أخر تحديث : الأربعاء 23 مارس 2011 - 11:18 مساءً

الشكل والمضمون: المطلوب إصلاح العقليات وليس الأجهزة

ذ.المختار الغربي | بتاريخ 23 مارس, 2011 | قراءة

 

 

نحن الآن في السنة السادسة والخمسين من الاستقلال، عاشها المغرب والمغاربة بالطول والعرض، وإذا استثنينا حدث المسيرة الخضراء، سنجدها (تلك الخمسون سنة وليس الحدث)، باهتة، فقيرة وليس فيها ما يسجل (بمداد الفخر والاعتزاز)، ولن يستطيع (عباقرة السياسة المغربية) تسجيل فسادهم وانتهازيتهم بذلك المداد، وقطعا لن يتجرؤوا على الزهو والافتخار بما حققوه وتسببوا فيه من مآسي ومصائب لبلدهم ومواطنيهم بتواطئهم وجبنهم وخنوعهم.

{jcomments on}من حيث الشكل، لدينا كل مقومات الدولة (ولا يهم أن تكون متخلفة أوعصرية)، المهم أن هناك أجهزة، (ولا يهم أن تكون فاعلة أو مفعولا بها)، والأهم أن هناك قوانين (ولا يهم أن تكون ميتة وبلا روح)، أحيانا يبدو كل ذلك كجسم مشلول ومترهل.
الشكل المنظور لا يمكن تحسسه ولمسه، هلامي وزئبقي، من الصعب الإمساك به.
أما المضمون فهو الواقعي والحقيقي في كل تجلياتهما، هذا المضمون، هذا الواقعي، وهذه الحقيقة، (كلها مبعث الأسى والحسرة) على ما مضى من عمر المغرب المستقل والمغاربة الضائعين.
منذ سنوات طويلة ونحن نداري، ونكابد ونعاني، ومن حينها وفي طياتها كانت تمر الأحداث ثقيلة ومضنية حد الضجر وفقدان الأمل،، وقد تعرى أثناءها كل الجسد المغربي المثخن بالجراح. مرة بالوعود وأخرى بسنوات السلم الاجتماعي وغيرها بسلسلة من أعوام التأمل، وفي الطريق تتآكل الثقة في العافية، وتتكاثر الأضرار والمواجع.
المضمون يبدو قاتما ومدمرا، تخريب من هنا وتدمير من هناك، وتستفحل الأمور والأوضاع دون بصيص ضوء، انطفأت المصابيح والشموع، بل وتقطع أية يد تمتد إلى إضاءتها. نصبت المذابح والمقاصل لقطع دابر كل من سولت له النفس، ليس في الإصلاح فقط، بل حتى مجرد التفكير فيه والحلم به. هناك حراس عصابات ليس لهم من شغل إلا الإعتراض لكل نسمة زكية تنعش القلوب والنفوس، وليس لهم من ديدن إلا نشر ألوية اليأس والقنوط.
لقد اعتمدت آليات الحكم وتدبير شؤون المغرب والمغاربة منذ الاستقلال على قاعدة، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها عنصرية وسخيفة، وهي تجميع وسائل النفوذ والسلطة في أيدي أشخاص كل ما يتوفرون عليه هو المال والنسب العائلي مع الاعتماد على عناصر ذات تفكير سوقي لتنفيذ مخططات العائلات الكبرى التي تستحوذ على المناصب الحساسة في الاقتصاد والسياسة، وليس بالضرورة في الجندية والأمن. هذا المنحى في التسلط هو سبب كل الكوارث والمصائب التي يعيشها المغرب تحت وطأة معادلات ومناورات جهنمية محكومة بهاجس التحكم في رقاب «الأوباش» حتى لا تخرج رجلهم من «الشواري» بعبارة أخرى، المغرب للأقوياء ولا مكان فيه للضعفاء الذين عليهم أن يخدموا «أسيادهم» تحت سلطة قانون «الأسياد والعبيد».

تعتمد الدول المدرجة في عداد الديمقراطية على آليات لتنظيم وتدبير شؤونها العامة، وتصريف قراراتها وإجراءاتها، ولا يقتصر أمر هذه الآليات على النصوص القانونية وحدها، بل هناك أعراف وتقاليد تحرص الأنظمة وشعوبها على تفعيلها بالشكل الذي يضمن تطبيق الحقوق والواجبات في انسجام وتوافق تامين لا يسمح بالإرتجال والعشوائية والفوضى إلى جانب الحفاظ على هيبة الدولة وكرامة المواطن. نحن المغاربة نعرف الكثير عن تلك الآليات والقوانين والتقاليد ، ولكن في حدودها النظرية ولا نستطيع الأخذ بها وتطبيقها، بل الأسوأ أننا لا نريد التعايش معها وبها، هناك أسباب وعلل كثيرة تعرقل إرادتنا في تنظيم أحوالنا وشؤوننا العامة، والمفارقة أن أغلبها رسمي لأنها أساسا مبنية على نوعية الأفكار والتصورات التي تسكن عقلية أصحاب القرار ومن يعملون على تصريفها، تنم عن تخلف وقصور في طبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتقهم.
لقد توضحت عدة أمور خلال الثلاثين سنة الماضية تشي بأن الدول والشعوب التي عزمت على حسم أمورها التنظيمية، فعلت ذلك وأفلحت بسهولة، فقط بحسن النوايا واحترام القوانين، وأساسا ببناء النصوص والهياكل على جزئيات قد تبدو تافهة ولكنها كحجارة مرصوصة لبناء صلب وقوي.
في بلدنا «الجميل»، وبعد عدة سنوات من «الاستقلال والحرية» يتأكد يوم بعد يوم أننا فاشلون ولا  نعرف كيف نبني دولة حسب المواصفات (المتعارف عليها دوليا)، ولا نستطيع حتى مجرد التحكم في جزئيات صغيرة وتافهة بالفعل، وقد لا تتطلب أصلا لا قوانين ولا نصوص ولا إجرءات، فقط يتطلب الأمر النية الحسنة والتفكير السليم والحكمة في التدبير و… التحرر من سيطرة سلطة النفوذ والثراء والانتهازية واحتقار الآخرين.
نعم، هناك التفاصيل، لكن ما الفائدة من ذكرها إذا كانت المصيبة أن النائمين في العسل في أذانهم وقر، وفي أعينهم رمد، وفي أفواههم ملاعق من ذهب، ويمشون على أربع عجلات في النهار وقوائم في الليل.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع