أخر تحديث : الثلاثاء 5 نوفمبر 2013 - 10:46 مساءً

زمن الكبار

ذ. سعيد نعام | بتاريخ 5 نوفمبر, 2013 | قراءة

كنا نشتغل داخل إذاعة طنجة، في ظل ظروف تقنية ومادية صعبة للغاية، بيد أنها لم تمنعنا من تحقيق نجاح لافت الانتباه، جسدته كميات الرسائل الضخمة التي كانت تفد على بريد الإذاعة، وحجم الانتشار الهائل لبرامجها المتنوعة، لدى الملايين من المستمعين عبر أرجاء العالم، إضافة إلى اتصالاتهم المباشرة.
كما أن التعويضات الهزيلة، التي كانت تعكس (حجم تقدير الدولة للإذاعيين!!) لم تشكل حاجزا يذكر، في مواجهة تحديات الأسرة الإذاعية، ومبلغ إصرارها في كسب الرهانات الإعلامية، وإنجاح شعار: إعلام القرب.

كنا نشتغل بإرادة صلبة، وإحساس كامل بالمسؤولية الإعلامية، والكفاءة المهنية، والصدق والإخلاص في العمل، ولم نكن نعبأ سوى بمكانتنا عند المستمع، وتقديره المعلن لنا، وتقديم منتوج تتوافر فيه الجودة، بصرف النظر عن أوضاعنا المادية، وضرورات (الحياة الإنسانية).

على مدى عشر سنوات، تحديدا من 1984 إلى 1994، ظلت إذاعة طنجة، تتربع على عرش التفوق والنجاح، دون منازع، بعد أن راكمت تجربة إعلامية رائدة، وجعلت الاستماع إليها بمثابة “فريضة” بالنسبة لمستمعيها، بفضل استقصائها لكل جديد، وقراءتها الذكية لنبض الشارع، واحتضانها لانتظارات المستمعين، وخروجها من كل ذلك، بباقة من البرامج، ترقى إلى مستوى تطلعات كل الشرائح الاجتماعية.

وكفاها فخرا أن وشحها التاريخ يوما بوسام الاعتزاز والتقدير، وسجل اسمها بمداد الذهب، على الدور الكبير، الذي لعبته في إحباط المحاولة الانقلابية الفاشلة، بزعامة الكولونيل اعبابو في 10 يوليوزمن سنة 1971، وكانت هذه الخطوة، قاب قوسين أو أكثر، من إنهاء قرون من الملكية في المغرب، وفق ما صرح به الملك الراحل الحسن الثاني نفسه.

لقد قامت إذاعة طنجة يومها، بالإعلان عن فشل الانقلاب العسكري، وطمأنت عموم الشعب المغربي على حياة الملك، ووجوده في مأمن ووضع سليم.

وكان من بين مميزات الزخم الإبداعي المتنوع، لإذاعة طنجة، هو مساهمة المنتجين الخارجيين الأكفاء، من أمثال عبد اللطيف بنيحيى، عبد اللطيف الفؤادي، محمد شكري، محمد علو، حسن الحلو، مصطفى الزين، زهير الوسيني، عبد العزيز جدير، عبد السلام أعبود، عبد الرحيم حزل، الطيب بوتبقالت، خليل الدامون، وغيرهم من المنتجين. لأن خالد مشبال، كان يؤمن بالتجربة، والتكوين الذاتي لبعض الطاقات، بالرغم من أنها لم تكن تنتمي رسميا إلى هذه الدار، ولكنها عملت على تأثيثها، وزخرفتها من الداخل، بشكل لائق وجميل. فإذاعة طنجة كانت تسكن هؤلاء قبل أن يسكنوها.

كان الزملاء التقنيون، يقومون بعملية التوضيب (المونطاج) للبرامج المسجلة، بواسطة أدوات بسيطة، علما أن هذه العملية تتسم بالتعقيد، ولا تخلو من هفوات، فقد يتمزق الشريط، أو يصاب بأي عطب مفاجئ، خصوصا في البرامج المباشرة، فيضعنا في موقف حرج، يتطلب من مذيع الربط، أن يكون ماهرا وذكيا، وذا مقدرة مهنية، من أجل اختيار الأسلوب الملائم، لاستغلال (مساحة البياض)، وجذب المستمع، لمواصلة الاستماع لبرامج الإذاعة، ولا يترك له فرصة تغيير المحطة، في انتظار تمكن التقني، من تدارك الموقف، وإصلاح العطب بكل خفة. ولا أحتاج إلى القول إنه في هذا البياض، تختبر قدرات المذيع والتقني معا، على صعيد إتقان فن الاتصال، والتواصل بينهما، وبين المستمعين.

خلال حرب الخليج الثانية (صيف 1991)، التي شنها الحلفاء، لإخراج الجيش العراقي المجتاح للكويت، سنة 1990، ووضع العرب في أخطر مآزقهم، حققت إذاعة طنجة تغطية رائدة بكل المقاييس، لتفاصيل هذه الحرب البئيسة، التي أجهزت على كل القدرات العراقية..!!.
مازلت أتذكر جيدا، أنه على رأس كل نصف ساعة، كانت إذاعة طنجة – إبان تداعيات هذه الحرب (بوش في مواجهة صدام حسين)- تذيع نشرة إخبارية، مرفقة بتحليل دقيق وشمولي للأخبار، مع تنويع مصادرها، وعدم الاعتماد فقط على وكالات الأنباء الرسمية في نقل الخبر. وكان الاجتهاد سمة غالبة على العمل الإذاعي، في ذلك الزمن، زمن الكبار، زمن الكفاءات والمهارات الاستثنائية.

ولأن إذاعة طنجة، اختارت الانحياز إلى نبض الشارع، الرافض للحرب العالمية ضد العراق، وكرست أخبارها وبرامجها لفضح (التحالف الدولي- العربي)، فقد تعرضت لمضايقات سافرة أحيانا، ومقنَعة أحايين أخرى، من طرف وزارة الداخلية، في عهد إدريس البصري، التي حولت الإعلام المرئي/المسموع، إلى ملحقة تابعة لها!!.

وحين كان يقال للملك الراحل الحسن الثاني، من طرف إدريس البصري، وزير أم الوزارات، إن إذاعة طنجة “تتعدى الخطوط الحمراء”، كان الملك يرد بهدوء – حسبما تذكر عدة مصادر- “اتركوا إذاعة طنجة، تمارس مهامها الإعلامية، لامتصاص غضب الشارع وفورانه”.
في هذا الخضم، الذي جعل التعبئة الإعلامية، عنوانا يوميا لطاقم إذاعة طنجة، من ضوء النهار، إلى شفق الصبح، كنت أقدم النشرات الإخبارية، متأثرا بنكسة 5 يوليوز1967، التي رافقت خروجي إلى الدنيا، ومتأثرا بالنكسة الإعلامية لإذاعة “صوت العرب” المصرية، بعد أن عاهدت نفسي، أن لا أمارس التضليل الإعلامي تحت أي مبرر، وأن أصون الميكروفون من كل ما يناقض الحقيقة.

كانت حرب الخليج الثانية، بكل ما رافقها من أوجاع، ومآسي كبرى، بمثابة اختبار صعب، لمهنية طاقم إذاعة طنجة، الذي نجح في هذا الامتحان بامتياز، بينما رسب فيه آخرون رسوبا مدويا!!.

ولن أتورع عن الفخر، أني كنت من المساهمين، في صنع هذا التألق الإعلامي لإذاعة طنجة، وكانت مشاركتي، لبنة في هذا الصرح المتين.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع