أخر تحديث : الإثنين 25 يوليو 2016 - 9:33 مساءً

مقتطف من يوميات مجازة عاطلة

بوابة القصر الكبير | بتاريخ 26 ديسمبر, 2013 | قراءة

جملية البوطي


جميلة البوطي
(…)هدهدت بهدباء لبعض الوقت مرددة اغنية الاطفال مطلعها نيني امومو حتى يطيب عشانا و لا ما طاب عشانا, يطيب عشا جيرانا , واحد النهار تكبر لي تقرا و تنجح لي من المدرسة للكلية تجيب الشهادة العليا …” فسقطت دمعة ثقيلة على وجه ابنتي دون اذن مني , فقد انسجمت مع الاغنية التي تاتي على ذكر الدراسة و الكلية لدرجة انها القت على كاهلي ذكريات ممزوجة بالعشق و الكراهية. اليوم , و خلال هذه الساعات البطيئة الحركة و المبثورة الذوق اكملت التسع سنوات من البطالة, تفقدت الورقة يا الاهي قد اوشكت على الاصفرار و كذالك اصبح حلمي ايضا…

تذكرت اليوم الذي تسلمنا فيه الورقة , لن اقول بعد اليوم كلمة الشهادة , انها ورقة كسائر الاوراق , ربما كورقة الاشجار , الفرق بينهما ان ورقتي سقطت في يوم صيفي حار بيد ان اوراق الاشجار تسقط في فصل الخريف ….

حقا, كان يوما حارا حين تسلمي الورقة و صوت احد الزملاء في الدراسة مازحا ما زال يرن في اذني لحد الان:” ايوا سيري فزكيها و شربيها …..حينذاك اجبته مبتسمة و بكل ثقة و هدوء: ” ماشي بالضرورة …” لملمت حاجياتي و اديت كل واجباتي اتجاه مؤسسة الحي الجامعي, و توجهت نحو محطة القطار, ادليت ببطاقة السفر للمسؤول , فاخبرني ان البطاقة قد استوفى اجلها و بالتالي علي ان اؤدي ثمن التذكرة كاملا ..ذهلت من حجم المفاجاة فالمصيبة اني يومها لم احمل معي فلسا اضافيا, ففرحي بنجاحي و اتمام دراستي انساني ان ادخر مبلغا معقولا لهذا اليوم الاسود, فقد كان كل شيئ محسوبا بالسنتيم بما في ذالك تذكرة القطار بالتسعيرة المخفضة طبعا و لن انسى “ثلاثة دراهم ديال الحرشة و رايبي جميلة “..لاطعم جوعي اثناء السفر الطويل الى المنزل ..
ما العمل اذن ? توجهت نحو احد المسافرين و الذي يصعب علي نسيانه اذ يقطن بنفس مدينتي و لن انسى ما حييت ذلك المشهد “الانساني” الذي ابداه معي…

تكلمت معه بصوت جد جد منخفض و انا اتصبب عرقا من الخجل و الكبرياء , و طلبت منه ان يعيرني اثنين و عشرين درهما على اساس استراداد مبلغه حين وصولنا الى مدينتنا. لم ينظر الي صاحبنا حتى بل اجابني بكل جفاء:” معنديش و صافي “..نظرت من حولي, توقعت ان كل الناس ينظرون الي , ربما كان الطالب صادقا في كلامه , لكن طريقة كلامه كانت خالية من كل شهامة و مروءة. اهتزت نفسيتي و اصبح العرق يتصبب مني اكثر و اكثر …حقا كان موقفا صعبا ..اقتربت مني احدى المسافرات و استفسرت عن سبب توتري و بعد ان اطلعتها على الامر , قالت و هي تشير باصبعها الى احدهم قابعا في مكان ما “انه سيتكلف بثمن التذكرة نيابة عنك و عني, المهم ان تذهبي اليه و تشرحي له موقفك …” التفت الى الكريم الحاتمي الذي قل نظيره هذه الايام فوجدته رجلا ليس كسائر الرجال المتواجدين هناك ! كان ضخم الجثة طويل القامة و الشعر ابتسم لي بخبث فابانت ابتسامته عن اسنان جلها ذهبية اللون و اغلبها استغنت عن مكانها, لن انكر اني ضحكت يومها , حملقت جيدا في الفتاة “المرشدة ” و اجبتها :”سير ابنتي واخا نبات هنا …” و بامية ظاهرة للعيان اجابتني ” الله ..”يجعلك تباتي هنا نيت “.

وجدت نفسي في دوامة مدينة لا اعرف فيها احدا و لا يعرفني احد, و ما زاد الطين بلة هو وجود امراة متسولة هي و ابنها , كانا يوزعان قصاصات من الورق مكتوب عليها نوع المشكلة و بالتالي طلب المساعدة , كلما وقع نظري عليها الا و ينتابني شعور ممزوج بالضحك و البكاء .فكرت مليا في الخروج من هذه الورطة, فاذا بي المح سيدة تظهر عليها كل سمات الاحترام توجهت نحوها و عزمت على ان اكلمها و انا ارتعد, قبل ذالك اخرجت بطاقتي الوطنية و قلبا ذهبيا صغيرا كانت قيمته انذاك مئة و عشرين درهما , وضعتهم في يدي قبل شروعي في سرد قصتي , فقد طلبت منها المبلغ على اساس اني سامنحها القلب الهدية الاولي من رفيق عمري و الذي هو زوجي الان , مقابل خدمتها , و على اساس استردادي لاشيائي بمجرد حصولها على المبلغ المذكور …رفضت المراة عرضي بل و امتنعت عن مدي باسمها او عنوانها حتى لا اتمكن من ان ارد لها المال … الشهادة لله تعاملت معي بطريقة راقية و انسانية الى حد بعيد , فقد قدرت الموقف برمته و رفضت كل مقابل مجيبة بكرم اخلاق و لباقة “الموقف لا يستحق و كلنا له معرضون “…

اشتريت التذكرة و اخذت مكاني اخيرا بالقطار .اثناء الطريق سافرت بافكاري , ابني و اهدم و احلم و اتخيل …ماذا بعد الاجازة ? ماذا لو اخذتني البطالة الى احضانها انا الاخرى مثل البقية التي سبقتني ماذا و ماذا !!!

انتابني بعض من الحزن و الكابة و انا اقترب من مدينة, كانت جل نوافذها موصدة في وجهي بعد ان ودعت وداع العاشق لمعشوقته مدينة استلهمت من منابعها الغنية معاني مختلفة للحياة و المعرفة و الحرية و الصداقة و المحبة ايضا ..
يا الاهي كان يوما نحسا من اوله كما قالت احدى الصديقات! و صلت الى منزل الاسرة وجدت كل النوافذ مغلقة و المنزل في شبه عتمة ليلية , ابدى والدي الفرح الكبير بنجاحي لكنني عاتبت امي قائلة :”ما هذا اليوم يا امي, انه مظلم منذ بدايته, كنت اظنك ستستقبلينني بالزغاريد و الاعلام”!”

مرت ايام و رحلت اخرى, الى ان وصل ميعاد هذا اليوم المظلم هو الاخر, و الذي اطفئ فيه الشمعة التاسعة من تاريخ تسلمي لتلك الورقة. في هذا اليوم اطلقت تنهيدة عميقة و انا اغني لابنتي الصغرى” نيني امومو …”و بعدها سالت نفسي سؤالا و بودي لو طرحته على كل الناس, هل ما زال يذكرني (يذكرنا احد) ? هل يعلم احد من مقرري المصير في هذا الوطن انني و الكثير من ممن عانوا مظلمة ذلك اليوم الاغبر , قضينا سبعة و عشر عاما و اكثر في الدراسة و طول الامل قبل ان يصدروا الحكم حكمهم القاضي بان نظام التعليم الذي خضعنا له اصبح عاقرا او” ما كيسوا والو ” و ان “السوق ” حاليا لا تحتاج الى شواهدنا الخ…

ما ذنبنا ? و هل كان ضروريا ان نطوي كل تلك المراحل و نبذل معها من جهدنا و عنائنا و مال اسرنا المقهورة لنسمع في الاخير هذا الحكم المجاني , العبثي , بعد ان وشحنا بوسام الفشل من الدرجة الاولى ….بربكم هل ما زال يذكرني احد ? اشك في الامر لا سيما اني لم انتم قط الى الجمعيات الحاضنة لاحلام الشباب المعطل. نعم اعترف بهذا, لانني و بكل بساطة كنت لا اجرؤ على ذلك خوفا من ابي و حاليا لا استطيع فعل ذلك مطلقا اعتبارا لزوجي …

كم من مرة تمردت قائلة :” هل درست كي اصبح الة لتفريخ الاطفال و عبدة في المطبخ !!!” لكن سرعان ما اتراجع عن مقولتي و اندم شديد الندم رفقا بنفسي التي ارهقتها الاسئلة العالقة بل و افرطت في انهاكها . فربما اصبحت فريسة للقلق و مدمنة على رثاء ذاتي .
قصتي التي رويت البعض من فصولها اوشكت على الانتهاء , و قبل اسدال ستارها لا باس في ان اروي لكم نهاية جميلة لقصة الصديق الذي سبق و ان قال لي منذ زمن و كما تذكرون معي :”…سيري فزكيها و شربيها…”.. لقد حصل لحسن حظه على وظيفة محترمة في احدى عمالات وطننا الحبيب..لكن بقيت بعض الاسئلة بعد توظيفه معلقة: “ترى متى اعلن عن مباراة التحاقه و متى اجتازها, و كيف نجح او لسنا كلنا مواطنين سواسية امام القانون و متعادلين في الفرص اااه لا ادري ما الذي يجعلني اتذكر مسرحية شهيرة لارثر ميلر و الحاملة لعنوان” كلهم ابنائي “..

للحديث بقية و الف شجن , فقد نفذ كلامي المباح في هذه اليوميات, و حتى لا يقتلني الياس و الضجر ساظل احلم و احلم “بعيدا عن اعين القتلة” بملاقاة الملاك الذي حول الساندريلا من خادمة الى اميرة , و قد اكتب يومية اخرى من يومياتي يكون مطلعها “مقتطف من يوميات امراة ناجحة جدا و راضية جدا “من يدري ? فما حققه المرء اليوم لم يكن بالامس الا حلما …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع