أخر تحديث : الإثنين 9 ديسمبر 2013 - 5:00 مساءً

نافذة على الزواج خارج مؤسسة الأسرة

ذ. محمد الموذن | بتاريخ 9 ديسمبر, 2013 | قراءة

بالأمس القريب كانت مؤسسة الأسرة تحظى بقدسية الاحترام، محصنة بهالة من التقدير، تسيجها ضوابط اجتماعية، وتحميها مواثيق دينية وأخلاقية وقانونية، تتضافر من أجلها الجهود، وتتوزع فيها الأدوار، وتحترم فيها الخصوصيات والمسؤوليات، واليوم اختلط الحابل بالنابل، وفقدت الأسرة مناعتها، فتقاذفتها الأمواج والعواصف، واستعصى على الربان القيادة والتجديف في بحر الحياة بعد أن ضاعت من رب الأسرة بوصلة التوجيه، وتكسر المجداف، وتسرب “فيروس” البرجماتية والمصالح، ومنطق الربح والخسارة إلى معايير اختيار العروس أو العريس.

بالأمس كان الشباب يدبرون شؤون الزواج باستشارة الوالدين والأقارب، وكان الراغب منهم في ذلك يعد العدة على امتداد سنة كاملة أو سنوات، ويستحضر جملة من المعايير في اختيار شريكة الحياة، في مقدمتها الاستقامة الخلقية والإيمانية، والجاه والنسب، مستعينا في ذلك بأمه وأقاربه، الذين ينفتحون أولا على محيط الأسرة والجيران، ثم تتسع دائرة البحث والترصد لتشمل الحي والمدينة، وعندما يجدون العروس المناسبة يقترحونها على ابنهم الذي لا يتردد في المصادقة على الاختيار، فتتم الخطبة، ويبرم عقد النكاح، ويقام حفل الزفاف، وتبدأ رحلة الزواج في مسيرة الحياة، بمباركة الوالدين والأقارب والجيران، حياة آمنة مستقرة، يتكفل فيها الزوج بتوفير العيش الكريم لجميع أفراد أسرته، من نفقة وحماية، وتتعهد الزوجة بتربية الأبناء، وإدارة شؤون البيت، وكانت المودة والطمأنينة تدثر سقف بيت الزوجية إلا استثناء.

واليوم أضحى أغلب الشباب لا يفكرون في بناء عش الزوجية، ولا يرغبون في تكوين أسرة، فهم في غفلة عن ذلك، وربما أعرضوا عن مشروع الزواج قناعة أو سهوا، لعدة أسباب وإكراهات، تختلف من شاب إلى آخر، ولذلك فأغلبهم لا يعدون للزواج عدة، ولا يعيرون للجنس الآخر اعتبارا، فقط يلهثون وراء إشباع غرائزهم الجنسية على حساب الفتيات، وطهارة البنات، فاكتسبوا مهارات كبيرة في فن الغزل المذموم، والكلام المنمق المعسول، والمكر والاحتيال، واصطياد الطريدة ولو كانت وسط القطيع، فأوقعوا بالعفيفات في شراك مكرهم، وضربوا لهم موعدا للزواج خارج إطار الزمان، يظل معلقا بين كان وما كان، طريقه السراب، وواقعه الحلم، ومآله الفشل والزوال، ومصيره المأساة والمعاناة.

تظل الفراشة مكسورة الجناح، والفتاة تبكي سوء الحظ والطالع، تنتظر البشرى من قارئة الكف والفنجان، وتنعي ضياع فارس الأحلام، أما الثعلب فيواصل هواية الصيد والافتراس، وينتقل إلى حقل آخر، وحي جديد يمارس فيه البحث عن صيد جديد، وضحية أخرى يختطفها من أهلها، ومن وسط القطيع، والصقر والعقاب والنسر يطاردون سرب الحمام، وينقضون بعنف وبلا رحمة على ضحايا أخريات، يضيفونهن إلى سجل ضحاياهم، أما الفتاة التي نجت من الجوارح، أو فضلت المكوث بين أحضان والديها داخل خدر العفة والطهارة، وفضلت الانتظار، فهي تغازل طيف فارس الأحلام، في الوقت الذي يتابع العريس المفترض قطف الزهور، واغتيال الأحلام الجميلة، ومضاعفة نشاطه المحظور في ارتياد الفضاءات المشبوهة والمراقص، يشعل الأضواء الحمراء احتفالا بالرذيلة، وزمن الغواية.

تنتظر بنات الأسر الشريفة طرق الباب، غير أن الزائر تأخر أو غاب، ومن شرفة العفة والاستقامة تطل المصونة العفيفة على ابن الجيران، أو على ابن العم أو الخال، فلا ترى إلا أشباه رجال، غاب عنهم الرشد، وتملكهم بعد منتصف الليل السكر والهذيان، وبعد أيام وشهور وأعوام، يعود الفتى إلى الحي، يجر أذيال الخيبة والأسى، وبجانبه أم طفله تحكم قبضتها على معصميه والقفا، اضطر مكرها بين سوء الظنون وحلقات الاستنطاق أن يعترف بطفلها ابنا له في مخفر الشرطة، وأمام قاضي الأسرة، وخوفا من الملاحقة القضائية، ومن سوط السجان، ومن ضياع المنصب والجاه فضل قبول الزواج، واستسلم لأخف الضررين، وكلاهما مر، وعلى فراش النزوة، وسرير القران تعانق المكر والاحتيال، والرغبة المشتركة في الانتقام، فغابت الثقة والاطمئنان بين الزوجين، وحضر الحذر وسوء الظن، وتحول بيت المودة والسكينة إلى حلبة صراع وخصام، وبعد أشواط طويلة انهزم الزوجان، وسقطا بالضربة القاضية في جلسة قاضي الأسرة، الذي حكم بالطلاق، فانهارت مؤسسة الأسرة، وكان أكبر ضحاياها الأبناء.
لم يدم الزواج إلا شهورا قليلة، وتحولت اللذة إلى نقمة ومحنة، واغتالت دمعة الأسى والندم ابتسامة الرضا والأمل، وأسدل الستار على أحد فصول مسلسل الدراما الاجتماعية على مسرح الحياة الزوجية.

أما بنات العفة والطهارة فلازلن في بيوتهن مصونات، يغازلن طيف فارس الأحلام المفترض، ويتشبثن بخيوط الأمل، والصبر الجميل، وغدا أو بعد غد ستزف كلهن للمستقبل السعيد، إنها حقا مفارقة اجتماعية كبيرة، ومأساة إنسانية خطيرة، تعاني منها الفتيات اللائي يكتفين بالإطلالة من خلف شباك بيت الأسرة، كما تعاني بحجم أكبر الفتيات اللواتي يقفن “برأس الدرب”، ويترددن على المقاهي والملاهي، أولائك أتعبهن زمن الانتظار، وهؤلاء أرهقهن الرقص الممل في علب الليل،ونظرة الاستهتار والازدراء، واختلس لصوص العفة جمالهن، وزبناء اللذة بهاءهن، الذين لا ينظرون إلى المرأة باعتبارها إنسانا ذا قيم ومبادئ، بل ينظرون إليها باعتبارها تفاحة في بستان الغواية حان اقتطافها، وبضاعة جميلة وجب اقتناؤها قبل انتهاء تاريخ صلاحية استهلاكها، وباسم الحرية والحداثة غرر المستهترون بالمرأة المتحررة من قيود الرقابة، واستدرجوها للمبيت خارج البيت في سوق الغواية.

النتائج وخيمة وصادمة، فأغلب الشباب المغربي يعيش العنوسة، ومنهم من أضرب عن مشروع الزواج، والأسرة فقدت القدرة وبوصلة توجيه أبنائها وبناتها لاختيار العروس أو العريس، والكل أصبح يخبط خبط عشواء، فحل زواج الإكراه محل زواج الرضا، وضعفت روابط العصمة، وتصدع صرح الأسرة من جراء زلزال الطلاق الذي يهتز له عرش الرحمان، إنها كارثة اجتماعية بكل المقاييس، تولد اليتم، وتخلف التشرد والانحراف، والمطلوب اجتماعيا أن تتدخل كل الهيئات والفعاليات المؤثرة، لتقديم الإسعافات الضرورية، واقتراح وصفات العلاج لهذه الظاهرة التي تعددت أسبابها، وتفاقمت مخاطرها.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع