أخر تحديث : الجمعة 6 ديسمبر 2013 - 3:07 صباحًا

البوح الممكن

جميلة البوطي | بتاريخ 6 ديسمبر, 2013 | قراءة

أذكر انه في يوم من الأيام التقيت بمدرسة ابنتي للغة الفرنسية و هي المنحدرة من مدينة الدار البيضاء و في خضم تعارفنا و حديثنا المتبادل عرفت أني من مدينة القصر الكبير فظهرت عليها أثار الدهشة موضحة أنها تعرفت أيضا و بمحض الصدفة على مؤطر تربوي قصراوي كفؤ خلال مسيرتها التعليمية و كم كانت دهشتها كبيرة معللة ذالك بأنه كيف لهذه المدينة الصغيرة و … و… أن تنجب شخصا بثقافته و أخلاقياته السليمة كما لو كانت تلك المدينة عاقرا !!!

لم أعقب على كلامها بإسهاب كما تمنيت ، ربما عزوته لكونها لم تتكلم معي إلا باللغة الفرنسية فوجدتني غير قادرة نسبيا على مجاراتها فبالأحرى الدفاع عن مدينة ربما هي تحتاج لجميع الأسلحة الشرعية و غير الشرعية..

و في طريق عودتي إلى المنزل انهالت علي العواطف المتضاربة من كل حدب و صوب و خنقتني لدرجة أنها نبشت جرحا عميقا و قديما و حاضرا بكل قوة في قلبي ، فمند مغادرتي لمسقط راسي مند عشرات السنين نحو الجامعة أو بعد دالك صوب مسقط رأس أبنائي إلا و كانت مثل العبارة السابقة أو عبارات أخرى و التي تصدر عن عقلية القطيع تلاحقني بوحشية من قبيل “القصر غير عروبية ….عامرة بالزبل تاع الدلاح …و عامرة بالدبان و ماليها غير … و هدا غيض من فيض …”

كنت و ما زلت أدافع عنها قدر جهدي لكي لا أخون أصلي علانية … أما بيني و بين نفسي فلم أكن إلا ساخطة أو كارهة أو منتقدة شرسة لأغلب معالم المدينة و لمنطق تسيير شانها المحلي .. حتى أني اذكر في فترة شبابي امتنعت عن المشاركة في الانتخابات بحيث كنت أصفها بالمشروع الفاشل، فما كان من أبي إلا أن أجبرني قسرا على المشاركة معللا حكمه الغير القابل للنقاش بأنه في تلك المرة ستسلم الجرة .. لكن و مع انسياب السنين لم أجد لك أبي الفاضل عذرا ، بحيث و في كل مرة أعود إلى مدينتي، و كيف لا أعود، إلا و احزن اتسائل لماذا هدا التجني في حق هذه المدينة و أهاليها عبيدها أو بشرها اختاروا ما تشاءون من الأوصاف فلست متأكدة من عقلياتكم …

لماذا تتطور اغلب المدن في وطننا في ظل قرن شيمته التطور المجنون و تظل هده المدينة على حالها تابثة صامدة وفية لجمودها لعقود و عهود تحبو دون الوقوف على أرجلها تنتحب و تختفي في صمت …

انتظرت سنوات و ألاف الأيام حتى لا اظلمها و استبق الأحداث لأبوح بما يختلج صدري عندما يقع نظري على نفس المشاهد المتكررة و المؤلمة لكل شخص عاقل و غيور .. عشوائية … مشاريع مع وقف التنفيذ .. تدمير لأرصفة الأحياء المنبوذة بشكل محبط و عدم الالتزام بإصلاحها .. أزبال و روائح عفنة في أماكن حيوية يقصدها كل قاطنة القصر الكبير …

حتى إني مؤخرا التقطت بعضا من هذه الصور لأذيل بها عواطفي لكن غيرتي على هذه المدينة” فانا من صميمها و بحبوحة دارها ” حال دون ذلك… غيرتي على دروب … أحياء لعبت فيها و كم ضحكت.. و بكيت بين جنباتها و حتى اني تمردت بين أهوائها فهذه” الأرض جلد عظمي و قلبي ” احتفظت بتلك الصور الكريهة في عقلي الذي ما فتئ يتساءل من المكلف يا ترى بتدبير شؤون هذه المدينة العجائبية تدبيرا ديمقراطيا وفق شروط يحددها سيادة القانون و من يسطر هده القوانين العجيبة !!!

يضيق علي الخناق مرة أخرى أمام عدم إلمامي بالقوانين الشيء الذي شكل حجرة عثرة أمام سؤال احدهم لي بجرأة و استفزاز ” اخبريني لماذا تريدين من المسؤولين الالتفات لهذه المدينة و ماذا يميزها ككيان لتستحق النظافة و تطبيق المشاريع في الحال و منطقة صناعية و كل أحلامك الطفولية …
أو تظنين أن ساكنة هذه المدينة يستحقون هذه الأحلام و هم غير عروبية لان قصراوة الأحرار رحلوا أو هاجروا أو في طريقهم إلى الهجرة و لم يتبق إلا …”

و في خضم هجومه تذكرت عصر الظلمات عهد الظلم و الجهل و قبح الله الجهل .. و تساءلت أما زلنا في الزمن الرديء الذي نحتاج فيه إلى جهة أو جهات معينة تملك وحدها حق منح صفة و بطاقة إنسان و كذا اعترافا بحقوقه الإنسانية التي قد لا ترقى بعد إلى مستوى حقوق الأفراد في بقاع أخرى في العالم , و هل أصبح في نظره القصراوي إنسانا غير مرغوب فيه و يشحذ صفة إنسان من المسيطرين على المدينة حتى يمنحوه حقوقه كاملة مكتملة…

ادن انتبه مليا لما يخرج من فمك أيها القصراوي المخضرم ، فالخطأ يلبسك من راسك حتى أخمص قدميك، فقصراوة إنسان متطلع و راق كباقي المغاربة في أنحاء المعمور و باقي البشر في العالم اجمع شئت أم أبيت، لهم الحق في حياة سليمة و معافاة من كل نشاز و في بيئة نظيفة، فهدف الكائن القصري ليس فقط و كما تدعي الأكل و الشرب مثله مثل البهيمة، و لكن له الحق في أن يطمح للعيش بشهية و بذوق و بإيمان قار بحقه في إدراك قيم الجمال و الخير و الإنسانية في دواخله.. و اعلم أخي أن اخطر سلاح يفتك بالمرء ألا هو احتقار الشخص لنفسه مما يؤدي إلى سلبها حقها و عدم قيامها بواجباتها و هدا ما تسعى إليه …احتقرت نفسك بما فيه الكفاية أو لم تكتف بعد …

هذه المدينة صديقي هي في أمس الحاجة إلى مسؤولين مبدعين في مسؤولياتهم واثقين من كرامة إنسان القصر الكبير … هذه المدينة التي قد تصبح جميلة لو أراد مسؤوليها و ساكنتها ذلك ، قد سئمت من تلك الأغنية الركيكة ذات اللازمة المستهلكة و السائدة “معندناش الإمكانيات الضرورية” و قد نستبدلها” بمعندناش الإرادة الحقيقية لتطبيق القانون و لا في فرضه بسلطة القانون نفسه لا على إنسان و لا حيوان لأجل تغيير واقع حزين لمدينة تستحق الفرح لكن ماذا عساي أقول !!!!

كم تظلمون و لستم تشتكون و كم **** تستغضبون و لا يبدو عليكم غضب .

عندما أعود إلى مدينتي، و كيف لا أعود، أغضب و أحزن فهي لا تتغير كثيرا و ربما لا يراد لها ذلك بقصد عربنتها … أطل عليها بحنين فأجدها صامدة بحالتها الكئيبة و العابسة لعشرات السنين .. فوجدتني أتصورها من فرط تعاطفي و تضامني معها مظلومة مقهورة كما هو الحال في خرافة “عائشة رمادة ” متمنية مجيء الملاك بالعصا السحرية إليها لتغيير واقع مرير يحتاج بحق إلى معجزة من السماء …

أو تذكرين أمي الحنون بماذا أجبتني حين تمنيت مازحة لو كان منزلك بعجلات …أخبرتك أني وددت لو حولته إلى وجهة أخرى لأنكم تستحقون الأفضل قلت بان هذه المدينة هي وطنك اتهمتني بالجحود و التعالي على مرتع الطفولة و الشباب لكن الحقيقة أن غيرتي و عجزي عن القيام بأي شيء و عقلي الذي لا ينفك يتساءل هم وراء كل مواقفي التي ترفضينها بتاتا…

لكني أعدك أبي الفاضل و أعدك أمي الحبيبة بأنها ستكون آخر مرة سأنتقد فيها مدينتك مدينتي وطنك و وطني و سأكتفي بالتفكير بصمت و الدعاء بصمت كذالك لعل حلمي يتحقق و انتم أدرى به مني….

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع