أخر تحديث : الثلاثاء 7 يناير 2014 - 1:18 صباحًا

أتذكر فأخجل من نفسي

جميلة البوطي | بتاريخ 7 يناير, 2014 | قراءة

كانت رحلة جميلة و عصيبة في نفس الوقت تلك التي خضنا غمارها نحو جبال أوكيمدن الطريق وعرة ، و تتطلب مهارة في السياقة و صبرا جميلا . لكن ما أن تصل حتى تنسى كل التعب ، من شدة بهاء منطقة ، كم هو محظوظ من تطا رجلاه إياها .ثلج أبيض كسحاب في يوم مشمس و جميل، و لم أرى له مثيلا في أي مكان اخر . كنت كلما أحسست بالعياء إلا و ارتاح عليه ، و كنت أحسب نفسي جالسة على قطعة حجر، لا يخلف بللا و لا أي شيئ آخر على الملابس … مشاهد المتزلجين في ذلك المنتجع السياحي و زرقة السماء و اشراقة الشمس وسطها ، هيجت عندي رغبة في التصوير . فالصورة ليست فقط للذكرى و لكن تاريخا لزمن يشهد على سويعات من الدهشة و الفرح و الجمال .

قضينا وقتا اكثر من رائع ، التقطت لاسرتي صورا اقل ما يمكن القول عنها انها فاتنة ، اسرة، و باهرة و كنت في كل مرة اعيد مشاهدتها على شاشة الكاميرا الصغيرة الا و اقول لنفسي ضاحكة و بصوت مرتفع ” ساهيئ فيلما صغيرا ، و ساسميه ” رحلة في احضان البياض ” ، حتى اجعل كل من يراه يحلم بجبال اوكيمدن في وضح النهار …

عند المساء عدنا ادراجنا و بناتي يقرضن شعرا في حق رحلة لا توصف ، بل تعاش .كانت الطريق جد مكتظة و هي ضيقة بالاساس و لا تسمح بالسرعة بتاتا او بتجاوز سيارة اخرى مما فرض على كل السائقين سرعة خفيفة كما لو كنا نتمشى على الطرقات … فجاة بدات افواج الاطفال الصغار تنزل من اعلى سفوح الجبال المحيطة بالطريقة في الاسفل و يتناوبون على كل السيارات بوجوهم المتسخة ، و اسمالهم البالية التي لا تنفع مع البرد القارس لشهر فبراير حينذاك ..اصابع ارجلهم ظاهرة للعيان ، متحدية برودة الثلج الذي يحيط بكل حجر و حتى الشجر … مادين بايديهم الصغيرة عبر نوافذ السيارات مرددين جملة بلغة فرنسية عجيبة يحفظونها عن ظهر قلب:”مُونْسْيُو آنْ دِيرْهَامْ سِيْلْتُوبْلِي’…

هناك من كان ينزل عند رغبتهم و يمدهم بدرهم او درهمين لا يسمنان و لا يغنيان من جوع ومن برد قارس ، لكن يغنيهم على الاقل عن غضبة القهر و الرفض . و هناك من اقفل زجاج النافذة حتى يكفي نفسه حر ضجيجهم و اقحامهم لايديهم داخل السيارة بتهور الصغار . و هناك الاخر الذي استفزني مشهده اكثر من اي احد اخر، لاني لم القى له تفسيرا …ذلك الذي كان يصدر قهقهات في وجه الصغار و يلتقط لهم الصور دون ان يتكرم عليهم و لو بنصف درهم…

…”صافي تسالا الصرف…” حزنت فتياتي الحنونات و العطوفات على المساكين فانا ربيتهن كما رُبِّيتُ انا على حب المسكين ، و اطعامه ، و الشفقة عليه ، و عدم قهره او التشفي و الشماتة منه …لان الحياة “غدارة “و “دوارة “و لا امان فيها مطلقا… فلم يربيني ابي على متاهة مفادها ان “الطعام طريق الى قلب الرجل” بل رباني على حقيقة معناها ” ان الطعام طريق الى الله” ، و هو حقا طريق معبدة الى الله و بالسرعة الفائقة ..

بدان يتحسرن على عدم تواجد المزيد من القطع النقدية داخل السيارة و كم خجلت من تعاطفهن ، لان الفرحة التي كانت ترسم على تلك الوجوه التعيسة و الموناليزية ، تجعلك تتمنى لو ان في حوزتك “خنشةديال الدراهم ” فقط لكي لا تقهرو لا سائلا او مسكينا منهم …
كنت اراقبهم بحياء و هم فرحون يركضون بالقطع النقدية القليلة جدا ، صاعدين وعورة الجبال بمهارة نحو امهاتهم كما لو انهم يحملون بين كفوفهم الصغيرة ثروة تذكر …
تحسر زوجي على عدم حملنا معنا ملابس الشتاء التي جمعتها قبل سفري الى مراكش ناوية منحها الى احدى الاسر المعوزة و الفقيرة و التي اعرفها بالقصر الكبير …فاجبته و في داخلي حسرة، و ندما ، و خجلا من نفسي : ” كُلاَّ وْ رْزْقُو وْ رْبِّي مَكَيْنْسَى حْتَى حَدْ …”

حزنت على طفولة تعاني من البرد و تتدرب بفعل الفقر و الجهل على التسول منذ نعومة اظافرها ، بفعل التهميش و سوء التدبير و قسوة وطن تظاف الى قساوة الطبيعة و عوامل اخرى خارجة عن ارادتهم ..

رجعنا الى مراكش الحمراء و الخضراء و الجميلة .و انا ارتب ملابسنا استعدادا للعودة الى المنزل فوجئت بزوجي مصدوما يقول لي و بحزن :” الحاسوب اضاع كل صور اوكيمدن و البطاقة التي كانت تحمل المئات من الصور و العشرات من الفيديوهات تبدو تقريبا فارغة و لا ادري ما السبب !!!!! ”

كان وقع الصدمة على قلبي كصفعة موجعة ، ففرحتي بنهاية رحلة متالقة و كان ختامها مسك في جبال اوكيمدن تبخرت الى سراب …
بكيت كالاطفال حين تضيع منهم لعبهم … عم حزن رهيب في الشقة… بدات شيماء تعدني ببحثها عن احدث برنامج على اليوتوب لارجاع صوري و ذكرياتي الضائعة .فقد كان بكائي غريبا عنها فانا عادة لا ابكي امام انظار بناتي ، و ان تصادف وان بكيت فلوجع لا يقاوم . و لم تكن سوى مرات قليلة و تعد على اطراف اصابع يد واحدة …

اتصلت بامي لاطمئنها على قدومنا سالمين من الجبل اخبرتها بقصتي ، و بحزني، فقالت لي كلمات ايقضتني من كابوس مزعج ، و من دراما بدات تتلاشى شيئا فشيئا : “… احمدي الله على سلامة بناتك فهن بقربك سليمات و معافات. و انت بصحة جيدة و لا تنسي انك في شهرك السادس و قد غامرت في سفرك هذا بسلامة حملك … فاحمدي الله على السلامة و في المرة القادمة التقطي صورا اخرى فضياع الصور ليس نهاية العالم فاوكيمدن لا يزال قابعا في مكانه …”

فاذا بي فجاة استيقظ من غفلتي و اتذكر مشهد الاطفال و كم خجلت من حزني …
حقا ساخجل …
ساخجل من نفسي كلما حزنت على فقداني للصور …
و ساخجل من نفسي كذلك كلما اشعلت المدفاة و دثرت ابنائي و هناك من يتجمد من البرد حد الموت …
و ساعاتب نفسي كلما تهاونت في تقديم المساعدة لاحدهم كلما كنت قادرة على ذلك
و ساخجل اكثر اذا لم احمد الله رغم كل شيئ فالحمد لله اولا و اخيرا …

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع