أخر تحديث : السبت 7 ديسمبر 2013 - 12:09 صباحًا

اللغة العربية والسياسة التعليمية

عبد الله الناصري | بتاريخ 7 ديسمبر, 2013 | قراءة

يدعو نور الدين عيوش إلى إدراج الدارجة ضمن برنامج المدرسة المغربية، وإلى جعلها لغة الانتاج الثقافي المغربي، وفي المقابل يرفض عبد الله العروي هذه الفكرة رفضا قاطعا، لكنه يقترح حلا بديلا وهو تسهيل اللغة العربية بحذف بعض قواعدها النحوية والصرفية في المستوى الأولي، والقسم الأول والثاني من المستوى الابتدائي، في مناظرة على القناة الثانية.

وسواء تعلق الأمر بطرح بديل لغوي للعربية أو التنازل عن بعض قواعدها فإن ذلك، حتما، سوف يثير حافظة معظم المثقفين المغاربة. ولعل تلك المناظرة، وأحد أطرافها عالم كبير كعبد الله العروي، علامة على بداية مرحلة جديدة لتطور المشهد الثقافي بالمغرب. ولكن أهو تطور صحي أم تدهور يحسبه البعض تطورا ؟ إن الحكم على هذه “الظاهرة” يحتاج منا إلى تفسير سليم لهذا  التطور. ولعلنا إذا ربطنا واقع اللغة العربية بالسياسة التعليمية المتبعة سوف نهتدي، ولو نسبيا، إلى فهم صحيح لحقيقة هذه الظاهرة، ومن ثم محاولة الحكم عليها بشكل موضوعي.

أعتقد أن دور التربية والتعليم تكمن أهميته، بالدرجة الأولى، في التكوين الفكري المؤسس على التربية “العلومية”. وأقصد بالتربية العلومية تلك التربية التي تتغيى، مستقبلا، إنتاج العلماء وليس “اليد العاملة”. أما أن نحصر أهمية هذا الدور في ملاءمة التربية والتعليم لمتطلبات سوق الشغل، فهذا أمر لا يستقيم. لماذا ؟ لأن هذا الربط بين المدرسة وآفاق التشغيل يترتب عليه عدة مشاكل، أهمها تعارض تعليم اللغة العربية مع شروط سوق الشغل؛ ذلك أن هذه اللغة غير مطلوبة مقارنة مع الفرنسية والإنجليزية وغيرهما. ولما تم الترويج لهذه العلاقة بين التعليم والشغل لعدة عقود، أصبح التعليم عندنا يرادف التأهيل المهني بدل التكوين الانساني. وهو مما قلل من شأن العربية عند معظمنا؛ لأن قيمتها موصولة بالدين والفكر والأدب والنقد وكل العلوم الانسانية، وزهد الناس في هذه العلوم التي لا تؤهل أبناءهم لولوج سوق الشغل أنقص من تلك القيمة، حتى أصبحت العربية وعلومها تتلاشى مكانتها شيئا فشيئا في بلدنا.

ولما آلت اللغة العربية إلى ما آلت إليه أصبح البعض منا لديه استعداد لأن يستجيب لما يروج له دوليا في الساحة اللغوية العربية من إعطاء الأولوية للهجات المحلية (الدارجة). وهو ذو بعدين؛ سياسي واقتصادي، ولا داعي لأن نقف على حيثيات هذين البعدين الآن، ونكتفي، فقط، بالإشارة إلى أن دعوة عيوش غير بريئة؛ إذ جاءت تلبية لغرض تجاري، فقال من جملة ما قال إن لغتنا هي الدارجة وليس العربية، وإن العربية صعبة جدا، وإن على الثقافة أن تكون بالدارجة وليس بالعربية ووو… ولولا أن العربية قد هان أمرها عند معظم شبابنا لما استطاع قول ذلك. ولعلنا نعلم جميعا دافع عيوش وراء دعوته إلى تعليم الدارجة، وعلاقة ذلك بتوسيع نشاط القروض الصغرى لديه. ولكن الأخطر هو أن هذا الغرض التجاري يخدم مصلحة سياسية لدى “الغير” المغضوب عليه، والمتربص بنا منذ قرون، لأنه يدرك جيدا أن اللغة العربية صلة وصل بيننا وبين دين الاسلام، وأن التاريخ الإسلامي شاهد على انهزامه أمام من أعزهم الله بهذا الدين. والنقاش في هذه النقطة يحتاج إلى حيز أكبر. ولكن أقول إن إضعاف هذه الصلة (اللغة العربية) لن يكون إلا بشيئين: استبعاد اللغة العربية من آفاق الانتاج المهني والثقافي، ودمج الدارجة، بدلا عنها، في مجالات المهن والثقافة. وهذا سوف ينعكس سلبا، بالتأكيد، على آفاق تعليم اللغة العربية، وقد بانت بوادر ذلك. فالناس، طبعا، نظرا لبساطة تفكيرهم، يرون مصلحة أبنائهم فيما يؤهلهم لمهنة معينة وليس فيما يجعلهم ذوي علم ومعرفة في المستقبل.

إن تعليم “اللهجة الدارجة” يتنافى تماما مع دور التربية والتعليم الذي يتغيى إنتاج العلماء؛ فهي لا ترقى إلى مرتبة “العلم الإنساني”؛ لذلك فتعليمها لا يمكن أن يساهم في مشروع “عالم” المستقبل، ولكن قد يساهم في إنتاج يد عاملة بسيطة في مجالات محدودة كترجمة المسلسلات الأجنبية، ولعل هذه الخطوة ستنعش وتوسع أكثر هذا المجال ههه. وإذا كانت دعوة عيوش جاءت بناء على دعوى تسهيل اللغة العربية على الأطفال، فقد يبدو للبعض أنه لا بأس فيما اقترحه عبد الله العروي. و لكن بماذا يفسر ترحيب عيوش نفسه بهذا الاقتراح ؟ إن ذلك يدل، في رأيي، على أن العروي لم يكن الاختيار الصحيح لمناظرة عيوش؛ فنظرته إلى اللغة العربية ليست نظرة أصولية؛ بحيث تضع في عين الاعتبار كون الكلام باللغة العربية لا يعرف صحيحه من سقيمه إلا بالنحو العربي. ولعل معظمنا انتظر منه موقفا شبيها بموقف أبي سعيد السيرافي عندما ناظر متى بن يونس في النحو العربي والمنطق اليوناني، لكنه للأسف خيب آمالنا.

والحق أن العربية تتجاوز كونها لغة من اللغات؛ إنها علم إنساني كبير جدا. ولن أبالغ إن قلت إن تقرير حذف بعض قواعد اللغة العربية في سنوات التعليم الأولى سوف يكون بداية مأساة جديدة لهذا العلم (العربية). لماذا ؟ لأن اللغة قواعد، والقواعد تحفظ الدلالة، والتنازل عن جزء من هذه القواعد معناه أن يقرأ الطفل الآية “إنما يخشى الله من عباده العلماء” دون أن يميز بين الفاعل والمفعول به، فيقع في عكس ما تريده الآية الكريمة. فهذا تساهل وليس تسهيلا. وإن كان اقتراح العروي يبرر مشروعيته بكونه إجراء مرحليا، فهذا الإجراء سوف يجعل التلميذ يتعود على الخطأ في قراءة الآية، وهيهات أن يستطيع المعلم تصحيح الخطأ له في المستقبل. ثم كيف يمكنني أن أشرح لأحد ، كبير أو صغير، بأن “العلماء” في الآية هم من يخشون “الله” وليس العكس، دون أن أضعه أمام الفرق بين الفاعل والمفعول به. كما أن التلميذ إذا تعود في العربية على تسكين الآخر، كما جاء في اقتراح العروي، فإنه سيصعب عليه ضبط الحركات الإعرابية فيما بعد، فيظل يخلط بينها طيلة حياته. بل إن صدور هذا الكلام من رجل كالعروي يساهم في التمهيد لفكرة سوف تترسخ مستقبلا كثقافة؛ وهي أن “تسكين الآخر” في اللغة العربية تطور لغوي.

ثم لماذا استطاع أجدادنا تعلم اللغة العربية وعلومها منذ الصغر دون تسهيل ونحن لا نستطيع ؟ إذن المشكل ليس في كون هذه اللغة صعبة، وإنما المشكل في افتقاد أبنائنا إلى ذلك الشغف بتحصيل العلم الذي كان لدى أجدادنا. والسبب في ذلك هو أنه منذ عقود والسياسة التي توجه التعليم في بلادنا تكرس ثقافة “قرا باش تخدم” وليس “قرا” كي تعلم ما لم تعلم. وهذه الثقافة، للأسف، توطدت عندما اتخذت صبغة بيداغوجية، من خلال استيراد مناهج تربوية وتعليمية مؤسسة على واقع اقتصادي لا ينتمي إلى ثقافتنا الحقيقية. فكانت النتيجة اغتراب مؤسستنا التعليمية باغتراب مؤسستنا الاقتصادية في ظل تبعيتها للمؤسسة الغربية. وهيهات هيهات أن تفرض اللغة العربية نفسها في هذا الوسط السياسي والاقتصادي والثقافي والبيداغوجي الذي يغترب عاما بعد عام.

أما مسألة تعليم الدارجة وتسهيل اللغة العربية فتبقى حلا ترقيعيا قد يفسد أكثر من أن يصلح. والحل الحقيقي، في رأيي، يتمثل في إعادة النظر، بشكل شمولي وجذري، في تلك السياسة “الغالطة” التي تتبعها الدولة في توجيه القطاعات الحيوية، كالتعليم، لخدمة “الرأسمالية

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع