أخر تحديث : الجمعة 25 أكتوبر 2013 - 8:50 مساءً

سر الحلاوة و الملوحة

جميلة البوطي | بتاريخ 25 أكتوبر, 2013 | قراءة

في إحدى المرات و نحن مسافرين إلى القصر الكبير توقفنا لبعض من الوقت في إحدى المدن التي نمر عليها (لاداعي لذكر اسم المدينة يبقى الإسم إسما و العبرة بالمعنى ) ليشتري زوجي شيئا ما ، المهم و أنا كعادتي حاملة الكاميرا في يدي أراقب ما يحدث بالخارج ، توقف نظري عند محل للجزارة و الشواء، فاسترعى انتباهي منظر أحد الجزارين و هو يفتح حانوته و يستعد لبدء العمل صباحا .
كان باديا عليه ملامح البساطة في الجسد و الهيئة ، بدأ بعملية مسح مكان وضع اللحوم ، و رتب عدته و عتاده ، و من ثم تحول الى ‘القرطة ‘ ذلك الطرف الكبير من الخشب ، و الذي كان عبارة عن جدع شجرة سميك يسمح له بتقطيع اللحم بسهولة .

ما أثار دهشتي هو ما سوف أراه لاحقا؛ بحيث أخد صاحبنا “المبيد الحشري”بايكون ” و رشه بوفرة على قطعة الخشب طاردا الذباب ، و أخد منشفة مهترئة و مسح بها المكان جيدا دون غسله من أثر المبيد الحشري، و بعد ذلك وضع عليه اللحم بكل أريحية و شرع في تقطيعه أو بالأحرى تمليحه و تعتيقه بالمبيد الحشري دون تعذيب للضمير ..

عندما انتهى زوجي من مهمته و عاد غانما كنت واجمة مندهشة ، و في وسط ذلك الاندهاش و الغرابة قلت له ضاحكة :”الآن فقط عرفت سر هشاشة و حلاوة و طراوة و لذة الشواء في هذه المدينة الغراء ، إنه ليس التتبيلة و لا الخلطة السرية و لا حتى لحوم أنعام المنطقة الفلاحية الغنية بالكلأ المتميز كما كنت أعتقد بل السر و المعنى و اللغز هو “المبيد الحشري بايكون ”  ..

و سأصدقكم القول أنها ليست المرة الاولى التي أرى فيها مشاهد تمنيت من قرارة نفسي لو لم أراها نهائيا ، سأضيف أني مرة رأيت أحد العمال الذين يشتغلون في استخراج الملح و نحن كذلك في طريقنا إلى القصر الكبير و هو يقضي حاجته(يتبول أعزكم الله )على حاشية بركة الملح دون أن يداري نفسه أو خطيئته في حق العباد .

و المصيبة أني و حين أرى الفيديوهات التي ألتقطتها لهؤلاء “المتاعيس”و “المناحيس ” إلا و أستحضر الآية الشريفة “لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم” لأن مثل هذه الصور الحزينة تجعلني أشك في كل شيئ و هذا أمر ليس بالأمر المريح إطلاقا .

اعزائي.. ها أنا قد أعطيتكم الخلطة السرية للكفتة المشوية في بعض المحلات الوطنية و أعطيتكم كذالك سر الملوحة المالحة لملح الطعام الذي كنت أحسبه” اليود” عسى الله أن تكون هذه المشاهد آخرة الأحزان   .

لكن هل تسائلتم عن سبب مشاركتي لكم لهذه الوقائع القصيرة المشهد ..إنه سؤال أحدهم لي “و لماذا لا تضعي تلك الفيديوهات على النت ” أاتريدون معرفة ماذا كان جوابي؟ إنه كالتالي :”ليست هوايتي فضح الناس و لا التشميت بأعراضهم على الصفحات و في الطرقات ، لأني أولا أخاف الله؛ ثانيا أنا أحتقر في قرارة نفسي كل من تسول له نفسه التشهير بالناس و بأعراضهم و سلبهم أمانهم و ثقتهم في أنفسهم كما يقع الآن في العديد من مواقع الإفلاس الأخلاقي و الثقافي على الأنترنيت ، بحجة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر . لأني أومن بعمق بأنه كما “تدين تدان ” و على هذا الطريق ربيت و ” الإناء ينضح بما فيه”.

أعلمك أني مسحت الفيديوهات و الصور و أتمنى أن يبرئني الله من لوعة التصوير و حمل الكاميرا معي كما لو كانت طفلتي المدللة لأن كل شيئ زاد عن حده انقلب الى ضده .

و أريد أن أحيط المعني بالأمر أنه ليس كل ما تلتقطه كاميراتنا صالحا للنشر ، لأن حقوق الناس في الستر مضمونة من عند الحليم الستار .

دمتم في رعاية الله و سترنا المولى الستار على الأرض و تحت الأرض و يوم العرض عليه و نحن عراة إلا من أعمالنا و نياتنا و مدى سلامة قلوبنا ..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع