أخر تحديث : الأحد 24 نوفمبر 2013 - 10:08 مساءً

الدرس الاستراتيجي الإيراني

بدرالدين الخمالي | بتاريخ 24 نوفمبر, 2013 | قراءة

مما لا شك فيه أن الاتفاق الغربي الإيراني الذي تم التوصل اليه يوم أمس بجنيف جعل إسرائيل والقوى الرجعية العربية الخليجية على الخصوص يسقط في أيديها ولا تعرف بما ابتليت به من نكسة وخيبة أمل كبيرة و سقوط الآمال التي كانت تعلقها على المفاوضات الغربية الإيرانية من اجل قصقصت الأجنحة الإيرانية و كبح جماح هيمنتها على المنطقة التي أصبحت ظاهرة للعيان في العراق و سوريا ولبنان .

النصر الدبلوماسي الذي حققته إيران في ملفها النووي لم يتأتي الا بفضل الاستراتيجية الناجحة التي اعتمدها النظام الإيراني في علاقته بالغرب واستثماره لما يجري بالمنطقة لفائدة توطيد مصالحه الإستراتيجية بدأ باستغلال حالة الفوضى التي تلت الاحتلال الأمريكي لأفغانستان ثم بعد ذلك احتلال العراق وسيطرة الفصائل الشيعية على الحكم فيه ودعمه المتواصل لحزب الله و للنظام السوري وتدخله المستمر في شؤون الدول الخليجية وتهديده المستمر لإسرائيل معتمدا في ذلك على الأقليات الشيعية في المنطقة وعلى جدية مشروعه النووي .

اللعبة السياسية التي لعبها النظام الإيراني بإتقان كبير وبتوازي مع الإصرار الرائع على تطوير برامجه النووية وترسانته العسكرية و توطيد علاقاته بروسيا والصين ولعب الأوراق الإقليمية بحنكة أثمرت الكسب الكبير الذي تم تحقيقه برفع العقوبات الاقتصادية في امد ستة اشهر من بدء تطبيق الاتفاق و نيل الدعم الغربي بأكثر من خمسة ملايير دولار تتعلق بمبيعات المواد النفطية والاعتراف بحق ايران في تخصيب اليورانيوم بشكل محدد وحقها في التكنولوجيا النووية المعدة للاستخدام السلمي .

الدول الكبرى فكرت في مصالحها القومية وأمنها القومي بدرجة أولى أكثر من التفكير في مصالح الدول العربية الخليجية التي تعتبرها حليفة لها وأكثر من التفكير في تبني مقولات اليمين الإسرائيلي الذي يعتبر كل خطوة في اتجاه التقارب الإيراني الغربي هو مس صريح بأمنها ووجودها بحكم العداء الذي يؤطر علاقة إيران بالاحتلال الصهيوني .

بعض الأطروحات المتسرعة قبل سنتين وفي عز الانتشاء والهواجس التي صاحبت ثورات الربيع العربي كانت تصر على ان العلاقات بين الولايات المتحدة و الحركات الإسلامية السنية خاصة جماعة الإخوان المسلمين ستدخل مرحلة السمن على العسل من اجل إيقاف المشروع الإيراني في المنطقة بحكم التوافق الحاصل على المستوى النظري بين الإيديولوجية الليبرالية والتصورات السياسية للإسلاميين المعتدلين الذين يقبلون باللعبة الديمقراطية و حقوق الإنسان والدولة المدنية وغيرها من محددات الانفتاح والاعتدال التي يسطرها القاموس السياسي الغربي .

كل ذلك ذهب أدراج الرياح وتبين بالملموس خطؤها الفادح في التنظير و الاستشراف بعد الانقلاب الدموي العسكري في مصر الذي ساهمت وشاركت في الإعداد له القوى الرجعية العربية ماديا ولوجيستيا وسياسيا من اجل القضاء على مشروعية الطرح الإسلامي المعتدل الذي كان ينافسها على زعامة الدول السنية والذي ظهر جليا مع محمد مرسي سواء خلال القمة الإسلامية بطهران أو من خلال دعمه الكبير للثورة السورية وعلاقاته الوطيدة بحركة حماس.

كما ذهبت أدراج الرياح الطموحات السعودية في التموقع كقوة إقليمية عربية كبرى حليفة للولايات المتحدة في المنطقة مما كان سيساعدها على الوقوف أمام النزعات التوسعية الإيرانية في الخليج و مشاريع توسيع الهلال الشيعي الذي يهدد الأمن القومي السعودي واستقرارها الداخلي .

الاتفاق الغربي الإيراني كان متوقعا بل ونجزم بأنه كان معلوما بشكل مسبق لدى النظام السعودي وهو ما أدى به إلى رفض تولي منصب عضو غير دائم بمجلس الأمن احتجاجا على الولايات المتحدة الأمريكية و سعيها نحو تطبيع العلاقات مع الإيرانيين بعد انتخاب روحاني رئيسا جديدا للبلاد .

لذلك فالانتكاسة السعودية لا يوازيها سوى انتكاسة الإسرائيليين الذين راهنوا كثيرا على التغيرات الجيو إستراتيجية في المنطقة لكي تخدم مصالحهم في ضمان ديمومة التفوق الاستراتيجي والقدرة الاستباقية في تشكيل منظومة الردع التي عرفت بدورها سقطات كارثية بالنسبة لهم بعد انتصار حزب الله في معركة تموز 2006 و بقاء بشار الاسد في السلطة لحد الساعة رغم المقاومة الشديدة التي تبديها المعارضة .

الدرس الإيراني درس مفيد جدا في تاريخ العلاقات الدولية بغض النظر عن اختلافنا وموقفنا من النظام الإيراني وتوجهاته الإيديولوجية والمذهبية لأنه يؤكد المقترب الواقعي و النظرية البرغماتية التي نظر لها هانس مورغن تاو بقوله ( العلاقات الدولية في جوهرها ليست إلا علاقات قوة، ولا تخضع إلا لقانون واحد هو قانون المصالح القومية ).

الدرس الإيراني كذلك ربما قد يكون مفيدا جدا للأنظمة الانبطاحية في المنطقة العربية لكي تعلم بان الانبطاح  أمام الغرب إنما هو وجه من  أوجه الغباء الاستراتيجي المستحكم الذي تتمتع به  ويجعلها تتذيل بكل جدارة واستحقاق مؤخرة الأمم على الكرة الأرضية بالرغم من الترواث والموارد البشرية التي حباها الله بها  وبالرغم من كون ان الفرصة للنهوض ورفع الرأس التي وفرها الربيع العربي كانت جد مناسبة لكي تستلم القيادة من جديد وتشمر عن ساعد الجد في تطوير وتقدم بلدانها و لكن كيف يهدي قوما ختم الله على قلوبهم وأسماعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولازال المستقبل كفيل بان يعري كل أوراق التوت عن  كوارثهم .

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع