقت في الحديث عن المسيرات الاحتجاجية ” الحمارية ” التي تهضم حقوق الحمير أكثر مما تعبر عن الوعي السياسي لنجوم السياسة الجدد.
إذا كان لكل مسار ديمقراطي في بلد عانى الفساد والاستبداد لردح من الزمن أعداءه وأساليب الانقلاب عليه، فإن مسار الانتقال نحو الديمقراطية في المغرب بدوره له خصوصيته، ولقد سمعنا كثيرا عن الخصوصية المغربية التي جعلته في عيون المغاربة بعيدا عن الأزمات السياسية والاقتصادية المندلعة في محيطه، وبينما اكتشف المغاربة أن مسألة الخصوصية ليست بالضرورة من الصفات الملازمة للواقع المغربي، فإنهم وقفوا على خصوصية من نوع آخر هذه المرة، وهي أن للمغرب خصوصيته فيما يتعلق بالانقلاب على الديمقراطية.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع