أخر تحديث : السبت 11 يناير 2014 - 1:01 مساءً

“الـﯕراب “: مهنة من الماضي تصارع من أجل البقاء

جلال الحمدوني | بتاريخ 11 يناير, 2014 | قراءة

هي مهنة عرفها المغاربة منذ قرون، خاصة في المدن العريقة كمراكش، فاس، سلا والقصر الكبير…، إنها مهنة “الـﯕراب”، ذاك الشخص البشوش الذي يطغى على لباسه اللون الأحمر، والحريص على اعتمار الشاشية المزينة بأهداب متناسقة، وحول عنقه حزام أسود سميك يعلق عليه جرابه المصنوع من جلد الماعز، أو ما يسمى بالدارجة العامية “الـﯕربة”، وفي يديه أواني نحاسية مصقولة بمهارة فائقة، صابا بحركاته البارعة ما تيسر من ماء عذب، يجلب كل ناظر إليه ليروي عطشه منه، وتتناغم حركاته تلك مع قرع خفيف من ناقوسه النحاسي، مرددا عبارات “آمولا ﯕربا ديال الما… رويها يا العطشان في سبيل الله…رحمة للوالدين”.

لقد كانت مهنة الـﯕراب فيما مضى تدر دخلا قارا، ويحظى أصحابها باحترام وتقدير في الأوساط الاجتماعية، من تلك القيمة المضافة التي يحققها قطاع السياحة في بلادنا؟، فهو يعد في نظر السياح القادمين لزيارة المغرب منتوجا سياحيا لا ينفصل عن باقة المنتوجات السياحية المقدمة في الدليل الإشهاري. في مجتمع عرف ندرة في الماء، وكانت جل المنازل توفر حاجتها من تلك المادة الحيوية إما من بئر داخل المنزل، والذي قد يتعرض للجفاف في فصل الصيف، فكانت مهمة الـﯕراب جلب المياه للدور بالمدينة العتيقة، فشكلت تلك الحقبة بالنسبة إليه عصرا ذهبيا. كما تجاوزت شهرته الحدود، وخلدت صورته ريشة كبار التشكيليين عبر العالم منذ القرن التاسع عشر.

و في مدينتي، كانت هناك بعض الأماكن يقصدها الـﯕراب للتزود بالماء كالساقية أو السقاية (وهو الإسم المتداول شعبيا) المتواجدة بالقرب من ضريح مولاي علي بوغالب المعروفة بباب العار، والتي لم يتبق منها سوى الأطلال. ويحز في نفسي أن أرى سقاية باب العار وقد طالها الإهمال والنسيان، عكس ما نشهده في مدن كفاس، فسقاية النجارين مثلا وغيرها تعرف اهتماما متزايدا وتوافدا للسياح عليها، وهي ملجأ الـﯕرابة لملء جرابهم الجلدية بالماء الزلال.

وفي صغرنا كان الـﯕراب متواجدا في كل مكان نذهب إليه، ونتسابق للظفر بشربة ماء من أوانيه النحاسية، فتجده في الأسواق، محطات نقل المسافرين وفي الساحات…، كما كان له زبائن قارين كالحرفيين في الشطاوطية، وسوق الحايك، أو في دار الدباغ. والذاكرة الشعبية احتفظت لنا بأمثال جميلة عن الـﯕراب، منها:”إذا بغيتي الما في الصيف اتصاحب مع الـﯕراب في الليالي”. وهو لا يعتكف عن ممارسة مهنته إلا في الفصل المطير وفي شهر الصيام.

واليوم لا نكاد نرى الـﯕراب إلا في بعض المناسبات كصبيحة يوم عاشوراء، أو في بعض الأماكن التي تعرف توافد الزوار للتبضع، مستجديا المارة ليجودوا عليه ببعض السنتيمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا توفر له قوته اليومي فبالأحرى قوت أسرته. ولعل قنينات المياه المعدنية بجميع الأحجام والتي أضحت متداولة الاستعمال على نطاق واسع تشكل العدو الأول للـﯕراب.
مهنة الـﯕراب في عصرنا هذا الموسوم بالسرعة والفاقد للحس التراثي الجميل، أصبحت تصارع من أجل البقاء، إنه يشبه ذاك المحارب الذي لا يستسلم رغم تلقيه للعديد من الضربات القاتلة.

وما يفجع القلب حقا هو بالرغم من المعاناة التي يعيشها ممتهنو هذه الحرفة، وبالرغم من وجودها على حافة الانقراض، فلم نسمع يوما أحدا من نواب الأمة، أو وزيرا في السياحة أو التشغيل.. أن تطرق لمعاناة هذه الفئة العريضة من أبناء هذا الوطن.
وفي غياب إحصائيات عن العدد الحقيقي لممتهني مهنة الـﯕراب، يبقى من باب أضعف الإيمان أن يستفيد الـﯕراب من ترويج صورته في الداخل والخارج، فإذا تصفحنا بعض المواقع التي تروج للسياحة المغربية، أو بوابات وكالات الأسفار، فإننا نجدها لا تتوانى عن استغلال صورة الـﯕراب في ملصقاتها الإشهارية وفي ترويجها السياحي، فهل يناله قسط من تلك القيمة المضافة التي يحققها قطاع السياحة في بلادنا؟، فهو يعد في نظر السياح القادمين لزيارة المغرب منتوجا سياحيا لا ينفصل عن باقة المنتوجات السياحية المقدمة في الدليل السياحي.

وعودا على بدء نقول، “الـﯕراب” ذاك الشخص البشوش الذي يمارس مهنة شريفة يستحق الأفضل، لأنه بصم مهنته البسيطة بمداد الفخر في سجل تراثنا الشعبي المغربي، هذا التراث الذي هو ثروة حضارية من الماضي تركه أسلافنا للاستعانة به في حاضرنا للعبور إلى المستقبل.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إدارة الموقع